الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق 18 سبتمبر 2020 مـ

العارف بالله الإمام الجنيد رضي الله عنه

نسبه:

هو الإمام العارف الجنيد بن محمد بن الجنيد النهاوندي، ثم البغدادي.
مولده: وُلِدَ ببغداد سَنَةَ نَيِّفٍ وَعِشْرِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي ثَوْرٍ صاحب الإمام الشافعي. وَسَمِعَ مِنَ السَّرِيِّ السَّقَطِيِّ وَصَحِبَهُ، والسري السقطي خال الجنيد ترجمه العلماء والأولياء بالمكانة العظمى والمرتبة العليا. وَصَحِبَ أَيْضًا الحَارِثَ الـمُحَاسِبِيَّ، وغيرهما من أجلة المشايخ.
مناقبه وثناء العلماء عليه:
قال أبو نعيم: (ثم أقبل على شأنه وتألَّه وتعبَّد، وصحب الحارث المحاسبي، وأبا حمزة البغدادي، فسلك مسْلكهما في التحقيق بالعلْم واستعماله).
وقال أيضا: (كان الجُنيد – رحمه الله – ممن أحكم علْمَ الشريعة).
وقال الخطيب مؤكِّدًا ذلك: (ثم اشتغل بالعبادة ولازمها حتى علت سِنه، وصار شيخ وقته، وفريد عصره في علْم الأحوال والكلام على لسان الصوفيَّة).
ويقول عن نفْسه – رحمه الله -: (كنت أُفتي في حلقة أبي ثور الكلبي (سنة 240)، ولي عشرون سنة).
وقَالَ ابْنُ المُنَادِي: (سَمِعَ الكَثِيْرَ، وَشَاهَدَ الصَّالِحِيْنَ وَأَهْلَ المَعْرِفَةِ، وَرُزِقَ الذَّكَاءَ وَصَوَابَ الجَوَابِ. لَمْ يُرَ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ فِي عِفَّةٍ وَعُزُوفٍ عَنِ الدُّنْيَا).
وقال الإمام السبكي: (سيد الطائفة ومقدم الجماعة وإمام أهل الخرقة وشيخ طريقة التصوف وعَلم الأولياء في زمانه).
واتفق العلماء على أن طريقة الإمام الجنيد طريقة متبعة، ومذهبه مذهب سالم. أخذ الطريقة ولبس الخرقة من يد خاله السرِي السقطي رضي الله عنه، وهو لبسها من يد الإمام معروف الكرخي، وهو لبسها من يد الإمام داود الطائي، وهو لبسها من يد الإمام الحسن البصري، وهو لبسها من يد سيدنا ومولانا الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، كما أورد ذلك الحافظ السيوطي.
(كَانَ الكَتَبَةُ-يَعْنِي: البُلَغَاءَ-يَحْضُرُونَهُ لأَلفَاظِهِ، وَالفَلاسِفَةُ يَحْضُرُونَهُ لِدِقَّةِ مَعَانِيْهِ، وَالمُتَكَلِّمُوْنَ يَحْضُرُونَهُ لِزِمَامِ عِلْمِهِ).
وقال السلمي: (وهو مِن أئمة القوم وسادتهم، مقبولٌ على جميع الألسنة).
وقال الذهبي: (كان شيخَ العارفين، وقُدوة السائرين، وعَلَم الأولياء في زمانه).

كراماته:
اشتهر عنه كرامات منها أن الشيخ كان يتكلم على الناس فوقف غلام نصراني متنكرًا وقال: (أيها الشيخ ما معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى)، فأطرق ساعة ثم رفع رأسه وقال له: أسلِم فقد حان وقت إسلامك، فأسلم الغلام).
عن أبي عمرو بن علوان قال: (خرجتُ يوما إلى سوق الرحبة فرأيتُ جنازة فتبعتها لأصلي عليها ووقفت حتى يُدفن الميت في جملة الناس، فوقعت عيني على امرأة مسفرة من غير تعمد فألححتُ بالنظر فاسترجعتُ واستغفرتُ الله تعالى، ثم عدتُ إلى منزلي فقالت لي عجوز: يا سيدي ما لي أرى وجهك أسود، فأخذتُ المرآة، فنظرتُ فإذا وجهي أسود، فرجعتُ إلى سري أنظرُ من أين دهيت؟ فذكرتُ النظرة فانفردتُ في موضع أستغفر الله وأسأله الإقالة أربعين يوما، فخطر في قلبي أن زُرْ شيخك الجنيد فانحدرتُ إلى بغداد فلما جئتُ الحجرةَ التي هو فيها طرقتُ البابَ فقال لي: ادخل يا أبا عمرو تُذنب بالرحبة ونستغفرُ لك ببغداد). [صفة الصفوة].
من كلماته ومواعظه:
كان الجُنَيْد يَقُوْلُ غَيْرَ مَرَّةٍ: (عِلْمُنَا مَضْبُوطٌ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَنْ لَمْ يَحْفَظِ الكِتَابَ وَيَكْتُبِ الحَدِيْثَ وَلَمْ يَتَفَقَّهْ، لاَ يُقْتَدَى بِهِ).

وقال: (التوحيد: علمك وإقرارك بأنَّ الله فرد في أزليته، لا ثاني معه، ولا شيء يفعل فعله).
وسُئل عن التوحيد فقال: (إفراد الموحَّد بتحقيق وحْدانيته بكمال أحديته: أنه الواحد، الذي لَم يلدْ ولَم يولد، بنفي الأضداد، والأنداد، والأشباه، بلا تشبيه، ولا تكييف، ولا تصوير، ولا تمثيل ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ).
وقَالَ رضي الله عنه: (كُنْتُ بَيْنَ يَدَيِ السِّرِيِّ أَلْعَبُ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِيْنَ، فَتَكَلَّمُوا فِي الشُّكْرِ؟ فَقَالَ: يَا غُلاَمُ! مَا الشُّكْرُ؟ قُلْتُ: أَنْ لاَ يُعْصَى اللهُ بِنِعَمِهِ).
وقال: (إن الله يخلص إلى القلوب من بره على حسب ما تخلص إليه القلوب من ذكره؛ فانظر ماذا خالط قلبك؟).
وكان رضي الله عنه يقول: (الغفلة عن الله تعالى أشد من دخول النار).

وقال: (التوحيد إِفرَادُ القَدِيْمِ من المـحدَثِ.) اهـ
حكاه عنه الإمام أبو القاسم القشيري والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهما.
وفاتـه: توفي رضي الله عنه سنة 297 هـ ومقامه في الجانب الغربي من مدينة بغداد مزار ظاهر على رؤوس الأشهاد.