الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق 18 سبتمبر 2020 مـ

الإمام ابن عطاء الله

قال الإمام ابن عطاء الله رضي الله عنه:

إِنْ أَرَدْتَ أَنْ يَكونَ لَكَ عِزٌ لا يَفْنى، فَلا تَسْتَعِزَّنَّ بِعِزٍّ يَفْنى.

الأَكْوانُ ظاهِرُها غِرَّةٌ وَباطِنُها عِبْرَةٌ. فَالنَّفْسُ تَنْظُرُ إلى ظاهِرِ غِرَّتِها، وَالقَلْبُ يَنْظُرُ إلى باطِنِ عِبْرَتِها.

مَتى فَتَحَ لَكَ بابَ الفَهْمِ في المَنْعِ عادَ المَنْعُ عَيْنَ العَطاءِ.

رُبَّما أَعْطاكَ فَمَنَعَكَ وَرُبَّما مَنَعَكَ فأَعْطاكَ.

مَطْلَبُ العارِفينَ مِنَ اللهِ تَعالى الصِّدْقُ في العُبودِيَّةِ وَالقِيامُ بِحُقوقِ الرُّبوبِيَّةِ.

الرَّجاءُ ما قارَنَهُ عَمَلٌ، وإلّا فَهُوَ أُمْنِيَةٌ.

ما العارِفُ مَنْ إذا أَشارَ وَجَدَ الحَقَّ أَقرَبَ إلَيْهِ مِنْ إِشارَتِهِ. بَلِ العارِفُ مَنْ لا إِشارَةَ لَهُ، لِفَنائِهِ في وُجودِهِ وَانْطِوائِهِ في شُهودِهِ.

خيرُ ما تَطْلُبُهُ مِنْهُ ما هُوَ طالِبُهُ مِنْكَ.

مَتى رَزَقَكَ الطّاعَةَ وَالغِنى بِهِ عَنْها فَاعْلَمْ أنَّهُ قَدْ أَسْبَغَ عَلَيْكَ نِعَمَهُ ظاهِرةً وَباطِنَةً.

إذا أَرَدْتَ أنْ تَعْرِفَ قَدْرَكَ عِنْدَهُ فانْظُرْ في ماذا يُقيمَكَ.

مَنْ وَجَدَ ثَمَرَةَ عَمَلِهِ عاجِلاً فَهُوَ دَليلٌ عَلى وُجودِ القَبولِ آجلاً.

إنَّما جَعَلَ الدّارَ الآخِرَةَ مَحَلّاً لِجَزاءِ عِبادِهِ المُؤْمِنينَ؛ لأَنَّ هَذِهِ الدّارَ لا تَسَعُ ما يُريدُ أنْ يُعْطِيَهُمْ. وَلِأَنَّهُ أَجَلَّ أَقْدارَهُمْ عَنْ أنْ يُجازِيَهُمْ في دارٍ لا بَقاءَ لَها.

مَنْ رَأيْتَهُ مُجيباً عَنْ كُلِّ ما سُئِلَ، وَمُعَبِّراً عَنْ كُلِّ ما شَهِدَ، وَذاكِراً كُلَّ ما عَلِمَ، فاسْتَدِلَّ بِذلِكَ عَلى وُجودِ جَهْلِهِ.

قَوْمٌ أَقامَهُمُ الحَقُّ لِخِدْمَتِهِ وَقَوْمٌ اخْتَصَّهُمْ بِمَحَبَّتِهِ {كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً}.

مِنْ جَهْلِ المُريدِ أنْ يُسيءَ الأَدَبَ فَتُؤَخَّرَ العُقوبةُ عَنْهُ، فَيَقولَ: لَوْ كَانَ هذا سُوءَ أدَبٍ لَقَطَعَ الإِمْدادَ وَأَوْجَبَ الإِبْعادَ. فَقَدْ يَقْطَعُ المَدَدَ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا مَنْعُ المَزيدِ. وَقَدْ يُقامُ مَقامَ البُعْدَ وَهُوَ لا يَدْري، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا أنْ يُخَلِّيَكَ وَما تُريدُ.

خَفْ مِنْ وُجودِ إحْسانِهِ إلَيْكَ وَدَوامِ إساءَتِكَ مَعَهُ أنْ يَكونَ ذلِكَ اسْتِدْراجاً لَكَ {سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ}.

مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعَمَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِزَوالِها، وَمَنْ شَكَرَها فَقَدْ قَيَّدَها بِعِقالِها.

مَنْ لَمْ يُقْبِلْ عَلى اللهِ بِمُلاطَفاتِ الإحْسانِ قِيْدَ إلَيْهِ بِسَلاسِلِ الامْتِحانِ.

أنْتَ حُرٌ مِمّا أنْتَ عَنْهُ آيِسٌ. وَعَبْدٌ لِما أنْتَ لَهُ طامِعٌ.

ما قادَكَ شَيْءٌ مِثْلُ الوَهْمِ.

ما بَسَقَتْ أَغْصانُ ذُلٍّ إلّا عَلى بِذْرِ طَمَعٍ.

قَطَعَ السّائِرينَ لَهُ وَالواصِلينَ إلَيْهِ عَنْ رُؤْيةِ أَعْمالِهِمْ وَشُهودِ أحْوالِهِمْ. أمّا السّائِرونَ فَلِأنَّهُمْ لَمْ يَتَحَقَّقوا الصِّدْقَ مَعَ اللهِ فيها، وَأمّا الواصِلونَ فَلِأنَّهُ غَيَّبَهُمْ بِشُهودِهِ عَنْها.

لا تُفْرِحْكَ الطّاعَةُ لأَنَّها بَرَزتْ مِنَكَ، وَافْرَحْ بِها لأَنَّها بَرَزتْ مِنَ اللهِ إلَيْكَ. {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ}.

النّورُ جُنْدُ القَلْبِ، كَما أَنَّ الظُلْمَةَ جُنْدُ النَفْسِ. فإذا أرادَ اللهُ أنْ يَنْصُرَ عَبْدَهُ أَمَدَّهُ بِجُنودِ الأَنْوارِ وَقَطَعَ عَنْهُ مَدَدَ الظُلَمِ وَالأَغْيارِ.

أَوْرَدَ عَلَيْكَ الوارِدَ لِيُخْرِجَكَ مِنْ سِجْنِ وُجودِكَ إلى فَضاءِ شُهودِكَ.

لا صَغيرَةَ إِذا قابَلَكَ عَدْلُهُ. وَلا كَبيرَةَ إِذا واجَهَكَ فَضْلُهُ.

لا يَعْظُمِ الذَنْبُ عِنْدَكَ عَظَمَةً تَصُدُّكَ عَنْ حُسْنِ الظَّنِّ باللهِ تَعالى، فإنَّ مَنْ عَرَفَ رَبَّهُ اسْتَصْغَرَ في جَنْبِ كَرَمِهِ ذَنْبَهُ.

لا تَتْرُكِ الذِّكْرَ لِعَدَمِ حُضورِكَ مَعَ اللهِ فيهِ، لِأَنَّ غَفْلَتَكَ عَنْ وُجودِ ذِكْرهِ أَشَدُّ مِنْ غَفْلتِكَ في وُجودِ ذِكْرِهِ. فَعَسى أَنْ يَرْفَعَكَ مِنْ ذِكْرٍ مَعَ وُجودِ غَفْلةٍ إلى ذِكْرٍ مَعَ وُجودِ يَقَظَةٍ، وَمِنْ ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ يَقَظَةٍ إلى ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ حُضورٍ، وَمِنْ ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ حُضورٍ إلى ذِكِرٍ مَعَ وُجودِ غَيْبَةٍ عَمّا سِوَى المَذْكورِ، {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ}.

حُسْنُ الأَعْمالِ نَتائِجُ حُسْنِ الأَحْوالِ، وَحُسْنُ الأَحْوالِ مِنَ التَّحَقُّقِ في مَقاماتِ الإِنْزالِ.

ما قَلَّ عَمَلٌ بَرَزَ مِنْ قَلْبِ زاهِدٍ، وَلا كَثُرَ عَمَلٌ بَرَزَ مِنْ قَلْبِ راغِبٍ.

رُبَّما كُنْتَ مُسيئاً فَأَراكَ الإحْسانَ مِنْكَ، صُحْبَتُكَ مَنْ هُوَ أَسوأ حالاً مِنَكَ.

لا تَصْحَبْ مَنْ لا يُنْهِضُكَ حالُهُ وَلا يَ
دُلُّكَ عَلَى اللهِ مَقالُهُ.

لا تَرْحَلْ مِنْ كَوْنٍ إلى كَوْنٍ فَتَكونَ كَحِمارِ الرَّحى؛ يَسيرُ وَالمَكانُ الَّذي ارْتَحَلَ إلَيْهِ هُوَ الَّذي ارْتَحَلَ عَنْهُ. وَلكِنِ ارْحَلْ مِنْ الأَكْوان إلى المُكَوِّنِ، {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}. وَانْظُرْ إلى قَوْلِهِ – صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ – “فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلى اللهِ وَرَسولِهِ، وَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إلى دُنْيا يُصيبُها أو امْرأةٍ يَتَزَوَّجُها فَهِجْرَتُهُ إلى ما هاجَرَ إلَيْهِ”. فافْهَمْ قَوْلَهُ – عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – وَتَأمَّلْ هذا الأمْرَ إنْ كُنْتَ ذا فَهْمٍ .. والسَّلامُ.

العَجَبُ كُلُّ العَجَبِ مِمَّنْ يَهْرُبُ مِمَّنْ لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، وَيَطْلُبُ ما لا بَقاءَ لَهُ مَعَهُ. {فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}.

إنْ لَمْ تُحْسِنْ ظَنَّكَ بِهِ لأَجْلِ حُسْنِ وَصْفِهِ، فَحَسِّنْ ظنَّكَ بِهِ لِوُجودِ مُعامَلَتِهِ مَعَكَ. فَهَلْ عَوَّدَكَ إلّا حَسَناً! وَهَلْ أَسْدى إلَيْكَ إلّا مِنَناً؟!

لا تَرْفَعَنَّ إلى غَيْرِهِ حاجَةً هُوَ مُوْرِدُها عَلَيْكَ. فَكَيْفَ يَرْفَعُ غَيْرُهُ ما كانَ هُوَ لَهُ واضِعاً! مَنْ لا يَسْتَطيعُ أَنْ يَرْفَعَ حاجَةً عَنْ نَفْسِهِ فَكَيْفَ يَسْتَطيعُ أنْ يَكونَ لَها عَنْ غَيْرِهِ رافِعاً.

لا تَتَعَدَّ نِيَّةُ هِمَّتِكَ إلى غَيْرِهِ؛ فَالْكَريمُ لا تَتَخَطّاهُ الآمالُ.

شُعاعُ البَصيَرةِ يُشْهِدُكَ قُرْبَهُ مِنْكَ. وَعَيْنُ البَصيرَةِ تُشْهِدُكَ عَدَمَكَ لِوُجودِهِ. وَحَقُّ البَصيرَةِ يُشْهِدُكَ وُجودَهُ، لا عَدَمَكَ وَلا وُجودَكَ.

أَصْلُ كُلِّ مَعْصِيَةٍ وَغَفْلَةٍ وَشَهْوةٍ؛ الرِّضا عَنِ النَّفْسِ. وَأَصْلُ كُلِّ طاعَةٍ وَيَقَظَةٍ وَعِفَّةٍ؛ عَدَمُ الرِّضا مِنْكَ عَنْها. وَلَئِنْ تَصْحَبَ جاهِلاً لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ خَيرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَصْحَبَ عالِماً يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ. فأَيُّ عِلْمٍ لِعالِمٍ يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ! وَأَيُّ جَهْلٍ لِجاهِلٍ لا يَرْضى عَنْ نَفْسِهِ!

اخْرُجْ مِنْ أوْصافِ بَشَرِيَّتِكَ عَنْ كُلِّ وَصْفٍ مُناقِضٍ لِعُبوديَّتِكَ لِتَكونَ لِنِداءِ الحَقِّ مُجيباً، ومِنْ حَضْرَتِهِ قَريباً.

الحَقُّ لَيْسَ بِمَحْجوبٍ، وإنَّما المَحْجوبُ أَنْتَ عَنِ النَّظَرِ إلَيْهِ. إذْ لَوْ حَجَبَهُ شَيءٌ لَسَتَرَهُ ما حَجَبَهُ، وَلَوْ كانَ لَهُ ساتِرٌ لَكانَ لِوُجودِهِ حاصِراً، وَكُلُّ حاصِرٍ لِشَيءٍ فَهَوَ لَهُ قاهِرٌ، {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ}.

تَشَوُّفُكَ إلى ما بَطَنَ فيكَ مِنَ العُيوبِ خَيْرٌ مِنْ تَشَوُّفِكَ إلى ما حُجِبَ عَنْكَ مِنَ الغُيوبِ.

اهْتَدى الرّاحِلونَ إلَيْهِ بِأَنْوارِ التَّوَجُّهِ، وَالواصِلونَ لَهُمْ أنْوارُ المُواجَهَةِ. فَالأوَّلونَ لِلأنْوارِ، وَهؤلاءِ الأنْوارُ لَهُمْ، لأنَّهُمْ للهِ لا لِشَيءٍ دونَهُ. {قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ}.

لِيَقِلَّ ما تَفْرَحُ بِهِ، يَقِلَّ ما تَحْزَنُ عَلَيْهِ.

{لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن سَعَتِهِ}: الواصِلونَ إلَيْهِ. {مَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}: السّائِرونَ إلَيْهِ.

شَتَّانَ بَينَ مَنْ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَوْ يَسْتَدِلُّ عَلَيِهِ. المُسْتَدِلُّ بِهِ عَرَفَ الحَقَّ لأَهْلِهِ، فأَثْبَتَ الأَمْرَ مِنْ وُجودِ أَصْلِهِ. وَالاسْتِدْلالُ عَلَيْهِ مِنْ عَدَمِ الوُصولِ إليَهِ. وَإلّا فَمَتى غابَ حَتّى يُسْتَدَلَّ عَلَيْهِ؟! وَمَتى بَعُدَ حَتّى تَكونَ الآثارُ هِيَ الَّتي تُوْصِلُ إلَيْهِ؟!

ما اسْتُوْدِعَ في غَيْبِ السَّرائِرِ، ظَهَرَ في شَهادةِ الظَّواهِرِ.

مِنْ عَلاماتِ النُّجْحِ في النِّهاياتِ، الرُّجوعُ إلى اللهِ في البِداياتِ.

لا تَسْتَغْرِبْ وُقوعَ الأَكْدارِ ما دُمْتَ في هذهِ الدّارِ. فإنَّها ما أَبْرَزَتْ إلّا ما هُوَ مُسْتَحِقُّ وَصْفِها وَواجِبُ نَعْتِها.

ما مِنْ نَفَسٍ تُبْدْيهِ إلّا وَلَهُ قَدَرٌ فيكَ يُمْضيهِ.

الزُّهَّادُ إِذَا مُدِحُوا انْقَبَضُوا لِشُهُودِهِمُ الثنَاءَ مِنَ الخَلْقِ ، وَالْعَارِفُونَ إِذَا مُدِحُوا انْبَسَطُوا لِشُهُودِهِمْ ذَلِكَ مِنَ المَلِكِ الحَق.