الخميس 11 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 26 نوفمبر 2020 مـ

الإمام شمس الزمان

قال شمس الزمان الشيخ الدكتور طارق بن محمد السعدي أدام الله علينا وعلى الأمة فضله وإحسانه:

‏السُّنَّة: أَنْ لا يَتَدَرج السّالِك أَو يَجْنِي مِن عمْران دَرَجَته المَصالِح إلا بإشْراف مُرْشِد صالِح.
‏إذا لم يَعْتَمِد السالك مُراقبة ومحاسبة نفسه بإرشاد الأولياء، لا يتوصل إلى زكاتها إلا بمعجزة سمحاء.
‏أَصْلُ الصُّحْبة: إحْكامُ الاعتقاد بالكُبراء، وإحسانُ مُقابلة القَضاءِ، والاستقامةُ في الأداءِ، واتِّباعُ الإفتاء.
‏دَوْرُ الأوْلياءِ الصَّالحينَ: إرْشادُ العِبادِ إلى ربِّ العالَمينْ؛ { ومن يُضْلِلْ فلنْ تَجِد لهُ وليَّاً مُرْشداً }.

الإسلامُ مُكَرِّمٌ للأنَام.
العبادة الشرعية الإسلامية: ضرورة لا غنى عنها للبشرية.
التصوف المستقيم: صفاء العبد لله العظيم، بصدق العِلم وإخلاص الخُلُق وصلاح العمل وِفْق توجيه عارف كريم.
التمسك بالكتاب والسنة شريعة: إنما يتحقق بالتزام ما بينه الأئمة المتبَعون، لا باتباع المبتدعين أو تقرير ما تبلُغه أفهام قاصرة وأهواء وضيعة.
اتباع السلف الصالح: إنما يتحقق بموافقة ما تقرر عند أئمتهم المعتمَدين، لا بالوقوف على كلام مفرد وتأويله وفق الأهواء والمصالح.
المذاهب المعتمدة السُّنية: قد تقررت بناء على النظر في الأدلة الشرعية، فلم يفتهم ما يَستدل به في مخالفتهم الزائغون وعلى رأسهم الحشوية.
هب أن مذاهب الزائغين كالحشوية معتبرة وأئمتهم علماء! فهل ذلك يضاهي المذاهب المعتمدة وأئمتها؟ لاسيما وهم كقطرة في بحرهم! والتاريخ يشهد.
إن فرضيّة المقارنة بين مذهب الحشوية ومذاهب أهل الحق ليس لالتباس في فساده على التحقيق؛ فلا شك بأنه مذهب رقيق، خال من السداد والتوفيق.
دعوة الرجوع إلى الكتاب والسنة: دعوة لاتباع الداعي أو النفس دون الأئمة المعتمدين! وذلك: إعراض عن السلف الصالحين، وتعدّ لحدود الدِّين.
الأحكام المبيَّنة في المذاهب المعتمدة السنية: هي دلالات الكتاب والسنة الشرعية، فهي مراجع الناس العلمية المرعية.
بدأ الإسلام في أهل السنة والجماعة: بالمذهبين الأشعري والماتريدي اعتقادا، والأربعة المعروفة خلا حشوية الحنابلة فقها، والتصوف السني سلوكا.
الإسلام العائد غريبا: هو المُبْتَدَأ عند أهل السنة والجماعة، بعد أن يغربه أهل البدع والإشاعة.
البدعة المنكرة في الإسلام: هي المُحْدث الذي لا مستند له في الشريعة، ولا أثر لعدم وقوع المعروفة ابتداء كما يروِّج أهل المذاهب الوضيعة.
المستندات الشرعية: هي الدلائل الإجمالية المستنبَطة من الأدلة الكُليَّة.
إنما أنكر الزائغون الوسائل والتوسلات الشرعية: من جهة عدم تمييز الباطل عن الحق؛ بناء على ما تشابه في خطاب الإلهية.
إن الوسائل والتوسلات الشرعية: قربات مَرعيَّة، بينما الوسائل والتوسلات الشركية: مضاهات في الإلهية.
الأولياء الصالحون مشفَّعون في الحوائج بالإذن القُدسيّة، خاضعون في شفاعتهم للحكمة الإلهية، فلا تعارض في عدم نفاذ شفاعتهم لهم أو للبرية.
أذيَّة الأولياء الصالحين من الممكنات، والمؤذي لهم مأذون بحرب رب البريات! ولا تعارض لذلك مع شفاعتهم في دفع الأذى وقضاء الحوائج المرعيات.
قيّد الله تعالى بيانَه بالعربية، وحججَه بالعقلانية! فمن تأوَّل الوحي على غير حدودهما المرعية: فقد تقوَّل على رب البرية.
علامة المذهب المرتضى: الاستقرار والاستمرار في قواعد الاستنباط والحكم والقضا! والاختلاف والتناقض علامة البطلان واتباع الهوى.
قامت المذاهب المعتمدة على الكتاب والسنة وفق السبر والتحقيق، وحلي القائمون عليها بالإمامة والتوفيق، فدليل المخالف موجَّه لديهم ومذهبه رقيق.
ذكر الله تعالى نزاهته عن معاني الكائنات في الوحي بالإجمال والتفصيل، وهو معتمد أهل الحق في التوحيد بالتفويض والتأويل، وما خالفهم إلا عليل.

زعم الزائغون وصف الوحي للحق بمعاني الكائنات! وليس فيه إلا خطاب تُقرر معناه القرائن البيّنات، هُدي إليه المعتمَدون، واتبع هؤلاء المتشابهات.
سبيل المؤمنين (أهل السُّنة) المعتمَدين: عقيدة الماتُريديين والأشعريين، وفقه مذاهب الأئمة الأربعة المعروفين، وسلوك طُرُق الصوفية الصالحين.
الجوهر والعَرَض والجِسم مصطلحات: وُضِعت للدلالة على المعاني التي يُبنى عليها وجود الكائنات، ولا يتأثر حكمها بالتنوع والاختلافات.
الشريعة الإسلامية لا تنحصر بصادر الشارع من الأفعال؛ فالأحكام تثبت أيضاً بالتقارير والأقوال، فلا يَغُرَّنكم تشدق الزائغين بالفعل للاستدلال.
جاء الشارع بالأحكام على التفصيل والإجمال؛ لبيان حدود الواقع ومستندات الاستقبال! فذلك المرجع في تقرير حكم محدثات الأفعال.
الذكر بالأسماء الحسنى على التجريد (بذِكر الاسم دون إضافات لفظية) مشروع، ومعناه مؤول على نية الذاكر: كالإثبات والتسبيح والخضوع.
الخلاف قديما وحديثا قائم على اعتبار “هو (ومعناه: الواجب)” من الأسماء الحسنى! والصحيح: أنه منها؛ علميا، وكما بيّن العارفون بالمقام الأسمى.
المجاز: اصطلاح يعبر عن الألفاظ المستعملة في غير موضوعها الأول، ولو باعتبار المصطلحين. فالإنكار على ذلك جهل مركب.
المجازيّون لم يعتبروا للمجاز معنى خارجا عن استعمال اللغة، فيمكن للمنكِر التغاضي عن المصطلح وإدراك الموضوع من الدلائل والقرائن.
عجبا! كيف يؤاخذنا الزائغون على موقفنا من أئمتهم، بينما هم يقعون في أئمتنا المعتمدين! يتوهمون الشوكة في عيوننا، ولا يرون الجذع في عيونهم!
اللهم لا تؤاخذ من ظلمنا من المسلمين؛ فإنهم جاهلون ومفتونون! لكن اكفنا ظلمهم وأصلحهم؛ فإنا عافون وصافحون.
مباني طلب الحق: (القسط) فيعتد بالعلم دون جهل وتخريص، و(الاتباع) فيعتد بالحجة دون شبهة وتلبيس، و(الإخلاص) فيعتد بالحق دون هوى وتدنيس.
لما كان الزائغون مفلسين من الدليل، رموا أهل الحق لإعراضهم عن شبهتهم بالتعطيل! ونسبوهم للضالين بالتمثيل! فضلوا وأضلوا قومهم سواء السبيل.
لا تفلح الأمة إلا بالاجتماع، وليس هو الإجماع! فيجب حفظ الحُرمات بينهم مهما بلغ الخلاف إلا من بغى، وأن يكونوا يدا واحدة عليه ومَن اعتدى.
لا تستباح حرمات المسلمين إلا بيقين، وهو: ما أجمع عليه علماء الدين! فالظالم الباغي: مَن تجرأ على ذلك بناء على مذهبه في المخالفين.
نهى الله تعالى الأمّةَ عن الانقسام، فوجب اتقاء الانزلاق فيه لخلاف علمي أو فتنة الدنيويين الطغام (ومن قواعدهم: فَرّق تسُدْ).
أخفى الله تعالى مَظْهَر ولايةِ أوليائه عن الخَلق؛ ولو أظهرها لاتبعهم الناس جميعا؛ بما يرونه فيهم من تجليات الحق.
صحبة أولياء الله تعالى الصالحين: نِعمة للعالَمين وفضيلة للسالكين! بينما الاسترشاد بهم لليقين: أصل وشرط في الدين.
من علامة الزيغ: وقوع أصحابه في المخالفين بالأمثال! والسنة: ترجيح المهتدين لمعاني الهداية، بينما يرجح الزائغون معنى الضلال.
دوام الصِّدق بالاستقامة في السرّاء والضرّاء شرْط لتحقيق الخير إذا نَفَذَ القضَاء.
خُلق البشر على فطرة مُلوكيّة، فيسعون للملك بالأهواء والشرائع الدنية، وإن أحدا منهم لن يستوي على عرشه حقّا إلا بالتزام العبادة الإسلامية.
التَّصَوُّفُ: تَحْقِيْقُ العُبُوْدِيَّةِ عَلَى قَدْرِ المَسْؤُوْلِيَّةِ.
السّرَّاء نعمة يَتَقَلَّب العبْد بها فَيَتَحَلَّى، والضّرَّاءُ حِكْمَة يُقلَّب العبْد بها فيُخَلَّى.
السَّاِلُك الرَّائِد: لا يُعَلِّلُ بِالعَوَائِد، وَلا يَشْتَرِط الزَّوَائِد.
إيمانك بالمقرَّرات لا ينبغي أن يتأثر بالظنيات، ولا بما يقوم في النفوس من أهواء ورغبات.
العلوم والمذاهب المقرَّرة ليست خرقة يُفصّلها المنتسِب والمنتقِد بالرأي والهوى؛ وإنما أثواب مفصّلة لا تناسب مخالفا ولا تُقِرّ مُفترَى.
البلاء الذي يَنزل على البَرِيَّة يُفيد بالتوفيق والموافقةِ الشرعيةِ تحقيقَ المصالح المرعية.
البلاء في السُنَّة الكونية: أحوال قهرية سلبية أو إيجابية، يُمْتَحَن بها العِبادُ بناء على الحدود الشرعية؛ لتحقيق مصالحهم المرعية.
العوائد الحَسَنة المُكتسَبَة مع ما يَترتب عليها عادَةً من الإحسان، تُؤثِرُ تحقيقَ المصالح وِفْق قَضاء الرحمن.
الرَّحمَة: رِقَّة تقتضي إفاضةَ الخيْر بجَلب مَصلَحة أو دَرْء مَفْسَدَة، فلا تخلو مِن لِيْن وشِدَّة، ولا مِن إزالة ضَرَر بضرر أخف حِدّة.
نِظَامُ الرَّحْمَةِ: رِقَّةٌ تَقُومُ عَلَى الشِّدَّةِ وَالليْنِ، فَتَتَطَلَّبُ القُوَّةَ وَالمُرُوْنَة وِفْقَ حُدُوْدِ الدِّيْن.
أيها السَّالك المُفَدَّى: احفظ النِّعْمَةَ وَلا تَتَعَدَّى، ولا يَصُدَّنَّكَ عنها مَن لا يُؤْمِنُ بِها واتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى.
قَرَّر الشارعُ الفَتْحَ بالكشْف والكَرامة على الإطلاق، فَتَقيِيده بالظَّنِّ والهَوَى مِن مَسَاوِئ الأخلاق.
التَّحَدُّثُ بِالمُنْكَرَاتِ مَزَلَّةٌ لِلْوُقُوْعِ فِيْهَا.
التَّشْكِيْكُ سَبِيْلُ التَّفْكِيْك.
التَّشْكِيْكُ: سَبِيْلُ تفْكِيْك الجماعات، زادُه: المُتشابهات لاسيما في المعاملات، وهدفُه: أهل الحُجَج البَيِّنَات.
السَّالِكُ المُوَفَّقُ لا يُؤْمِنُ بِالصِّدْقِ المُلَفَّق.
التَّطَفُّلُ عَلَى عُلُوْمِ الدِّيْنِ مَزَلَّةٌ لِهَاوِيَةِ الزَّائِغِيْن.
المعاني الكَونيَة المعروفة في خِطاب الآدَميّين، قائمة على الإدراك وقَرَائن الإضافة للمَعنِيِّين، وهي مُستحِيلة ومُنكَرةٌ على رب العالمين.
التَّطَفُّل: تَدَخُّل في أُمُورٍ غيْر مَعْنِيّة، أو القِيَام على الأُمُور بلا أهْلِيَّة.
ما من امرئ خارج في شُؤونه عن قُيُوْدٍ وأحْكَام، فالمُفلِحُ: مَن مَشَى سَوِيًّا على صِراط اللهِ المَلِك الخَبِيْرِ العَلّام.
الحُرِّيَّة: إمكان العِباد تحقيق مَصالحهم المَرْعِيَّة! فضمانها في الحدود الشرعية، وضياعها في الأحكام النَّفْسية الظنيَّة.
أَلَمْ يأنِ للذين آمَنوا أن يَتَّقُوا الزائغين والأهوَاء؟ وأن يُدْرِكُوا الفِتنة بالأمثال والأدعياء؟ فماذا بعد الحَق إلا الضلال والشّقاء؟
إذا تَعلّق بالنَّفْسِ أحكامٌ تَقْدَح، فينبغي على المَعْنِيِّ أن يُصلِح لا أن يَشْطَح.
الدُّنيا رَحِم يَكْتَسِبُ فيه العبدُ النَّمَاء، حتى يُولَدَ منه في الآخرة خَلقًا يتناسب مع الجزاء.
لا يُصْبِح تركُ الذُّنُوب هَجْرًا إلا بَعْدَ التَّخَلُّصِ مِنْهَا فِعْلاً وَذِكْرًا وَفِكْرًا.
الخَواطر السَّيئة مَصَائب تُصِيبُ بالاستِقبال، وتَنموا بالجِدَال، وتَتَوالد بالأفعال.
مثل المخالفة للرحمن: مثل السُّوس يضرب الأسنان، فيوشك المخالِف أن يفقد الإيمان.
النُّفوس لا تستقيم بالرَّخاء واللين، وإنما بالعَزم والحَزم المبِين؛ قال رب العالمين: { والذينَ جاهدُوا فِينَا لَنَهدِيَنَّهُم سُبُلَنا }.
طالما أنَّ السالك لا يستعمل في تقويم نفسه الجدَّ والاجتهاد على الحق، فإنه يتعرَّض للغواية بالأهواء والوساوس وفتنة الخَلْق.
من بنى أمره على غير أصلٍ رشيد، فقد عَرَّض نفْسه للتهديد، ومهما ارتفع بناؤه بقي في الحضيض.
السُّنَّة في السُّلُوْكِ: الكَسْب، وَلَيْسَ الجَذْب.
يلزم الناظر في خطاب الإلهية: التمييز بين سعة اللفظ للمعاني اللغوية وضيقه على مَعان حصرية، وبين دلالة المعاني المقررة الكونية والقُدسيَّة.
أصْلُ السلوك الإحسان، ووسطه الإيمان، ورأسه مَحبَّة الرَّحمن.
أصل التصوف الخُلُق الكريم، ووسطه السُّلوك المستقيم، ورأسُه الصَّفَاء لله العظيم.
الإحاطة بالعلم وتقييد العمل به رشاد، وفي عدم التقيد به استدراج العباد، وعدم العمل به عناد! والعمل بلا علم حِياد! والتَّخريص فيهما فساد.
فرُّوا من الأعذار كما تفرُّوا من النَّار.
الغُلُوُّ في الدِّيْنِ: هو المُبَالَغَةُ المُنْكَرَة بِأَحْكَامِهِ المُقَرَّرَة.
التَّعْظِيْمُ في الدِّيْنِ: هو المُبَالَغَةُ المَعْرُوْفَة بِأَحْكَامِهِ المُقَرَّرَة.
التعظيم والغلو في دين الإسلام: يجتمعان على فعل المبالغة بالأحكام، ويفترقان على نوعها: فالتعظيم بالمعروف بينما الغلو بالحرام.
أسْبَابُ الغُلُوّ: الجَهْلُ بِحُدُوْدِ الحَقِّ، وَاتِّبَاعِ أَهْوَاءِ النَّفْسِ وَالخَلْق! أي: اتِّبَاعُ الآراء والأهْوَاء.
أَسْبَابُ التَّعْظِيم: المَحَبَّةُ، وَالتَّقْدِيْرُ.
ما يُنسَب للأئمة ويخالف مذاهبهم المقررة: مُنكر؛ لمخالفته المعتمَد عند أتْباعهم، ولِكونِ اتِّباعهم يقوم على ثبوت حجّتهم لا على تقليدهم.
المذاهبُ المعتمَدة مناهجُ أئمتها المعروفين؛ بشهادة القائمين عليها خَلف عن سلف من أئمة المسلمين! وهذا يَدحض منسوبات ومتشابهات المفترين.

عِشْ وقتَك بما يَرضَى اللهُ العظيم، تكن ماشِياً سَويّا على صِراط مستقيم.

خواطر الشيطان: أعراض لطيفة تَرِد على الباطن بقراءة الجِنان، هدفها: إثارة الشبهات وغِواية الإنسان، وغايتها: الفتنة عن الحق وسبيل الرحمن.
مَنْ تَتَبَّع المُتَشَابِهَات، فَقْد اسْتَدْعَى الفِتَنَ المُهْلِكَات.
مَن اتَّبَع المُتَشَابِهَات، فَقَد حجَبَ نَفْسَهُ عَنْ البَيِّنَات.
ضَعْفُ الإيمَان يَفْتِكُ بالبُنْيَان.
التّوْحِيْدُ الخَالِصُ: إِثْبَاتُ اللهِ تَعَالَى إِلهًا، مُنَزَّهًا عَنِ المِثْلِ وَالشِّرْكِ وَالعِلَّةِ وَالكَفَاءَةِ.
السالك الذي يُدرِك تقصيرَه ولا يُصلحه: ليس بِعازم على الاستقامة، فعليه: مواجهة نفسه بهذه الحقيقة، والمسارعة للإصلاح بتصميم وصَرَامَة.
مثل السالكين في الدنيا كالسُّفن في بحر هَيجان: عقولهم الربان، ونفوسهم السُّكَّان، وأبصارهم وجوارحهم الأبدان، وأعراض البحر الامتحان. فمن لم يَمْشِ بإحسان ( وفق إرشاد الولي القائم على دِينِ الرحمن ): باء بالخيبة والخسران.
التَّصوُّفُ: صَفْوَةُ الصِّفَاتِ النَّفْسِيَّةِ وَالفِعْلِيَّةِ الوَاقِعَة بِالتَّزْكِيَةِ والهِبَةِ الإِلَهِيَّةِ.
لا تَتحَقَّق التزكية الشرعية إلا بالتأدُّب على الأولياء المرشِدين لِرَبّ البَرِيَّة.
لا يَسْتَوِي قَرَارُ المَرْءِ في المُحْدَثَات حتّى يُبْنَى عَلَى النَّظَرِ في مُوَافَقَتِهِ لِلمُحْكَمَات.
لا يصح أن ينقص العلمُ عن قَدْرِ العمل المُحَدَّد، ولا أن يُعمَل بخلاف العلم المقيَّد.
الوسواس لا يواجه المرءَ في طلب الفعل أو الترك بانفصال، ولكنه يبعث إشاراته وعباراته التي تُقْرأ بلسان الحال.
الإخْلاصُ: قَيْدٌ لِلقَصْدِ، وَهُوَ شَرْعًا: إِفْرَادُ التَّوَجُّهِ لِلهِ تَعَالَى فِي حُقُوْقِهِ عَلَى العِبَادِ، عَلَى قَدْرِ الوُسْعُ.
السلوك يقوم على ثلاثة أصول: حفظ التوجه على الملك العلام، وحفظ القيام على الأحكام، وحفظ الشكر على الإنعام.
مَثَل الخَاطِر السَّيِّئ على السّالِك: كالفَايرُوس الفَاتِك؛ يُوشِك المُتهاوِنُ به عَلى مُواجَهَة المَهَالك.
مَن لم يُهيّئ نفْسَه للعِبادة بمقتضاها: أفرغ أعمالَها من مُحتواها، وضَيَّع خيرها وعُلاها.
طالما أنك ترى الدُّنيا مع الله تعالى فأنت عرضة للغفلات، وطالما أنك تتعرض للدنيا فأنت عرضة للمنكرات.
يَوم المَولِد المُحمّدي: يوم إفْضَال؛ إحياؤه: سُنّة نَبوِيّة بالفِعْلِ وَالمَقَال، والاحتِفَالُ به بالمَعروف: شَرِيْعَة ذِي الجَلال.
مَثل المُنكِرين على الاحتفال بيوم مولد العدنان: كالذين قالوا: قُلوبُنا غُلْفٌ، فقال ربُّهم: بل لعَنَهم اللهُ بِكُفْرهم؛ لِقِلَّة الإيمان.
لا يزال المُصِرّ على الذَّنِب مَقبولا ما دام يعتبر ذَنْبَه: منكرا، واستغفارَه منه: معروفًا، والتوبةَ النصوح عنه: ضرورة.
لا تَملُّوا بذنوبكم، بل ملوا منها؛ فحق للمَرءِ أنْ يملَّ من ذنبه إذ يدفعه ويعود! فيهجر الذَّنبَ لله تبارك وتعالى، وليس العكس.
العُلُوم الغَيْبيّة: قُدْسِيّة أو كَوْنِيّة! فالقدسية: مِن خَصائص الإلهيَّة، بينما الكونية: يمكن إدراكها بالطرق الكَسبيّة أو الوَهبيّة.
المتكلمون بالغيب نوعان: واهمون يعتمدون على الظّن كالعرّافين والكهّان! أو عارِفون يعتمدون على العلم عموما، أو الفتح الخاص بأولياء الرحمن.
تَقَرَّرَ بُطْلانُ التَّنَبُّؤ بالكَهَانَةِ والتَّنْجِيْم، فمَنْ صَدَّقَه: خَالَفَ العِلْمَ المُسْتَقِيْم، وعَصَى اللهَ العَظِيْم.
كُلُّ حُكْم قَامَ عَلى المُتَشَابِهَاتِ وَالأمْثَال: فهوَ شَاهِدٌ عَلَى أصْحَابِهِ بالزَّيْغ وَالضَّلال.
الفَرَحُ بِأَحْدَاثِ الفَضْل وَالرَّحْمَةِ سُنَّة! أُصُوْلهُ: إظهارُ البَهْجَة بالذِّكْرِ والشُّكْرِ وَالتَّعْظِيم؛ تَقْدِيرًا لِلمِنَّة.
مَنْ لَمْ يُحْسِن تَقْدِيْر النَّعِيْم، لا يُحْسِن مُقَابَلَتهُ بِمَا يَسْتَحِقّهُ مِنَ الرِّضَى وَالذِّكْرِ وَالشُّكْرِ وَالتَّعْظِيْم.
فضْل هذه الأمة سرى بالولادة المحمدية؛ فوُجهت الوجوه لأهل القبلة المكية، وذُكر الناس برب الكعبة البهية، وعُظم أمر العرب والعشيرة الهاشمية.
إحداث نوع للفعل المُطلَق طَلَبه: سنة شرعية؛ كنوع النفقة الذي كان سببا في تقرير قاعدة (السنة الحسنة) للمُحدثات النَّوعِيَّة.
الاتباع بإحسان: صحبة المتَّبَع للحُجة والبرهان، وطاعته في أحكام البيان، وتقديره لمنزلته عند الرحمن، وتقييد النظر لخوارقه بحدود الاطمئنان. فمن أقام أمره على غير ذلك فقد أغواه الشيطان.
عجبًا! كيف يرضى الزائغون لأهواء نفوسهم محدثاتٍ نَوعيّة منكَرة في المسائل الشرعية، بينما يسخطون المعروفة في الذكر والفرح للولادة المحمدية!
حُدوث الأنواع في المسائل الشرعية سُنّة بيِّنة في النصوص القدسية؛ كما في تقرير الاستنباط والتّسنين والتعظيم، ونَصّ إقرار الرهبانية.
اللهم إنا نستظل يومك المنوَّر الفاضل الرحيم، فنَحمدك على نعمتك به الحمدَ والشكر العظيم، ونسألك لنا ولأمتنا فيه سعة الفتح والفرح الكريم. اللهم صَلِّ وسلم تسليما على حبيبك سيدنا أحمد المحمّد، عدد الجواهر والأعراض والأجسام المتعاقبة في كل وقت امتدادا في اليوم المؤبد.
لا عُذر للمكلَّفين في اتباع الظنون والأهواء! فمَن أَعرض عن الحَقّ لمُتشابه أُلبِس عليه أو شعورٍ ظنه صلاحا: فقد ضَل السبيل واستحقَّ الشقاء.
الأخلاق الصالحة للمُتَّبِعِين: تُعرَف بالإيمان والإسلام للدِّين، فمَن أَعرضَ عن أحكامه المقرّرَة لداعي استقامة وصلاح يراه: لحِق بالزائغين.
سَبَبُ الشَّقَاء: اتِّبَاعُ الظُّنُوْنِ وَالمُتَشَابِهَات والأهْوَاء.
سَبَبُ الاتِّقَاء: اتِّبَاعُ الحُجَج والبَيِّنَات في السَّرَّاءِ والضَّرَّاء.
الأصل في مَعرفة شُؤون الناس: الأحكام الشرعية، فلا يصح التَّهاون بها اغترارًا بالأحكام الوَهْبِيَّة؛ فالمَواهِبُ مُقيَّدة بالمشيئة الإلهية.
الأحكام الشرعية الإسلامية: كما تُحقِّق المصالح الدِّينية، فإنها بالتَّوازي تحقق المصالح الدنيوية على الصُّعد النفسية والاجتماعية والأممية.
الأحكام الوَهْبِيَّة: لَدُنِّيَّة: هي علوم قُدسية خاصة بالأولياء! ورحمانية: هي مُسنَدات قضائية تتعلق بشؤون العباد، كالعفو عن مستحق الشقاء. والكلام عن “الاغترار” يتعلق بالمواهب الرحمانية؛ فاللدنية شرعية: { قال له موسى هل أَتَّبِعُك على أن تُعَلِّمَن مما عُلِّمْتَ رُشْدا }.
تُعرف المتشابهات بمخالفتها المُحكمَات! وتقوم: على خِطابٍ مُعَطَّل عن الدلالات، أو لفظ يحتمل المعاني المُنكَرات، أو مَثَل مجرد عن البيّنات. فالخِطاب المُعَطَّل: كإثبات “خطاب الدعاء” معطَّلا عن دلالة “مشروعية التوسُّل” على ندبه فيه؛ لإنكار التوسل! ومنه: تعطيل الناسخ. والمعنى المُنكَر: كحمل “ألفاظ خِطاب الصفات القُدسيَّة” على “المعاني الكَونية”، خلافا لمقتضى المحكمات الشرعية (النقلية والعقلية)! والمَثل المجرَّد: كالوقوف على “شعائر المشركين في تأليه الأولياء” مجردة عن بيّنات إنكارها؛ لإنكار “شعائر المسلمين في الاعتقاد بالأولياء”!
تَقرَّر في أُصُول الدين: أن أحكام المُرسَلين لا تكون خاصَّة بهم إلا بالنَّص المُبين؛ كما في الآية: { خَالِصَةً لكَ مِن دُون المُؤمِنِين }. فادِّعَاء الخُصُوصِيَّة في نحو المَعْرِفَةِ وخَرق العَادَةِ والتَّوَسُّل للرُّسل دُوْن الصَّالحين: زَيْغٌ وضَلال عن هُدَى رَبِّ العالمين.
الوَصْفُ الَّذِي لَا يَلِيْقُ بِاللَّهِ تَعَالَى وِفْقَ مَا تَقَرَّرَ فِي شَرِيْعَتِهِ، يُحْمَلُ مَعْنَى الخِطَابِ بِهِ عَلَى غَايَتِهِ. وفي الصحيح:” إن اللَّه تعالى يَقول .. يا ابن آدم، مَرِضْتُ فلَم تَعُدنِي .. أما علمت أن عَبْدي فلانا مرض فلم تَعُدْهُ؟ .. “الحديث.
العِلْمَ بِأَنَّ العَالَمَ حَادِثٌ: عِلْمٌ بِأَنَّ مَا كَانَ مِثْلَهُ فَهُوَ حَادِثٌ، يَلْزَمُ مِنْ وُجُوْدِه وُجُوْدُ صَانِعٍ لَهَ. فَوَجَبَ مخَالَفَةُ الصَّانِعِ لَهُ وُجُوْداً؛ وَتَقَرَّرَ: أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ العَالَمِيَّةِ مُسْتَحِيْلَةٌ عَلَى الإِلهيَّةِ.
العَالَم فَرْدًا أَو نَوْعًا: حَادِثٌ ( كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً ) بِقُدْرَةِ اللهِ تَعَالى وَاخْتِيَارِهِ. ولا يُقَابِلُ ذَلك إلا أنْ يَكُوْنَ مُوْجَبًا بِذَاتِهِ! وهُو مُحَالٌ؛ لاسْتِلْزَامِهِ التَّسَلْسُلَ أَوْ الدَّوْرَ عَلَى المُؤَثِّرِيْنَ.
الخطاب الشرعي مُحكَم عَتِيد؛ { لا يَأتِيهِ البَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِن خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِن حَكِيمٍ حَمِيدٍ }. وإِحْكَامُهُ بخَوَاتِيمِه؛ كَمَا فِي الخَبَرِ: { إنَّمَا نَزَلَ كِتَابُ اللَّهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا }.
إِحْكَامُ الخِطَابِ الشَّرْعِيّ: يَعْنِي تَمْيِيْز المُنْكَر مِنَ المَعْرُوف فِيْ الثُّبُوْتِ والدَّلَالَة. فَمِن إِحْكَام الخِطَابِ الشَّرْعِيّ: تَمْيِزُ البَاطِل عَنِ الصَّحِيْح، وَالمُتَشَابَه عَن المَعْنِيِّ والمُحْتَمَل.
اتِّبَاع المُتَشَابِهَات: مِنَ المُنْكَر، وَالاخْتِلَاف المَذْهَبِي: مِنَ المَعْرُوْفِ المُقَرَّر. فالاختِلاف في المُنْكَر: مِنَ الزَّيْغ المُذَمَّم، والاختلاف في المَعرُوف: مِنَ الهُدَى المُحْكَم.
تَنشَأ المُتشابهاتُ مِنَ الانحِرَاف عن سَبِيل الإحكام، سَواء بتَعْطِيل النُّصوْص والدَّلائِل وَالأَحْكام. وَفِي الخَبَر: { إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِهَذَا: ضَرَبُوا كِتَابَ اللَّهِ بَعْضَهُ بِبَعْض، فَلا تُكَذِّبُوا بَعْضَهُ بِبَعْض، فَما عَلِمْتُم مِنْهُ فَقُولُوا، وَمَا جَهِلْتُم فَكِلُوهُ إلَى عَالِمِهِ }[أحمد].
المُتَشَابِهَات المُنكَرَة: إِيْحَاءَات يُلقِيها الشيطان في أَمَانِي الزَّائغِين، لِيُلبِس عليهم وبهم أَحكامَ الدِّين! ولو أنَّ الزَّائغِينَ اسْتَمَعوا وأَنْصَتُوا لَنُسِخَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ وأُحكِمَ الحُكْم المبين.
المُتَشَابِهَات ضَربان: مُتَشَابِهات مَعروفة أُنْزِلَت لِتَعَدُّد الآراءِ رَحمة بالعابدِين، ومُتَشَابِهات مُنكَرَة تنشأ بتخريص الزائغين.
المُحْكَمَات ضَربان: مُحْكَمَات مُفْرَدَة: لا تَسْتَوْعِب إلا حُكْمًا واحِدًا! ومُحْكَمَات جَامِعَة: تَسْتَوْعِب أكثر مِن حُكم.
في الخَبر المَرفوع: « سَتَفْتَرِقُ أُمَّتي ثَلاثا وَسَبْعِين فِرْقَة، كُلّها في النَّار إِلا الذِينَ هُم عَلى مَا أنَا عَلَيْهِ وأصْحَابي ». الفُرْقَةُ: انحِرَافٌ عَنِ السَّبِيْلِ، بِإِحْدَاثِ شَيْءٍ في الدِّيْنِ إِثْبَاتاً أَوْ نَفْياً لَيْسَ مِنَ التَّنزِيْلِ.

المذْهَبُ: تَرْجِيْحٌ يحتَمِلُهُ الدَّلِيْلُ، بِلا تحرِيْفٍ وَلا تَعْطِيْلٍ. فَيَصِحُّ التَّعَبُّدُ بِالمذَاهِبِ، وَيَكُوْنُ الصَّوَابُ في وَاحِدٍ، وَالأَجْرُ لِلْجَمِيْع.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: { إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ }[الصافات:4]. الإِلَهُ: هُوَ المُؤَثِّرُ فِي المُحْدَثَاتِ إِيجَاداً وَإِعْدَاماً، وَلا يُؤَثِّرُ فِيْهِ شَيءٌ؛ وَإِلا كَانَ مُحْدَثاً، وذَلِكَ مُحَالٌ. وَهُوَ قَوْلُ اللهِ تَعَالى: ﴿ وَلا تَدْعُ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ لا إِلَهَ إِلا هُوَ؛ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ ﴾. واللهُ تَعَالى إلَهٌ ” وَاحِدٌ ” عَلَى التَّحْقِيْقِ، لا مِنْ حَيْثُ العَدَدِ وَالتَّقْدِيْرِ. الوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ العَدَدِ يَسْتَلْزِم التَعَدُّد، وَذَلِكَ فِي الإلَهِيَّةِ مُحَالٌ. الوَاحِدُ مِنْ حَيْثُ التَّقْدِيْرِ: يَسْتَلْزِم الحُدُوْثَ؛ لِوُجُوْبِ المُخَصِّصِ، وَذَلِكَ فِي الإلَهِيَّةِ محَالٌ.
بِئس السَّالك: يُقْبِل اللهُ تَعَالى عَليهِ بالهُدَى المُبِيْن، فإذا امتَحَنَهُ افتُتِنَ بإيحَاءات الشَّيَاطِيْن! أَلا يَعْلَم: أنّ الصَّحِيْحَ مَمْنُوْعٌ مِنْ مُعَارَضَةِ اليَقِيْن؟ فَكيْفَ يَرْضَى المُعَارَضَة مُمتَحَنٌ يَعْلَم أَثَرَ المِحْنَةِ عَلَيْهِ مِنْ خِطَابِ الدِّيْنِ؟ والمِحْنَةَ: حَالٌ نَارِيٌّ يُؤَثر على صحَّة المُمتحَن فيُصبح عرضه لالتباس الحق بالباطل، لاسيما مع وجود مُتَشابهات في أحوال المُمتَحَنِين؟
تَعِسَ عُبَّاد الأحْوَال؛ يَبْنُوْن الاستِجَابَةَ على أحْوَال النُّفُوْس، فَيُعْرِضُون عَمَّا أنْكَرَتْه مِن ذِكْر آيات الحَقّ القُدُّوْس. قَال اللهُ تَعَالى في ذَمِّ الحَالِيِّيْن: { ومَنْ أظْلَمُ مِمَّن ذُكِّر بِآيات رَبِّه فَأَعْرَضَ عَنْها؛ ونَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَدَاه }، ثم بَيَّن راتِبَه: {إنّا جَعلْنا على قُلوبهم أكِنَّةً أن يَفْقَهُوه وفي آذانهم وَقْرا، وإن تَدْعُهم إلى الهُدَى فَلن يَهْتَدوا إذًا أبدا}. فَتَرَتَّبَ الجَعْلُ السَّلْبِيّ لِلفِقْه والسَّمْع والهُدَى عَلَى إصْرَار المَسْلُوْب مِنْهُم عَلَى الإعْرَاض عَمَّا خَالَفَ أحْوَالَهُم. وَقَد قَالَ اللهُ تَعَالى: { ولا تَقُولُوا لِما تَصِفُ ألْسِنَتُكُمُ الكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وهَذَا حَرَامٌ لتَفْتَرُواْ عَلَى اللّه الْكَذِب ِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ }[النحل:116]. { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا؛ إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ }[السجدة:22]. فَاتَّقُوْا التَّعْوِيْلَ عَلَى أَحْوَالِ النُّفُوْسِ، لاسِيَّمَا فِي مَعْرِضِ الذِّكْرِ بِآيَاتِ الحَقِّ القُدُّوْسِ.
نَفْيُ الدَّلالَةِ الكَوْنِيَّةِ في فَهْم خِطَاب الصِّفَات القُدْسِيَّة: سُنَّةُ وَتَقْرِيْرُ المُخَاطِبِ، واعْتُمِدَت في الأَشْعَرِيَّةِ. إثْبَاتُ الدلالة الكَونِيَّة في فَهْم خِطاب الصِّفات القُدسِيّة: مُنْكر في السُّنّة الشَّرْعيّة، واعْتُمِدَت عند الزائغين سيّما الحَشوِية.
قَالَ اللهُ تَعَالَى: { فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى }[النجم:9-10]. مِنْ حِكْمَةِ وَحْيِ الصَّلاةِ فِي المُنْتَهَى: تَأكِيْدُ حُرْمَةِ الدُّنْيَا فِيْهَا، فَمَنْ وَفَّى بِحَقِّها كَانَ مِنْ أهْلِ النُّهَى.
فِي الخَبَر:” مِفْتَاحُ الصَّلاةِ الْوُضُوءُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ “[المستدرك]. يَنْبَغي على السّالك: افتِتَاح صَلاته بِطَهارَة البَاطِن مِن الشُّؤون الدَّنِيَّة، فيُجَدِّد التّوبة مُنِيْبا ومُستغيثا برَبِّ البَرِيَّة. يَنْبَغي على السّالك: أنْ يُحَرِّم على نفْسِه في الصّلاة الاشتغال بالأشياء الكَوْنيَّة، فيَجمَع أمْرَه على التَّوَجُّهَ لِرَبّ البَرِيَّة. يَنْبَغي على السّالك: أدَاء صَلاتِه مُنَزَّهَة عَن المُؤَاخَذَات الدِّيْنِيَّة، فَيُسلِمها بِالسَّلام عِبَادَة خَالِصَةً لرَبِّ البَريَّة.
مَنْ تَفَكَّرَ بِآيَاتِ اللهِ تَعَالَى وَقَدَرِهِ وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِهِ اهْتَدَى. وَمَنْ أَسَاءَ الظَّنَّ، أَوْ تَجَاوَزَ بِالفِكْرِ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ اعْتَدَى.
حَقِيقة الصِّفَات: كُنْهُهَا الوُجُودِي، والوُجُود الثَّابِت ضَرْبان: إلَه، وكائِنات! مُناسَبة حَقِيقة أحَدهِما لِلآخَر من المُستَحِيْلات. فمَن أثبَت للإلَهِ حَقائقَ صِفَات الكائنات (سَواء بجَوْهَرِها أو بمَظْهَرِها في البَرِيَّات): فقد اسْتَنْسَب غَيرَ مُناسِب في الإلهِيَّات.
سَبِيْلُ أَهْل السُّنَّة فِي الصِّفَاتِ القُدْسِيَّةِ: تَنْزِيْهُهَا عَنِ الحَقَائِقِ الكَوْنِيَّةِ. واختَلَفوا في فَهم الإضَافَات الخَبَرِيَّةِ : فَذَهَب البَعضُ لإثبَاتِهَا صِفات تَتَعَلَّق بِمَا نَزَلَ به الخِطابُ مِنْ أمْرِ البَرِيَّة. وَذَهَبَ الآخَرُوْن لإثْبَاتِ مَآلِهَا إِلَى الصِّفَاتِ وِفْقَ القَرَائِنِ المَرْعِيَّة. لكِن بَعْضَ المُثْبِتِيْنَ لِلمَآلِ فَوَّضُوا (فَوَقَفُوا عَلَى إِقْرَارِهِ دُوْنَ إعْمَالِهِ) لِمَا ظَنُّوْه اتِّقَاءً لِلمَسْؤُولِيَّة! قَامَ الجُمْهُوْرُ (أَهلُ الحَقِّ) عَلَى التَّأوِيْلِ بِنَاءً عَلَى الأُصُوْلِ العِلْمِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ. وَالمُثْبِتُ مُخْطِئٌ مَأْجُوْر، وَالمُفَوِّضُ لَهُ نِصْفُ الأُجُوْر، وَالمُؤَوِّلُ حَظِيَ بالأَجْرِ وَالنُّوْر.
اركبوا سُفُن المحكَمات، وابسطوا شِراع البيّنات، واحفظوا عامِل المتفرعات، وسيروا على بوصلة حسن الظن بالمُتعلِّقات، تستووا في حضرة القدسيات. قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: { قُلْ إن كُنتُمْ تُحِبُّون اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } .. الآية [آل عمران:31].

مَن تَهاوَن مع النَّفْس أَهانَته، ومَن أعَزَّها أذلَّتهُ، ومَن أَكبَرها حَقَّرته، ومَن انتَصَر لها خَذَلته، ومَن ظَن أنه قاتِلها قَتَلَته. إنَّمَا القِيَامُ عَلَى النَّفْسِ بالتَّطْهِيْرِ وَالتَّهْذِيْبِ، فَافْهَمْ أَيُّهَا اللبِيْب.
أَصَابَ مَنْ صَبَر عِنْدَ الصَّدْمَة الأُوْلَى لِلبَلاء، فَإنْ جَزِعَ ( فَلَم يَتَّقِ ويَصْبِر ) لإِقَامَتِهِ: ضَيَّعَ حُسْنَ الجَزَاء. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ، فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ }[يوسف:90].
تَكَالِيْفُ البَلاءِ فِي الدِّيْن: الصَّبْرُ وَالمُصَابَرَةُ وَالرِّبَاطُ وَالتَّقْوَى حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ. فالصبر عند صَدمته، والمصابرة على أثَره ومُدته، والرباط على الأحكام الشرعية في قَضيته، والتقوى في الوسائل الصالحة لِحِفظ معاملته أو إزالته.
النَّفْسُ القائِمة في الأجسَام: كائنٌ ذَوْقِيٌّ لَطِيْفٌ باعِثٌ للأهْوَاء، مَفْطُوْرٌ عَلى المَيْل بالتَّلَذُّذ والانْجِذَاب بالاشْتِهَاء. النَّفْسُ لا تَعقِل أو تُمَيز بين الأشياء؛ فما قام في عَقل صاحِبها لَذَّتُه بَعَثت فيه الأهوَاء، حتى لو كانت لذّتُه مُقَرَّرة بالافْتِراء. النَّفْسُ تَهْوَى المَلَذَّات الطَّيِّبَة وَالخَبِيْثَةِ بِفِطْرَةِ مَوْلاهَا! فَأَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَخَابَ مَن دَسَّاهَا. المَلَذّات النَّفْسِيَّة: كلّ مُمْتِع أَصْلِيّ أو شَخْصِيّ من الأعراض العَمَلِيَّة أو المَعْنَوِيَّة؛ باعتبار أحوال محلها الافتِرَائِيَّة.
ليس مجادلة النَّفْس بمتعلقاتها موضوع الحِساب المَرْقُوْم؛ مُحاسَبتها: أن يُؤخَذ عليها الهوى المَذمُوم، وتُقَوَّم وِفْقَ الحُكْم المَعلُوم. { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا }[الشمس:7-10].
كُنْ عَبْدًا يَتَزوَّد ويَسْتزِيْد لِمَا يَرجوه يوم القِيَامة، ولا تكن عبدا يَشتَرِط أو يَتكاسَل أو يُهمِل فَيَزِلّ عن صِراطِ الاسْتِقامة.
عَلِّلُوا أعمَالَكم بمَكَارِمِ الأَخْلاق، واحفَظُوهَا بِرَقَابَة الخَلَّاق.
استِباحة حُرُمَات المُسلم بِناء على الخِلاف: عُدْوَان، ومَن قال “لا إلهَ إلا اللهُ” يَبتغي بها اللهَ تعالى: كان مُسْلِمًا عِنْد الرَّحمَن. في الخبر:” إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا، فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ “[متفق عليه].
التَّصَوُّفُ الإِسْلامِيُّ: صَفَاءٌ إلَهِيٌّ، يَقُوْمُ عَلَى كَسْبٍ شَرْعِيٍّ، وَوَهْبٍ قُدْسِيٍّ. فَمَنْ كَانَ مُدَّعِيًا أَوْ مُبْتَدِعًا وَانْتَسَبَ إِلَى التَّصَوُّفِ الإِسْلامِيِّ: فَهُوَ مُفْتَرٍ شَيْطَانِيّ.
بناء “المَشاهِد الإسلامية” والتقرب بها إلى الله تعالى مَعْرُوف مِن سُنَنِ الدِّيْن؛ كمقامَي الحَرمين وقُبور الأنبياء والصّحابة الصّالحين. تَشْبِيْه “المَشَاهِد الإسْلامِيَّة” بالمَشَاهِد المُنكَرَة: زَيْغٌ مُبِين، والتَّعَرُّض لها بِسَبَبِ الغُلاةِ: جَهْلٌ مهِيْن.
القَوْلُ بِتَسَلْسُل الأحْدَاث أَزَلاُ: سَفْسَطَةُ مُخَرِّصِيْن، وَحَشْوُه في الخِطَابِ الشَّرْعِيّ: قَرْمَطَةُ زَائِغِيْن. إنَّ اللهَ تَعَالَى { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالْظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ }[الحديد:3].
بَيِّنَاتُ أَهْلِ الحَقِّ: تُثْبِتُ اسْتِقَامَتَهُم فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَتُنَادِي بِالحُجَّةِ عَلَى العِبَاد. وَشُبُهَاتُ الأَدْعِيَاءِ تُنَادِيْهِم: { .. مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ }[غافر:29].
تَسَلَّحُوْا بِالقَوَاعِدِ المَرْعِيَّةِ، تَأْمَنُوْا الفِتْنَةَ فِي الحُدُوْدِ الشَّرْعِيَّةِ. القَوَاعِدُ المَرْعِيَّةُ: هيَ الضَّوَابطُ العِلمِيَّة الكُليَّة التي تُحدِّد أَوصَافَ مَا اندَرَجَ تحتَهَا مِنَ الأَحكامِ الشَّرْعِيَّةُ.
أَصْلُ فِتْنَةِ الاهْتِدَاءِ: اخْتِلاطُ العِلْمِ بالأَهْوَاء، فَإِنْ غُلِّفَت القُلُوْبُ عَلَى الهَوَى فَقْدْ وَقَعَ الشَّقَاء. فالحُكْمُ علَى المَعْقُولات والحَقَائِق وِفْقَ حُدُود العَقْل والمَعْرِفَة الشَّخْصِيَّة: ضَلالٌ عَن الحُدُوْد العِلْمِيَّة الشَّرْعِيَّة. فمَن قَالَ “لا يُعْقَل” فِي مَعْقُولاتٍ لا يَعْقِلهَا! أَو “لا يَثْبُت” فِي حَقَائِق لا يَعْرِفُهَا هُوَ: فَقَدْ ضَلَّ وَغَوَى. والحَقُّ: أن يُمَيِّز النّاظرُ المَعلوماتِ الصحيحة وحُدُودَ العِلم الذاتِية عن مَعلوماته وحدودِ علمه الشخصية، لِيهتدي إلى الأحكام المرعية.
عِباد الله! لو كنتم قَبيحين، هل تنشغلون بالمُغوِيات؟ أو عاجزين، أتنشغلون بالتِّقنيات والمُلهيات؟ أو فقراء، أتنشغلون بالمثمَّنات؟ .. الخ. عِباد الله! إنَّ ما بِكُم مِن نِعْمَة فمِنَ الله العَلام، فَتَذَكَّروا نِعْمَتَه عليكم ومَعِيَّتَه لكم وقُرْبَه مِنكم إذا دُعِيتم للحَرام.
عِبَادَ الله! إنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الخَالِقُ لِأفْعَالِ الوَرَى؛ كَمَا قَال: { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللّهَ رَمَى }! فالفَاعِلُ يَسْتَمِدُّ فَعاليَّتَهُ مِنَ اللهِ رَبِّهِ، فَاحْذَرُوْا أَنْ تَسْتَمِدُّوا مِنْهُ النِّعْمَةَ لِمُخَالَفَتِهِ.
إذا جَاء الذِّكْرُ بِحَال مِنَ الأحْوال: يَنبَغي الانتِفاعُ به ( بإحْيَاءِ العِلْمِ، والمُبَادَرَةِ بالأفْعَالِ ).
إهمَالُ الذِّكْرِ سَبَبٌ لِلجَفَاء! فمَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ انْغَمَسَ فِي العَمَاء، واسْتَدْعَى الشَّقَاء.
تَعِسَ أَصْحَابُ الحَرْفِ في العِلْم المُبِيْن؛ إذا وَافَقَ أَهْوَاءَهم أقَرُّوْهُ مُتَشَدِّقِيْن، وإذا خالَفَهَا أَنْكَرُوْه مُعرَضُين! وَذَلِكَ الإِفْكُ الأَثِيْمُ، الذِي تَنَزَّلُ عَلَى أَهْلِهِ الشَّيَاطِيْنُ.
إثْبَاتُ ما ثَبَت في الخِطَاب عَلى وَجهَين: أحَدُهما: إثبَات نُصُوْصِهِ الخِطابيَّةِ، وثانِيهمَا: إثبَات دَلالَتِهِ الشَّرعِيَّة. وَقَد يَقَع الاتْفَاقُ أو الاختِلافُ بَينَ الوَجْهَيْن؛ بِنَاءً عَلى القَرَائِنِ المَرْعِيَّة. وَإثبَاتُ الدَّلالَةِ: تَأوِيْلٌ صَائِبٌ أو خَاطِئٌ؛ نِسْبَةً لِلشَّوَاهِدِ البَيَانِيَّة. فَفِي شَأن “الصِّفَات الخَبَرِيَّة”: لا يَصِحّ ادِّعاءُ أنَّ إثبات “ما أثْبَتَهُ اللهُ تعالى لِنَفْسِه” مُجَرَّدٌ عن الوُجُوه التأويليَّة. فَالحُكم: دَلالةٌ إسْنَادِيَّة، فَيَتَجَاوَز حُدُودَ إثبَات الألفَاظ النَّصِّيَّةِ. والزَّائغ: يُثْبِت حُكمَها مُساوِيا للبَرِيَّة، بَيْنَما المُهْتَدي: يُثْبِته مُنَزَّها عَنها؛ لأنَّه مُتَعَلِّق بالإلهِيَّة القُدْسِيَّة.
لا يُفْلِحُ المَرْءُ حَتى يَسْتَقِيمَ على عِبَادَتِه اسْتِجَابَةً للهِ الرَّحمَن، دُوْن اعْتِبار أو اعْتِداد بأحْوَال النَّفْس والشّيْطان.
لا يُفْلِحُ السَّالِكُ فِي العِبَادَةِ، حَتَّى يُخَلِّيْهَا مِنْ كُلِّ شَاغِلٍ وَيُزَكِّيْهَا مِنْ كُلِّ عَادَة.
المُكَاشَفَاتُ اللطِيْفَةُ للبَشَريَّة: تَجَلِّيَاتٌ قُدْسِيَّةٌ، وَأَحْوَالٌ كَوْنِيَّةٌ نُوْرَانِيَّة وَنَارِيَّة.
اتَّقُوا فِتنة الأحوال الكَونية؛ فإنها تَحُدُّ نَظَرَ البَرِيَّة، فيَظُنُّ أصحابُها التَّحقيْقَ بينما هم قاصِرُون على آثارِها النَّفْسِية.
التَّصَوُّفُ المَوْجُوْدُ بَيْنَ المُعَاصِرِيْن: تَصَوُّفُ الصَّالِحِيْن، وَتَصَوُّفُ المُبْتَدِعِيْن، وَتَصَوُّفُ الفَنَّانِيْن! فَتَصَوُّفُ الصَّالِحِيْنَ: هُوَ التَّصَوُّفُ الشَّرْعِيُّ المُبَيِّنُ لِلإحْسَانِ ( ثَالِثُ أرْكَانِ الدِّيْن(. والتَّصَوُّفُ الصَّالِحُ يُعْرَفُ بِمُسْتَنَدِهِ الشَّرْعِيِّ المُبِيْن، ولا يَتَأثَّرُ بِبِدَعِ المُبْتَدِعِيْنَ وَلَهْوِ الفَنَّانِيْنَ.فالحَمْد لله رَبِّ العالَمِين؛ الذي فَضَّلنا على كثير مِن خَلْقِه بالقِيام على التَّصوُّف الصَّالِح ( نَهْج أوْلِيَائِه المُقَرَّبِيْن).
تَعِسَ المُتَفَيْقِهون في اتِّباع سُّنَّة الدِّين؛ يُنكِرون التشَبُّهَ بمُبَاح الآخَرِين، بينما هم يَتشَبَّهون بهم في المُنكَر المُبِيْن!فيَتشَدَّقُون بالاتِّبَاع ويَدِيْنُون الابتِدَاع المهِيْن؛ إذ قامُوا على التكفير وشَقّ الصُّفوف واستِباحة الحُرُمات سيَّما مِن المُسْلمين.فَصَدَقَ فِيْهم قوْلُ رَبِّهِم: { وَمَا تَفَرَّقُوا إلا مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ .. }[الشورى:14]. فـ{ تَحْسَبُهُم } معَك { جَمِيعًا } في ظِلّ الإسلام { و } لكنْ { قُلُوبهُم شَتَّى }؛ { ذَلِكَ بِأنَّهُم قَوْمٌ لا يَعْقِلُون }[الحشر:14].
لا اسْتِقْرَار بِلا قَرَار.لا بُدَّ للسَّالِكِ مِنَ اتِّخَاذِ القَرَارِ الحَنِيْفِ تُجَاهَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِن أَحْكَامِ التَّكْلِيْفِ.
لا يَتَّفِق القَرارُ الحَنِيْف مع اتِّباع الظن والهوى على الإطلاق؛ لأنه يَقتضي حِفظ النَّفْس عَلى الاسْتِقامة ابْتِغاء وَجْه الله الخَلاق.وَاسْتِوَاءُ القَرَارِ الحَنِيْفِ يَكُوْنُ عَلَى قْدْرِ حِفْظِ مَكَارِمِ الأخْلاق.
عِبَارَةُ أنَّ الله تَعَالى في السَّماء: عُرْفٌ، مَعْنَاه: { رَبُّ السَّمَاواتِ السَّبْعِ وَرَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ }[المؤمنون:86]. مِنه: { قالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العَالَمِين }؟ { قال: رَبُّ السَّمَاوات وَالأرض ومَا بَيْنَهُما إن كُنتُم مُّوقِنِين }[الشعراء:23-24]. ومن ثم: قال الله تعالى: { وهُو الذي في السماء إلَهٌ وفي الأرض إله .. * وتبارك الذي له مُلْكُ السماوات والأرض وما بينهما .. }[الزخرف:84-85]. ولمَّا عَرَّف الكَلِيمُ رَبَّه بذلك وسُئل عن مَاهية الإلهية، قال: { رَبُّنا الذي أعْطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَه ثُمّ هَدَى } به العقول الكونية.فالله تعالى { لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ } الخَلقيَّة { وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ } بصفاته القُدْسِيَّة [الأنعام:103]. والأيْنِيَّة والعُلْوِيَّة .. الخ الإضَافات: لَيسَ دَلِيْلا عَلى إثْبَات الجِهَة أوْ غَيْرهَا مِن صِفَات الكَائِنَات.وهَذا التَّقْريرُ مُحْكَمٌ في الشَّريعَة الإسلاميّة؛ يَقتَضِيه ما ثبَت في العِلْم عقلا ونَقلا مِن نَزاهَة اللهِ تعالى عن صِفات البَرِيَّة.فعَلَى فَرَض إقْرَار رِوَايَة مُسْلِم فِي الجَارِيَة وما في مَعناها مِن الكَلِمات، يَجِبُ حْمَلُها علَى هذا الوَجْهِ ونحوِه من البَيِّنات.
النَّفْسُ كَائِنٌ مُمَغْنَط، مَنْ لَمْ يَقُمْ عَلَيْها مُهَيْمِنًا بالحُبِّ أو قَائِدًا بالسَّحْبِ أذَلَّتْهُ بِالجَذْبِ.وَلا يَقُوْمُ المَرْءُ عَلَى النَّفْسِ إلا بِعِلْم يَحْفَظُ الحُدُوْدَ ( بالمَنَاعَةِ وَالحَصَانَةِ وَالذَّبِّ).
لا زال العقلُ حاكما على النفْس ما لم يَقُم فيه القَبُوْلُ لِمُتَعَلَّقاتِها الشّهوانِيّة، وكُلَّما قَوِيَ القَبُوْلُ ضَعُفَت الحاكِمِيَّة.ولا يزال العقلُ قائما على النَّفْسِ ما لم تَنْغَمِس بالمِغْنَاطِيسِيَّة، وكُلَّما تَقارَبَ المُمَغْنَطان قَوِيَت المؤثِّرات النَّفْسِيَّة.
اتّقوا “التقوى الكاذبة” الشيطانية؛ تدعو المرءَ لاجتناب المعروف اتقاء للمسؤولية، والواقع: أنه قد هُدِي إليه لما تعلق به من الأحكام الشرعية.فلا يَقولنَّ قائلٌ: أتَّقي مَعرُوفًا لِعَدَم عُمُوم الواجِب؛ إذ على التَّحْقِيْق: يكُون المَعروفُ في حقِّه واجبًا إذا تعلّقت به المَطالِب.
مِن التقوى الكاذِبة الشيطانِيَّة: اتِّقاء القُرْبَة خَشْيَةَ التقصير بالمسؤولية، والحَقّ: وِقَايَة النَّفْس بِها من المحاسَبَة الإلهِيَّة.وإنْ كَانَت مِنَ الأمَاناتِ الشَّرْعِيَّةِ، فالحَقُّ: القِيَامُ عَلَيْهَا؛ لوِقَايَتِهَا مِمَّن يَجْهَل حُدُوْدَهَا المَرْعِيَّة.
الاسْتِقامَةُ الدِّيْنِيَّةُ: القِيَامُ عَلَى الحُقوْق الشَّرعِيَّة وِفْقَ البَيِّنَات العِلْمِيَّة مُجَرَّدَة عَن الحُظُوْظ الدَّنِيَّة.
المُسَوِّفُ بالاسْتِقَامَةِ مُقَامِرٌ، يَشْمُلُهُ خِطَابُ: { أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ }[التَّكاثر:1-2].
من فتن المفرِطين لاسيما الحشوية: اللغو في تصنيف حدود المحدثات العلمية؛ لتبرير تناقضهم في إنكار مقرراتها المعتمَدة في تدوين الأصول الشرعية.
عَلامَةُ المُفْرِطِيْنَ: غَفْلَةُ القَلْبِ عَنْ الحَقِّ المُبِيْن، واتِّبَاعِ الهَوَى فِي مَعْرِضِ حُكْمِ الدِّيْنِ.
تَعدَّدت وَسائلُ وأسْباب الفِتنة عن الحَقِّ المُبِين، ويجمَعها: القلبُ الفاسِد والنَّفْسُ والشّياطِين، ومَفاعِيلُها المُنكَرة في الدِّيْن.وجِمَاعُ اتِّقَاءِ الفِتْنَةِ: في إعْمَال اليَقِيْنِ، واجْتِنَابِ التَّخْرِيْصِ المهِيْنِ، وحِفْظِ التَّوَسُّلِ لِرَبِّ العَالَمِيْن.
الإقْبَالُ بالفِعْلِ عَلَى المُنْكَرِ المُبِيْن مَزَلَّةٌ لِزَيْغِ القَلْبِ عَن مَعْرُوْفِ الدِّيْنِ.قَالَ اللهُ تَعَالى: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم، وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ }[الصف:5].
مِن سُنَنِ الحَيَاةِ الدُّنْيَوِيَّة: قَسْوَةُ القُلُوْبِ لِغِيَابِ الذِّكْرَى الحَيَّة.فالمَطْلُوبُ: تَفْعِيْلُ الذِّكْرِ الوَارِدِ والقائِم في قُلوْب البَرِيَّة؛ احْتِرازًا مِنَ الغَفْلَة، واتِّقَاءً للقَسْوَةِ القَلْبِيَّة.

لا عَجَبَ مِنَ الجَهْلِ بِعِلْمٍ أَوْ تَأوِيْل، إنَّمَا العَجَبُ: مِنْ إِنْكَارِ ذَلِكَ لِلجَهْلِ بِهِ رَغْمَ ثُبُوْتِهِ بالدَّلِيْل!وهو الظلم المُبين؛ قال الله تعالى: {بَل كذَّبوا بِما لَم يُحِيطوا بِعِلْمِه ولمَّا يأتِهم تأويلُه .. فانظُر كيف كان عَاقِبَة الظّالِمِين}.
أين طارق بن محمد السَّعدِي في أحزاب الأُمَّة والتَّنظيمات؟ سؤال أُجِيب عليه هنا؛ وَقد طَرَحَ مفادَه متُحَذْلِقٌ من الوُشَاة.لقد ضَمِنَ الإسلامُ حُرْمَةَ كَافَّة المُسْلِمِين مِن أفْرَادٍ وجَماعات، فأَشْكُرُ لِكُلٍّ مِنْهم المَعْرُوفَ وأُنْكِرُ عليه المُنْكَرَات.ومِنْ أَنْكَر المُنكَرات: نَزْعُ يَد الطاعة لِلرَّأي والمُتَشابِهات، والبَغْيُ والعُدْوانُ على المسلمين بِنَاءً على المَذهَب في الخِلافات!فَلا أَنْتَسِبُ لِتَنْظِيم بَيْنَهم، لَكِن لِلكَافَّةِ عَلَيَّ كَمَا عَلَى كُلِّ مُسْلِم (الحَقّ الشَّرْعِيُّ)؛ بعَهْدِ رَبِّ البَرِيَّات.والحَقُّ الشَّرْعِيُّ: هو المَعْرُوْفُ في المُسْتَنَدَات، لاسِيَّما: مُسَانَدَةُ المَظْلُوم ومَنْ بُغِيَ عَلَيه بالحِكْمَة في المُشْكِلات.وأسْأَل اللهَ تَعالى أنْ يَهدي المخالفِين مِنهُم ويَغْفِرَ السَّيِّئات، ويُقلبَ قلوبَ القائمين عليهم لِتوحِيْد الصَّفِّ وجَمْعِ الكَلِمات.
لا يَسْتَقِيم أمْرُ الحَاكِم إلا بالقِيام عَلى الشَّرِيْعَة الإسلامِيّة؛ فقَد كَتَب اللهُ تعالى إرْثَ الأرْض لصَالِحي البَرِيَّة.قال الله تعالى: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ } [الأنبياء:105].
لا يَسْتَقِيم لِحاكِم العَدْلُ بين الرَّعِيَّة إلا باعْتِماد الفَتْوَى الأُمَمِيَّة (المُراعية لحُدوْد الشَّريعة دون القيود المَذهَبِية). قال الله تعالى: { .. وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ }[المائدة:42].
يَنْبَغِي على المُسْلِمِيْنَ لاسِيَّما الحِزْبِيِّيِن: التَّمْيِيْزُ في مُعامَلة المُخَالِفين بَيْن حُدُودِ المَذْهَبِ وحُدُوْدِ الدِّيْن.فَالمَذْهَبُ يَضِيْقُ عَلَى المُخَالِفِ بَيْنَمَا وَسِعَت الشَّرِيْعَةُ كَافَّةَ مَذَاهِب المُجْتَهِدِيْنَ.
إنْكَارُ ما وَسِعَتْهُ الشَّرِيْعَةُ مِن مَذَاهِبِ المُجْتَهِدِيْن مُخالِف للذِّكْر، والتَّلْبِيْسُ بتَرجِيْحات المَذهب على نُكرانه مَكْر.في الخبر:” إذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَان، وَإذَا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطأ فَلَهُ أَجْر “[متفق عليه].

الإقْبَالُ على الفاحِشَة يُنْمِي الشَّهْوَةَ فتُهَيْمِن عَلى العُقُوْل وتَغْلِب الحِكْمَة فِيها، ومَنْ ظَنَّ أنَّه مَحْفُوْظٌ فَقَد شَطَن.ومِن ثُم قال الله تعالى: {تِلك حُدُودُ اللّه فَلا تَقْرَبُوها}[البقرة:187]، {ولا تَقْربُوا الفَواحِش ما ظَهَر مِنها وما بَطَن}[الأنعام:151].
تَعِسَ الحشويَّة؛ جَعَلوا للّه أمْثَالَ البَشَرَ وخَلَقَهُم، وخَرَقوا له جَوَاهِرَ وَأعْرَاضَ بِغَير عِلْم! سُبحانه وتعالى عَمَّا يَصِفون.هُوَ بَدِيعُ السَّماواتِ وَالأرْض أَنَّى يَكُونُ لَه مِثْلٌ وَلَم يَكُن لَّهُ خَالِقٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْء وهُوَ بِكُلِّ شَيْء عَلِيم.
أَصْلُ التَّقْوَى: الأمْرُ الصَّالِحُ، المَفْعُوْلُ لاسْتِمْدَادِ دَرْءِ المَفَاسِدِ وَجَلْبِ المَصَالِح.ولمَّا كان الاسْتِمْدَاد مُتوقِّفًا عَلَى الاسْتِعْداد، شَملَت التَّقْوَى اتِّخَاذَ أَسْبَابِ المَقْصُودِ المَشْرُوعَةِ لِلعِبَاد.
المَحَبَّةُ: أُلْفَةٌ رُوْحَانِيَّةٌ، تَقُوْمُ عَلَى تَوَافُقٍ لَطِيْفٍ بَيْنَ الأَرْوَاحِ المَعْنِيَّة.فِي الخَبَر:” الأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ، وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ “[متفق عليه].
الأُلْفَةُ: انْسِجَامٌ مَعَ الشَّيْءِ؛ لِوُجُوْدِ اتِّفَاقٍ بِهِ، أَوْ تَوَافُقٍ مَعَهُ.وَالأُلْفَةُ: تَقُوْمُ فِي كَافَّةِ اللَّطَائِفِ البَشَرِيَّة، فَيُوَازِي المَحَبَّةَ فِيها: الأَشْبَاهُ وَالنَّظَائِرُ المَرْعِيَّةُ.
المَوَدَّةُ: أُلْفَةٌ قَلْبِيَّةٌ، تَقُوْمُ عَلَى اسْتِحْسَانِ القَلْبِ لِلأَشْيَاءِ المَعْنِيَّة.
الاشْتِهَاءُ: أُلْفَةٌ نَفْسِيَّة، تَقُوْمُ عَلَى مَيْلِ النَّفْسِ لِلأَشْيَاءِ المَعْنِيَّة.
التُّقْيَةُ الشَّرعِية: خِداعٌ لِحفظ النفْس من الأضرار المَرعِيَّة، سَواء كان الحِفظ مِن البُغَاة أو الكُفَّار المُتَسَلِّطين على البَرية.فِي الخِطَابِ:” تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْ أُمَّتِي .. مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ “[المستدرك]. {مَن كَفر باللّه مِن بَعد إيمانه إلا مَن أُكرِه وقَلبُه مطمئنٌّ بالإيمان ولكن مَن شَرح بالكُفر صَدرا فعليهم غَضبٌ مِن اللّه ولهم عذابٌ عظيم} وتَقرر في القَواعِد الفِقهية:” أن الضَّرورات تُبِيْح المَحظورات بشرط عدم نقصانها عنها “، فليس من التقية الشرعية تَعدِّي الحدود الإسلامية.والأَوْلى عَدَمُ العَمَل بالتُّقْيَة، بل الثَّبَاتُ، فتَشريعُها ليس من باب الإجازة، بل رفعًا للإثم عن أعمالها المُنْكَرات.ولا يَصِحُّ ادِّعاءُ التُّقْيَة في شيء لأهْواء وظُنُون مَذهَبِيَّة؛ فالأصْل: الحُكم على الظاهر ما لم تَقُم على خِلافِهِ بَيِّنَة مَرعيَّة.

والنِّفَاقُ: خِدَاعٌ مُنْكَر مهِيْن؛ لأنَّه خِدَاع لِلحَقِّ المُبِيْن، فتَمَيَّزَ عن التُّقْيَة المَخْصُوْصَة بِخِدَاع المُعْتَدِين.قال الله تعالى: {إن المُنافقِين يُخادِعُون اللّه وهو خادِعُهم}، {يُخَادِعُون اللّه والذِين آمَنوا وما يَخْدَعون إلا أنفُسَهُم وما يَشعُرون}.
مِن غِوَايَةِ الحَشَوِيَّة لأَوْلِياء الأُمُوْر والمُسلِمِين: تَلبِيْس صِفَة المُخَالِفِين لِمَذْهَبِهم بالفاسقين والمُخالفِين لِلدِّين!ومِنه: تلبِيْس النَّصِيْحَة باسْتِتابة المُرْتَدِّين! فالتَّغْرِير بالتَّسَلط على المُخالفين وسجنهم .. الخ؛ خلافا لمُقتَضَى النصح المُبين.
من تَلْبِيْس الحَشَوِية: زَعمهم أن العَقل مُقَدَّم على الشرع عِند الأشْعَرِيَّة، والحَقُّ: أنه لا يَتعدَّى كَونه وَسِيْلَةُ بَيَانٍ شرعية.ومِنْ أُصُوْلِنَا: أنَّ العَقْلَ خَادِمٌ لا يُشَرِّع للبَرِيَّة، والسُّلْطَانُ لِلمَصَادِرِ الدِّيْنِيَّة.
دَواعِي أهْل الحَق للتأوِيل: الظَّفْر بما قام فيه مِن عِلْم بالتنْزِيل، ودَفْع شُبَه الزائغِين (كالحشوية) المُفترِين على صفات الله الجليل.{ولو رَدُّوه إلى الرسول وإلى أُوْلِي الأمر منهم لَعلِمه الذِين يَستنبِطونه منهم، ولولا فَضْل اللّه عليكم ورحمته لاتَّبعتم الشيطان إلا قليلا}
مِنْ تَلْبِيْسِ الحَشَوِيَّة: التَّرْوِيْجُ بالمُتَشابِهَات؛ لِلإيْهام بتَقْرِيْر إفادَة اليَقِيْن بالأخْبَار الأَحَادِيَّة.والحَقُّ (الذي عليه أهلُ العِلْم سَلَفًا وخَلَفًا): أنَّ أخْبَار الآحَادِ لا تَتَعَدَّى الإفادَةَ الظَّنِّيَّة.مِن دوافع الحشوية لِتلبِيس حُكم الأخبار الآحادية: التَّسوِيغ لإنكار ما عليه أهل الحَق (من عدم الاعتِداد بها في المقررات الاعتقادية). وكذا مِن دَوافع الحشوية لِتلبِيس حُكم الأخبار الآحادِيَّة: الإمْعَانُ في تلبيس (تقديم العقل على الشرع عند السَّادَة الأشعرية).
أيُّها السَّالِكُون والسَّالِكَات! إِنَّمَا تُتَّقَى الغَفْلَةُ بالفِعْل لا بالأمْنِيَات.فاجْتَنِبُوا الوُقُوْعَ فِي أَشْرَاك الشَّيْطَان التي يَنْصُبُهَا على سُنَنِ الحَيَاة، فَضْلاً عَنِ اقْتِرَافِ السَّيِّئَات.
شَعْبان: شَهْر الشَّرَف والعُلوِّ والبِرِّ والإحْسان والأنْوَار، فاجتَهِدوا فِيه بالاسْتِقامَة والتَّقَرُّب إلى الله تَعالى لَيْلَ نَهَار.شَعْبَان جُنَّة مِن النَّارِ، فتَقَرَّبُوا فِيه بالصيام والقِيام والإنْفاق على نَهْج الأخيَار، واسْأَلوا اللطْفَ فِي إجْرَاءِ الأَقْدَار.
الضَّلالُ _ عَلَى التَّحْقِيْقِ _ نَوْعَان: ضَلالٌ عَن يَقِيْنِ الدِّيْن، وَضَلالٌ عَنِ صَوَابِ صِرَاطِهِ المُبِيْن.فالضَّلالُ عَنِ يَقِيْنِ الدِّيْن: يَقَعُ بِمُفَارَقَةِ أُصُوْلِ الإِيْمَانِ وَسَبِيْلِ المُؤْمِنِيْنَ.ومِنَ المُقَرَّر: كُفْرُ الضَّالِّيْنَ عَنِ الدِّيْن؛ {فَلَمَّا جَاءهُم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ! فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الْكَافِرِين}. والضَّلالُ عن الصَّوَاب المُبِيْن: يَقَعُ بالمُخالَفَة المَذهَبِية التي وَسِعَها الدِّين، والزيغِ باتِّباع ما تَشَابَه على المَعْنِيِّيْن.وقَد تَقَرَّرَ: الرَّحْمَةُ في اخْتِلافَاتِ المَذْهَبِيِّيْن، وَالضَّررُ في شِعَبِ الزَّائِغِيْن.فلا تَأثِيْر لِلاخْتِلاف المَذْهَبِيِّ عَلى العِبَادَة المُشْتَرَكَة بَيْن المُخْتلِفِيْن، بَيْنما تَتأثَّر بِشَرَاكَةِ الزَّائِغِيْن.فمَا زَال الزَّائِغُوْنَ فِي عِدَادِ المُسْلِمِيْنَ الفَاسِقِيْن، إلا أنْ يُتَيَقَّن وُقُوْعُهُم فِيْ ضَلال الكافِريْن.فيَتَرَتَّب على الزَّيْغ: سُقُوطُ صِحَّة الاشْتِراك في بَعْض عِبادات المُسلِميْن، لكِن لا تَسقط حُرْمة الزائغِين إلا بِالكُفْرِ المُبِيْن.قال الله تعالى: {.. وَأنّ هذا صِراطي مُسْتَقِيمًا فاتَّبِعُوه ولا تَتَّبِعوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُم عن سَبِيلِه ..}[الأنعام:153]. { ثُمَّ جَعَلنَاك على شَرِيعَةٍ منَ الأَمْر فَاتَّبِعْها ولا تَتَّبِعْ أَهْواء الذِين لا يَعْلَمُون }[الجاثية:18].
مِن تَلبِيْس الزَّائِغِيْن في الاعْتِدَاد: الاسْتِدلال (بِأحَادِيَّة الرُّسُل ورُسُلِهم في الدَّعْوة)؛ لإثْبات اليَقِيْن في خَبَر الآحَاد!وهَذا دَأْبُهم في اتِّبَاعِ سُنَن مَنْ كَانَ قَبْلهم مِن أَهْل الفَسَاد: يَسْتَدِلُّوْن بِمَا يَشْهَدُ بِجَهْلِهِم عَلى رُؤُوْسِ العِبَاد.فأحَادِيَّة رُسُلِ اللهِ تَعالى مَجْبُوْرَة بالبَراهِيْن والمُعْجِزات، وأحَادِيَّة رُسُلِهِم مَجْبٌورَة بِوُجُوْدِ المُرْسِل والبَيِّنَات.وهُنَا يُقال: لَو كَان خَبَرُ الآحَاد يُفِيْدُ اليَقِيْن لَمَا احْتَاج المُرْسَلُون فِي دَعْوَتِهِم إلى المُعْجِزَات والبُرهَان المُبِيْن.فَبَطَل مَا يَدَّعِيْهِ أهْلُ الزَّيْغ المهِيْن، وتَبَيَّنَ أنهم عَلى سنَنِ المُفْسِدين: يُخْرِبُون بُيوتَهم بأيدِيهم وأيْدِي المُصْلِحين.ظَنُّوا أنهم مانِعَتهم شُبهاتهم من اللَّه رَب العالَمِيْن، فأتاهم اللَّه من حيث لم يَحْتسِبوا وقَذَف فِي قُلوبهم الزَّيْغَ المهِيْن.
مِن دَوافع الحشوية لِتلبِيس حُكم الأخبار الأحادِيَّة: الإيهام بأن حكمها هو الذي حال دون قيام الحجة فيما يستدلون به على السَّادَة الأشعرية.لكن هَيْهات! فلا يَخفى على مَن له أَدنى حَظّ مِن العلوم الشرعية: أن رَد أدلتهم كان ببيان فساد استدلالهم بها، لا بحُكم دَلالتها الثُّبوتية.

أَصْل بَاب “الإيْمَان بِصِفاتِ الله تَعالى القُدْسِيَّة”: مَعْرِفَةُ الله تَعَالى بِمَا بَيَّنَهُ عَنْ نَفْسِه فِي خِطَابِهِ لِلْبَرِيَّة.وذلك يَتَطلَّب: مَعْرِفةَ أحْكام الصِّفات الثُّبُوْتِيَّة، ومَبانِيْها العِلْمِيَّة، ودَلالاتها الشَّرْعِيَّة، وأَحكَامها التَّكلِيْفيَّة.فتقرر على مذهب السادة الأشعرية: وجوب الإيمان بوجوب عشرين صفة إلهية (صفة نَفْسيَّة، وخمس صفات سلبية، وسبع صفات مَعان، وسبع صفات مَعْنَوية). وذلك على سبيل ما نُصِب لنا دليلا على الإلهية، لا حصرا لما يَجِب من الصفات القُدْسِيَّة، ولا إنكارا لما ورد في الخطاب من الصفات العَلِيَّة.
النَّقْشَبَنْدِيَّة: طَرِيْقُ سُلُوْكٍ شَرْعِيَّة، شَأنُهَا: شَأْنُ سَائِر الطُّرُق الصُّوْفِيَّةِ العَلِيَّةِ الإسْلامِيَّة.ولا يَتَأثَّر تَجَرُّدُهَا بالأدعِياء، ولا بالاعتراضات البِدْعِيَّة، ولا بما تَفَرَّعَ مِنها أو انْتَسَب إليْها مِن تَنْظِيمات حِزْبِيَّة.
لا تَعَارُض بَيْنَ المُخَالَفَة (المُقَرَّرِة عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الأشْعَرِيَّة) والإثْبَات فِيْ بَيَانِ الصِّفَات الإلهِيَّة.فالمَقْصُوْدُ مِن ” مُخَالَفَةِ الحَوَادِثِ “: مُخَالَفَةُ المَاهِيَّة، فَلا تَأْثِيْرَ لِلْمُمَاثَلَةِ اللفْظِيَّة.والأَلفَاظ المُثْبَتَة في بَيَان صِفَات اللهِ تَعالى مُنْزَلَة بِلُغَةِ العِبَاد (كالعَرَبيَّة)، لِلدَّلالة على الصِّفَات القُدْسِيَّة.فَالمُرَادُ بأَلفَاظِ الصِّفَاتِ السَّمْعِيَّة: دَلالاتُهَا المَعْنَوِيَّة، مُجَرَّدَةً عَنِ المَاهِيَّة.فالألفَاظ (كَاليَد والنُّزُوْل) المَوْضُوْعُة للماهِيَّة: إنما يُراد بِها مَعْنى مِمَّا اصْطُلِحَ عَليه (مَجَاز) في الحُدُوْد اللغَوِيَّة.وَالحُجَّةُ عَلى الدَّلالَةِ المَجَازِيَّة: التَّأوِيْلات السَّمْعِيَّة، والمُحْكَمَات الشَّرْعِيَّة، والمُقَرّرَات العِلْمِيَّة.
إنما يَصِح إثباتُ ما أَثبَته الله تعالى لنفْسه العَلِيَّة: بإثباتِ الألفاظ السمْعية مُجَردة عن المعاني اللغوية؛ إيمانا بنُصوصها الخِطابية.وإثْبَاتِ مَعَانِيْهَا وِفْقَ مَا تَهْدِي إليْهِ القَرائنُ المُحْتَفَّةُ بِها بِنَاءً عَلَى الحُدْوْدِ المُقَرَّرَة في عِلْمِ الإِلهِيَّة.
الوَجْهُ الآخَرُ للصِّفَاتِ المُقَرَّرَةِ فِي الأشْعَرِيَّة: أنَّها مُصْطلَحاتٌ قائمةٌ على نَوْعَيْن مِنَ المَبَاني العِلْمِيَّةٌ.مَبَانٍ أَصْلِيَّة: تُصَنِّفُ أَنْوَاعَ الصِّفَاتِ الإجْمَالِيَّة، كَكَوْنِهَا صِفَاتٍ نِفْسِيَّةً، وَسَلْبِيَّةً .. الخ.مَبَانٍ فَرْعِيَّة: تُصَنِّفُ أَنْوَاعَ الصِّفَاتِ التَّفْصِيْلِيَّة، كَكَوْن القُدْرَةِ دَلِيْلَ الصِّفَاتِ الفِعْلِيَّة .. الخ.وَقَدْ رُوْعِي في الاصْطِلاحِ “الأَلْفَاظ السَّمْعِيَّة”؛ لِاعْتِبَارِ أنَّ صِفَاتِ اللهِ تَعَالَى تَوْقِيْفِيَّة.مِثَالُ ذَلِكَ فِي المُقَرَّرَاتِ الإسْلامِيَّة: الشَّهَادَةُ بِالإِلَهِيَّة؛ فَإِنَّهَا مَبْنَى مَسَائِلِهَا الإيْمَانِيَّة.وَعَلَيْهِ: تَكُوْنُ الصِّفَاتُ المُقَرَّرَة فِي الأَشْعَرِيَّة: هِي المَبَانِي العِلْمِيَّة في تَقْرِيْرِ الصِّفَات السَّمْعِيَّة.
لَيْلَة نِصْف شَعْبان: ليْلَة البَرَكَة وَالفُرقان، لَيْلَة البَراءَة والإجابَة والغُفْران .. فالمُوَفَّق: مَن قامَها وصام يومَها بإحسْان.في الخَبر الصَّحِيْح:” يَطَّلِعُ اللهُ عَلَى عبادِه ليلة النِّصف مِن شعبان، فيَغْفِرُ لِجَمِيْع خلْقِه إلا لمُشْركٍ أو مُشَاحِن “؛ شَيطان.
مِن اللبْس المُبِيْن: تَتبُّع الأشباه بيْن مَناهج أهل الحق الأشاعِرة والمُبتدِعة (كالجهمية والمعتزلة) لِتقرير تساويهم رغم كونهم مختلفين.الأشاعرة عالِمون سُنيُّون، لا يُنكِرون مَعروفا ولا مُنكَرا يُعرِّفون، وفي التوحيد: يُبَيِّنُون، فلا يَنفُون ثابتًا ولا بتأويلهم يُحرِّفون.
إنكارنا “تَقْسِيم التوْحِيد: إلهِيّة ورُبوبِيّة وصِفات” عند الحَشَوِيّة: ليس لمبادئ التقسيم الاصطلاحية؛ فلا مُشاح في الاصطلاحات العِلْمية. وإنما الإنكار: لمُعارَضَةِ مَبادِئه اللغَوِيَّة والشرْعِية، وفَسَادِ مَا رُتِّب عليه مِن التكْفِير لِلمُخالَفِيْن مِن الأُمَّة الإسْلامية.
مِنَ افْتِرَاءِ الزَّائِغِيْنَ: ادِّعَاءُ اسْتِبَاحَة “السِّحْر” فَضْلاً عَنِ اعْتِمَادِهِ عِنْدَ السَّادَةِ الصُّوْفِيِّيِنَ! ومِن سنَن الزائغين: أنْ {لَو نَزَّلنا عَليك كِتابا في قِرْطاس فَلَمسوه بِأيديهم لَقال الذين كَفروا إنْ هذا إلا سِحْرٌ مُّبِين}[الأنعام:7]. والأَصْلُ: أنَّ السِّحْر مادَّة فِقْهِيَّة، وقد اتَّفَق الفُقَهَاءُ على تَحْرِيْم تَعَلُّمِه وتَعْلِيْمِه ومُمَارَسَته على المُكَلَّفِيْن. والصُّوْفِيَّة أَكثرُ الناس تَشَدُّدًا في التِزام أحْكام الدِّيْن، وهُم أبْعَدُ الناس عن السِّحْرِ وما في مَعْناه مِن أَعمال الشيْاطين.
يَزْعُمُ الحَشَوِيَّةُ “الفِرْيَة” عِنْدَ أَهْلِ الحَقِّ كالسَّادَةِ الأَشَاعِرَةِ والصُّوْفِيِّيْن! ومِنْ ذِكْرِ سَلَفِهِم الزائِغِيْن: {إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا وَمَا نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ}[المؤمنون:38].
إنْكارُ المَنَاهِج والمَذَاهِب الشَّرعِيَّة لِبِدَعِ المُنْتَسِبِيْنَ: افتراءٌ مُبِيْن، وتَفْرِيْق النَّاس عَنها لِذلك: تَلْبِيْسٌ مهِيْن. {فَمَنْ أظْلَمُ مِمَّن افْتَرى على اللّه كَذِبا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْر عِلْم؛ إنَّ اللّه لا يَهْدي القَوْمَ الظَّالِمِين} [الأنعام:144].
المَنَاهِجُ القَيِّمَةُ تَأْتِي بِالصِّدْقِ المُبِيْن! فَتُصَدِّقُ العِلْمَ القَائِمَ، وتَهْدِي المُخَاطَبِيْن. والهِدَايَةُ الكَامِلَةُ تقوم على رُكْنَيْ الهِدَايَة إِلَى الْحَقِّ وإِلَى الطَّرِيْقِ المُسْتَقِيم. فالهِدَايَةُ إلى الحَقِّ: بِبَيَانِ العُلُوْمِ وَالأَحْكَامِ الصَّالِحَة للمَدْعُوِّيْن. وَالهِدَايَة إلَى الطَّرِيق المُسْتَقِيم: بالإرْشَادِ إلَى سُبُلِ السُّلُوْكِ القَوِيْم. وَفِي كِتَابِ اللهِ تَعَالَى: { إنَّا سَمِعْنا كِتَابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوْسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْن يَدَيْه .. يَهْدِي إلَى الْحَقِّ وَإلَى طَرِيْقٍ مُّسْتَقِيم }[الأحقاف:30].
حِفْظ حُقوْق الإنسان في الشريْعة الإسلامِية: إنَّمَا يَتَحَقَّق بِحِفْظ حُقُوْقِه الشرْعِية، لا المَذْهَبِيَّةِ فَضْلاً عَن البِدْعِيَّة. فَمَن اعْتَدَّ بالآراء الفَرعِيَّة دُوْن ما وَسِعَتْه حُدُوْدُ الإسْلام: فقَد شارَك الظالِمِين في البَغِي والعُدْوان على حُقوق الأنام.
أيُّها المُسْلِمُون، هَذا شَهْر رَمَضانَ يُظِلّكم بنِعَمِه المُبارَكة، فاجْتَهِدُوا في اسْتِقْباله وإحْيائه بالمَعْرُوف إفْرادًا ومُشاركة.
رَمَضَان: شَهْرُ الاسْتِهَامِ وَالتَّعَاوُنِ فِي البِرِّ وَتَقْوَى الرَّحْمَن.
المُفْلِحُوْنَ فِي رَمَضَانَ: الذِيْنَ يَتَعَرَّضُوْنَ فِيْهِ لِلْرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ مِنَ الْنِّيْرَان. وَالخَاسِرُوْنَ فِي رَمَضَانَ: الْذِيْن يَسْتَقْبِلُوْنَهُ بِوَسَائِلِ الشَّيْطَان، وَيُحْيُوْنَهُ بِالْمُنْكَرَاتِ وَالْعُدْوَان.
إنَّمَا يَتحَقَّق التَّعَرُّضُ لِلفُيُوْض الإلهِيَّة السَّبَبِيَّة: بِحِفْظ أسْبَابِها الشَرْعِيَّة، والتَّحَلِّي بأخْلاقِها المَرْعِيَّة. فيَتحقق التعَرُّض للفُيُوض الرمَضانِية: بحِفظ حُقوقه الدِّيْنِيَّة، والتَّخَلُّق بالرَّحمَة والعَفو والعِتْق وِفْقَ مَواسِمه الفَصْلِيَّة. قَالَ اللهُ تَعَالَى: { وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقًا }[الجن:16]. وَفِي الخَبَرِ: « الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ اللَّهُ، ارْحَمُوا أَهْلَ الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ أَهْلُ السَّمَاءِ »[المستدرك].
مِن حُقُوْق شَهر رمَضان: تَقْدِيره بإحْسَان، وإظْهار الإيْمان، وطَلَب الغُفْران، والاعْتِكاف للرحمَن، والصَّبْر على المَشَقَّة والعُدْوان. ومِنْ حُقوقه: مُوَاسَاةُ المُصَابِيْن، والتَّخْفِيْفُ عَن المَربُوْبِيْن، وتَفْطِيْرُ الصَائِمِيْن، والتَّنافُسُ فِي المَعْرُوْفِ المُبين.
تَعِسَ الزائغُون الطُّغام؛ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ أدرَك في الحُديبِية فضْلَ الآداب مَع الكِرام، وهُم يُنكِرونها ويُحَقِّرُوْنها بالأوْهام. وَقد ذَكَرَ عُرْوَةُ أنَّه وَفَدَ عَلَى مُلُوْكٍ فِي الأَنَام وَلَمْ يَرَ في تَعْظِيم أَصْحابِهم لَهُم مَا رَآهُ فِي الصَّحابَة الأَعْلام. قال:” وَاللَّهِ إِنْ تَنَخَّم نُخَامَةً إلا وَقَعَت في كَفِّ رَجُل مِنهم فَدَلَك بِها وَجْهَه وَجِلْدَه، وإذا أمَرَهُم ابْتَدَرُوا أَمْرَه، وإذا تَوَضّأ كادُوا يَقْتَتِلون على وَضُوئه، وإذا تَكلَّم خَفَضوا أصْواتَهم عِنْدَه، وما يُحِدُّون إلَيْه النَّظَر تَعْظِيما له “[البخاري]. قالَ اللهُ تَعَالى: { وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ }[الحج:32]. وفي الخبر: « لَيْسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لَمْ يُجِلَّ كَبِيرَنَا .. وَيَعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ »[المستدرك]. وإنّه لَمِنْ مَحْضِ أَوْهَام وافْتِراءِ الزائغِين: ادِّعَاء التَّأَلُّه وَالشِّرْك فِي الآدَابِ القائِمَةِ بَيْنَ السّالِكِين والصالِحِين. فينبغي على الناس لاسيما ولاة أمور المسلمين: أن يُعْرِضوا عن الزائغين في هذا الأمر وغيره من الافتراء والعُدوان على الدِّيْن والصَّالِحِين. وفي الصحيح:” إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ الْعِبَاد، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِما اتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وأَضَلُّوا “[متفق عليه].
مِن فِرْيَةِ وتَلْبِيْسِ الزَّائِغِيْنَ عَلَى السَّالِكِيْن: ادِّعَاءُ ” الخُرُوْج عَلَى وُلاةِ الأَمْرِ بمُوَالاتِهِم لِلصَّالِحِيْن “! ولا تَعَارُض بَين الوِلايَتِيْن في الدِّيْن؛ لاختِلاف الصّلاحِيات، وكَوْن الواجِب على الصالحِين والسالِكين: موالاةُ وُلاةِ أمْرِ المسلمين.
تَعِسَ الزائغُون الطَّغَام؛ جعلوا رؤوسَ مذهبهم أركان الإيمان العِظام، مَتَّبِعهم مؤمن، والمُنكِر عليهم بالحَقِّ: مُشْرِك يَسْتحِق الإعدام! فيُكَفِّرُون المُنْكِرين عليهم بِاسْم الإسلام، بَينما هُم: يَستَبِيْحون “لِلاخْتِلاف” تكْفِيرَ سائر الُمخَالَفِيْن مِن العُلَماء والعَوام.
مِنْ أخْطاءِ المُتَعَالِمِيْن وتَدْلِيْس الزَّائغِيْن: نِسْبَةُ المَسَائِل الشَّرْعِيَّة للتَّصَوُّف؛ نِسْبَةً لِأعمَالِ المُتَصَوِّفِيْن. فَالتَّصَوُّفُ: عِلْمٌ يَبْحَثُ فِيْ الطَّرِيْقَةِ المُسْتَقِيْمَةِ لِسُلُوْكِ العَابِدِيْنَ. وَيَقُوْمُ فِيْ الظَّاهِرِ: عَلَى مَا قَرَّرَهُ عُلَمَاءُ العَقِيْدَةِ وَالفِقْهِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّيْنِ. وَفِيْ البَاطِنِ: عَلَى العِلْمِ اللدُنِّيِّ المَتِيْن (المُنْدَرِجِ عَلَى التَّحْقِيْقِ في الْشَّرْعِ المُبِيْن). فَأَحْكَامُ أَعْمَالِ المُتَصَوِّفِيْن التَّعَبُّدِيَّة: مَرْجِعُهَا المُقَرَّرَاتُ العَقَائِدِيَّة وَالفِقْهِيَّة. والمُتَصَوِّفُوْنَ البَاحِثُوْنَ فِي العُلُوْمِ الشَّرْعِيَّة: يَبْحَثُوْنَ بِنَاءً عَلَى تَخَصُّصٍ زَائِدٍ عَلَى عُلُوْمِ الصُّوْفِيَّةِ.
ها قَد حَلَّ المَوْسِمُ الثاني لِرَمَضان، فَلْيُقْبِل بالتوْبة الظالِمُون لأنفُسِهم بالعِصْيان، فَقد تَجَلَّى رَبُّنا مُقْبِلا بالغُفْران. أيُّها المؤمنون! لا تُعْرِضُوا عن التوبة لِوَسْوَسَة التَّعَلُّق بالمَعصِية وتِكْرار الخِذْلان؛ فَليس التائب في وَقْته كاذبا على الرَّحمن. والإِعْراضُ عَنِ الغَفَّارِ تَعَالَى فِي تَجَلِّيْهِ بِالمَغْفِرَةِ: مُضَاعَفَةٌ لِلْذَّنْبِ، وَإِضْعَافٌ لِلإيْمَان. فَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُم الْحَنَّان الْمَنَّان، وَقَابِلُوا وَسْوَسَةَ التَّخَلُّفِ بِالإرَادَةِ والْعَزْمِ وَالاسْتِغَاثَةِ للإحْسَان.
الاسْتِغْفَارُ: يَشْتَمِلُ عَلَى الاعْتِذَارِ، وَطَلَبِ المَغْفِرَةِ مِنَ اللهِ العَفُوِّ الغَفَّارِ. والاعتِذَار: هُو النَّدَم عَلى الواقِع مِن ظُلْم النَّفْس وَالأَغْيَار، وإرَادَةُ الإقْلاع عَنْه طَاعَةً وابْتِغاءً لِوَجْه الله القهَّار.
قارِعَةُ المُذْنِبِيْن قَبْلَ المَمَات: آيَةُ ﴿ ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَة قَبْلَ الحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاَتُ! وإنَّ رَبَّك لَذُو مَغْفِرَةٍ للنَّاسِ عَلى ظُلْمِهِم، وإنَّ رَبَّك لَشَدِيدُ الْعِقَاب ﴾[الرعد:6]! فالكَيِّس مَن اتَّقَى قَبْلَ الحِسَاب.
خَلاصُ الغَارِقِيْنَ فِي المُخَالَفَات: فِي الاجْتِهَادِ بِالاسْتِغَاثَةِ لِلْنَّجَاة. عَسَى أن يُوافِق المُسْتَغِيْثُ وَقْتَ تَجَلِّيات، فَيُهْدَى لِتَوْبَةٍ صادِقَة ويُقَلَّب قَلْبُه إلى حُبّ المَعْرُوْف وبُغْض المُنْكَرات. ومِن تَجَلِّي الأوقات: خبر « إنّ مِنَ اللَّيْل سَاعَةً لا يُوَافِقُها عَبْدٌ مُسْلِم، يَسْألُ اللَّهَ خَيْرًا إلا أَعْطَاهُ إِيَّاه »[مسلم]. وخبر « إِنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ »[مسلم]. ومِنْها: تَجَلِّيَات فُصُوْلِ رَمَضَان: الثُّلُثُ الأَوَّلُ بالرَّحْمَة، والثانِي بالمَغْفِرَة، والثَّالِثُ بالعِتْق مِنَ النِّيْرَان. فَبَادِرُوْا أيها الغَارِقُوْنَ بالاسْتِغاثَة مُقْبِلِيْن، وَلا تُدْبِرُوا لِقِيَامِكُم عَلَى الذَّنْبِ أَوْ لِوَسَاوِسِ الخَنَّاسِيْن. ﴿ وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾[آل عمران:133]. ﴿ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾[البقرة:222].
مِنْ تَقْوَى المُذْنِبِيْنَ فَضْلا عَنِ الاسْتِغَاثَةِ باللهِ المُتَعَال: التَّقَرُّبُ بالمَالِ وَصَالِح الأَعْمَال. ﴿ يا أيُّهَا الذِين آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللّهَ يَجْعَل لكُم فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُم سَيِّئَاتِكُم وَيَغْفِرْ لَكُم .. ﴾[الأنفال:29]. ﴿ وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الفَضْلِ مِنكُم وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُوْلِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا؛ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ؛ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾[النور:22].
بِئْس الواعِظ للمُسْرِفِين بالعِصْيَان: مَن قَنَّطَهم مِن الرَّحمَة، أو ضَيَّق عَليهم ما وَسِعَهم مِن التَّوْبَة والعَفْو والغُفْران. والمُسْرِفُون بالعِصْيان: هم المُكْثِرُون منها والمُكَرِّرُون لها والقائمُون عليها، سَواء كانت مِن الصَّغائر أو الظلْم والطُّغْيان. قال الله تعالى: ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا؛ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾[الزمر:53].
يَنْبَغِي عَلَى السَّالِكِ أَنْ يَحْفَظَ جَنَاحَي الأَمَان: التَّوْبَة وَالأَوْبَة لِلرَّحْمَن. فَإِذَا أَذْنَبَ سَارَعَ لِلغُفْرَان، وَإِذَا أَطَاعَ شَكَرَ المَنَّان. وبالتَّوْبَة يَأْمَن مِن الإصْرار عَلى الذُّنُوب، وبالأَوْبَة يَأْمَن مِن العُجْب والرِّياء والشِّرْك في طاعَة عَلَّام الغُيُوْب.
ها قَد حَلَّ مَوْسِم التَّحْرِيْر، فَلْيُبَادِر بِالتَّحَرُّر مِن رِقِّ الدُّنيا كُلُّ أَسِيْر، فَقَد تَجَلَّى بالعِتْق رَبُّنا القَدِيْر. وَأفْضَل وَسَائِل التَّحَرُّر التَّعَبُّدِيَّة: الاعْتِكَاف، وَهُوَ: الّلبْثُ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوْتِ اللهِ رَبِّ البَرِيَّةِ. وَأَفْضَلُ مَوَاسِم الاعْتِكَافِ لِلرَّحْمَن: العَشْرُ الأَوَاخِر مِنْ رَمَضَان. في الخبر: «مَن اعْتَكف يوما ابْتِغاء وَجْه اللَّه جَعل اللَّهُ بَيْنَه وبَيْن النار ثلاثَ خَنادِقَ، كلُّ خَنْدَق أبعدُ مما بين الخافِقَيْن».
الحُرِّيَّةُ مَضْمُوْنَة بالعُبُوْدِيَّة (وهي: التِزام أَحْكام الشريْعَة الإسْلامِيَّة)؛ لأنَّها مُقَرَّرَةٌ لِحِفْظِ حُقُوْقِ البَرِيَّة. وَمَا سِوَى الأحْكَام الشَّرْعِيَّة: آرَاءٌ وأهْوَاءٌ وَضْعِيَّة، لا تَخْلُو حُرِّيَاتُها مِنَ الرِّقِّ لِبَواعِثِها الدُّنْيَوِيَّة.
حِفْظُ التَّوْبَةِ أَمَانُ مِنَ الإِصْرَار، وَلَوْ بِمُجَرَّدِ الاعْتِذَارِ رَغْمَ الإِقَامَةِ أَوْ التِّكْرَار. فَأَسْبَابُ الإِصْرَار: إِمَّا الاسْتِكْبَارُ، أَو افْتِتَانٌ بِالأَحْوَالِ وَالوَسَاوِسِ المُنْكَرَةِ يُعِيْقُ الاسْتِغْفَار.
حَسْبُنَا اللّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيْمُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا اعْفُ عَنِ الفِلِسْطِيْنِيِّيْنَ واغْفِرْ لهُمْ وَارْحَمْهُم أَنْتَ مَوْلاهُم فَانْصُرْهُم عَلَى المُعْتَدِينَ وَالبَاغِيْنَ.
اللهُمَّ إِنَّ النَّاسَ يَجَمَعُوْنَ لِلْفِلِسْطِيْنِيِّيْنَ! فَزِدْهُمْ إِيمَانًا؛ أَنْتَ حَسْبُهُم وَنِعْمَ الْوَكِيْلُ. رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْهِم صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَهم وَانصُرْهُم عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ.
لَيْلَةُ الْقَدْرِ نِعْمَةٌ لَا تَنْحَصِرُ بالمُكاشَفِيْن؛ فَخَيْرُهَا يُصِيْبُ كَافَّةَ المُحْيِيْنَ. فَيَا أَهْلَ الإِيْمَان، اقْبَلُوا نِعْمَةَ الرَّحْمَن، وَأَقْبِلُوا عَلَيْهِ بِإِحْسَان.

عَبْدَ الله! هَا هُوَ رَمَضَان يُعِدّ لِمغَادَرَة الأَرْضَ، ويَرجِع إلَى رَبِّه لِلعَرْض، فمَاذا أَوْدَعْته؟ وكَيْف وَدَّعْته؟ أَلا إِنْ كُنْتَ مُسِيْئًا فَسَارِعْ بِالإِصْلاح، وَإنْ كُنْتَ مُحْسِنًا فَاسْتَزِد؛ لِلْفَلاح.
طُوْبَى لَكُم أيُّها الرَّمَضَانِيُّوْنَ (المُوْفُوْنَ بِحَقِّ رَمَضَان)؛ فَقَدْ تَكَفَّلَ بِجَزَائِكُمُ الرَّحْمَن. تَقَبَّلَ اللهُ تَعَالَى مِنْكُم الطَّاعَةَ وَالإِحْسَان، وَحَفِظَكُم مِنَ العِصْيَان، وَمِنَ الغَفْلَةِ وَالخَطَأ وَالنِّسْيَان.
أيُّها المُبْعَدُ في رَمَضان، اجتَهِدْ في عَامِك هَذا بالاسْتِقامَة للرَّحْمَن؛ عَسَى أنْ تُدرِكه مُجَدَّدًا دُونَ أنْ تَبُوء بالحِرْمَان. فِي الخَبَر: « أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ: بُعْدًا لِمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ ».
لا بُدَّ أنْ يَعْلم وُلاةُ الأُمُوْرِ النَّافِذِين: أنْ لا عُذْرَ لهُم عِنْدَ اللهِ تَعالى في التَّخَلُّفِ عَن نُصرة الفِلِسْطِيْنِيِّيْن؛ فإنْ كانوا يَتَخَلفُون بِدَاعِي الجَهالَة عَن النُّصْرَة بيْن المُسلِمِين، فواقِعُ فِلسْطِين: اعْتِداء وغَزْوٌ مِن اليَهُود المَلعُونِيْن. والاعْتِذارُ عَنِ النُّصْرَةِ بِمُخَالَفَةِ المَذْهَبِ فِي الدِّيْنِ: أَقْبَحُ الأَعْذَارِ وأَنْكَرُ الذُّنُوْبِ عِنْدَ رَبِّ العَالَمِين. ولْيَحْذَرُوا مِن الخَوْفِ عَلى عُرُوشِهم؛ وفي الخَبر: « لَزَوَالُ الدُّنْيا أهْوَنُ علَى اللَّه مِن سَفْكِ دَمِ مُسْلِم بِغَيْرِ حَقٍّ ».
سنَّة السلَف الصالِح: حِفظ قُبُور الأنبياء والصُّلحاء، وهُم الذين أقرُّوا وشيَّدوا عليها البِناء، فنِسبة التعرُّض لها إليهم: مَحض افتِراء. وإنَّمَا أُخِذَ الأدْعِياء: مِن جِهَة عَدَم تَمْيِيْز الخَبِيْث مِن الطيِّب في الأَوْلياء، والمُنْكَر مِن المَعْرُوْف فِي إصْلاح الأخْطاء.
مِنْ خَطَأ وَتَلْبِيْسِ المُعْرِضِيْنَ والمُنْكِرِين عَلَى التَّوَسُّلِ إِلَى الرَّبِّ: الخَلْط بَيْن الوَسِيْلَة والحَجْب. والوَسِيْلة: قُرْبَة، فتُعَضِّد مَسْألة السَّائِل وَتَزِيْد مِنْ قُرْبِهِ، دُوْنَ أَنْ تَحُوْلَ بَيْنَه وبَيْنَ رَبِّه. ومِن ثُم: ثَبَتَت مَشْرُوْعيَّتُها بالقوْل والفِعْل والتَّقرِير المُحْكَم، وكانت سَبَبَ الاسْتِجابة للناس يَوْم العَرْض الأعْظم. والحَجْب: سَتْرٌ، وَفِي البَاب: يَذُمُّ المَسْؤُوْلَ ويُبْعِدُ السَّائِلَ، ويَحُوْلُ دُوْنَ المُقَابَلَةِ لِعَرْضِ المَسَائل. فالمُعْتَرِضُ عَلى التَّوَسُّلِ تَرْكًا لِظَنِّ النَّكارَة أو تَوَرُّعا لِظَنِّ السَّلْب: مَفْتُونٌ عن حُكْمِه وفَضْلِه عِنْد الرَّبّ. وقَد أَنْزَل سُبْحانه في كِتابه: ﴿ يَبْتَغُون إلَى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أَيُّهُم أَقْرَبُ، وَيَرْجُون رَحْمَتَهُ وَيَخَافُون عَذَابَه ﴾.

الأولى بالعَرَب والمُسلِمِين: الثوْرة لِمُصِيبَة وَآهات الفِلسطينيين، لِحَملِ أَنظِمَتهم عَلى النُّصْرَةِ؛ مُرُوْءَة وعملا بأحكام الدِّين. والأَوْلَى بِوُلاة الأمْرِ: أن يَتَّقوا اللهَ ربَّ العالَمِيْن؛ ففي عِصيانه خُسْران الدُّنْيا والآخِرَة، وذَلِك هُوَ الخُسْرَانُ المُبِين. وقَد أَمَر عز وجل المُؤمنين: أنْ ﴿ قاتِلُوا المُشْرِكِين كآفَّةً كَما يُقَاتِلُونَكُم كآفَّةً واعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَ المُتَّقِينَ ﴾. وفي قَوْله ﴿ كآفَّةً ﴾ تَنْبِيْه لِلمُخَاطَبِيْن: بِسُقُوْط الفَوَارِقِ الخِلافِيّة (العِلمِية والسياسية والشخصِية) في قِتال المُعْتَدِين.
المَطْلُوْبُ مِنَ الغَارِقِ فِي الذُّنُوْبِ: أَنْ يَصْدُقَ التَّوْبَةَ عِنْدَ اسْتِغْفَارِهِ عَلَّام الغُيُوْبِ. فيَنْبَغِي عَلَى المُسْتَغْفِر: الإعْرَاض عَنْ حَالِهِ مَعَ المَتُوْب مِنْه، وعَن كُلِّ وَسْواسٍ مُتَنَكِّر.
مَنْشَأ مَبَانِي “الصِّفَات الإلَهِيَّة” النَفْسِيَّة، وَالسَّلْبِيَّة، وَالمَعَانِي، وَالمَعْنَوِيَّة: الأَحْكَامُ العِلْمِيَّة. فإنّ “تَحَقُّق الإلَهَ”، يُوجِب له: بالنَّظَر لِلْذَّات مُجَرَّدًا عن الأَحْكَامِ الزَّائِدَة “صِفات نفْسِيّة”، وتَقَرَّر فِيها: “الوجود”. وبالنظر للأَحْكَام الزائِدة على الذات “صِفات المَعانِي”، وتَقَرَّرَ فيها: القُدرة، والإرادة، والعِلم، والحياة، والسَّمع، والبَصر، والكلام. وبالنظر لِلقِيَام على الأحكام الزائدة “صفات مَعنَوية”، وتَقَرَّر فيها: كَونه عَزّ وجَل قادرا، مُرِيدا، عالِما، حَيا، سميعا، بصيرا، متكلما. وبالنظر لِنَزاهَتِه عَمَّا لا يَلِيْق به “صفات سَلْبِيَّة”، وتَقَرَّر فيها: القِدَم، والبقاء، والُمخالفة، والقِيام بالنفس، والوِحْدانِيّة. فَيَنْدَرِجُ فِي هَذِهِ المَبَانِي العِلْمِيَّةِ كَافَّةُ الصِّفَاتِ الوَاجِبَةِ لِرَبِّ البَرِيَّة.
المُخَيِّلَةُ نِعْمَةٌ عَظِيمَة للإنسَان؛ تَصْرِيْفُها مُحَفِّز للأشجَان، لكِن في الحَقِّ تُنمِي الإيمَان، وفي الباطِل تُنمِي الكُفْرَان. فَتَصْرِيْفُ المُخَيِّلَةُ فِي المَعْرُوْف الشَّرْعِيِّ قُرْبَة إلى الرَّحمَن، وفي المُنْكَرِ قُرْبَة إلَى الشَّيْطَان.
العَاقِلُ الْمُكْرَم: يَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْمُحْكَم؛ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأَحْكَمْ. فَاتَّقُوْا اللهَ تَعَالَى وَسُدُّوْا الطَّرِيْقَ عَلَى مُتَشَابِهِ الْكَلِم.
أَشَرُّ الهَوَى في السُّلُوْك والحِسَاب: النُّفُوْرُ لِعَدَم الإِعْجَابِ، وَالتَّغَيُّر لِلمُؤَاخَذَة والعِتَاب، وَالخَشْيَةُ لِلإِرْهَاب. قال اللهُ تعالى: ﴿ وعَسَى أن تَكْرهوا شَيْئا وهُو خَيْرٌ لكُم، وعسى أن تُحِبوا شَيْئا وهو شَرٌّ لكم؛ واللّهُ يَعْلَمُ وأنتُم لا تَعْلَمون ﴾.
يَجِبُ عَلى المُؤْمِن تُجَاهَ تَسَلُّط وتَهدِيْد الباغِيْن: الإصْرارُ عَلَى الاسْتِقَامَةِ مُحْتَسِبًا أَمْرَه عِنْد رَبِّ العالَمِيْن. قال الله تعالى: ﴿ الذِين قال لَهُم الناسُ: إن الناسَ قَد جَمَعوا لَكُم فاخْشَوْهم، فزادَهم إيمانا وقالوا: حَسْبُنا اللّهُ ونِعْم الوَكِيل ﴾.
الافْتِرَاءُ وَإنْكَارُ البَيِّنَاتِ مُتَسَاوِيَانِ فِي تَعَدِّي الحُرُمَات. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلى اللّهِ كَذِبًا أو كَذَّبَ بِآياتِه؛ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُون ﴾[الأنعام:21].
أَصْحَابُ وَأَتْبَاعُ الأوْلِيَاءِ الصَّالِحِيْنَ: هُمُ المُتَّبِعُوْنَ المَحْبُوْبُوْنَ، وَالمُفَارِقُونَ لَهُم: هُمُ الضَّالُّوْن. ﴿ فَرِيقًا هَدَى وفَرِيقا حَقَّ عَلَيْهِم الضَّلاَلَة؛ إنَّهُم اتَّخَذوا الشياطِين أوْلِياء مِن دُون اللّه ويَحْسَبُون أنَّهم مُّهْتَدُون ﴾.
مَنْ لَمْ يُحْسِن التَّقْدِيْر وَقَعَ فِيْ المَحَاذِيْرِ وَالمَحَاظِيْر. فالاسْتِخْفَافُ يَقُوْدُ لِلتَّهَاوُنِ والتَّأخِيْر، وَيُوْصِلُ إلَى الإهمَالِ وَالتَّنْكِيْر، مُرُوْرًا بالغَفْلَةِ والتَّقْصِيْر.
مِنَ الخُطُوَاتِ الشَّيْطَانِيَّة: البِنَاءُ عَلَى الإِدْرَاكِ لِتَقْدِيْرِ المُعَظَّمَاتِ الشَّرْعِيَّة. فقال ربُّ العالَمِين: ﴿يا أيُّها الذِين آمَنُوا ادخُلُوا فِي السِّلْمِ كآفَّةً ولا تَتَّبِعوا خُطُوات الشيطان؛ إنَّه لَكُم عَدُوٌّ مُّبِين﴾.
أَدْنَى تَبِعَاتِ الاسْتِخْفاف بِحُقُوْق الرَّحمَن: الخَلَلُ والنِّسْيان، وأَوْسَطها الضَّياع والحِرْمان، وأَعْلاها العَذَاب والخُسْران. ﴿ حتَّى إذا جاءتهم السّاعةُ بَغْتَةً قالوا يا حَسْرَتَنا على ما فَرَّطْنا فيها، وهُم يَحْمِلون أوْزارَهم على ظُهُورهم ألا ساء ما يَزِرُون ﴾.
مَنْ لَمْ يَلْتَزِمْ شَرِيْعَةَ اللهِ تَعَالَى فِي التَّعَامُلِ وَالتَّعَرُّف، فَلَيْسَ لَهُ قَدَمٌ فِي التَّصَوُّف. ﴿ وَمَن يَعْصِ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ ﴾[النساء:14].
المَكَانُ: هُوَ مَوْضِعٌ يَحْوِي الجَواهِرَ والأَجْسَامَ، سَوَاء الكُلِّيٌّ الحَاوِي لِلْعَالَمِ، أَوَ الجُزْئِيٌّ الحَاوِي لِلأَنَامِ. فالمكانُ كائِن مَحْدُود، ويَنْتَهِي بحَدّه الكَوْنُ المَوجود؛ ﴿قُل لو كان مَعه آلِهةٌ كَما يقولون إذا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْش سَبيلا﴾.

لَيْسَ بَعْدَ هَذَا العَالَمِ شَيْءٌ كَائِنٌ، وَالإِلَهُ عَنْ مَدَارِكِ الأَبْصَارِ بَائِنٌ. فِي القُرْآنِ الكَرِيْم: ﴿ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾[طه:50].
لا عَجَبَ مِنْ عِصْيَانِ العَاصِي المُخْتَار ( الَّذِي يَتَقَرَّب إِلَى المَعْصِيَةِ بالأَعْمَالِ والأَفْكَار ). إنَّمَا العَجَب مِنْ إعْراض العاصِي عَن الله الغَفَّار! فَلا هُو يَتُوْبُ إليْه كالشُّطَّار، ولا يَسْتَغِيْث به للتَّحَلُّل مِن الإصْرَار.
لا عَجَبَ مِنَ العِصْيَان بِفِعْلِ المُنْكَرَاتِ؛ فَأَسْبَابُهُ الافْتِتَانُ بِالزِّيْنَةِ وَالشَّهَوَاتِ! إنَّمَا العَجَب مِن العِصْيَان بِتَرْكِ الطَّاعَات؛ فلا سَبَبَ لَهُ إلا التَّهَاوُن بِقَدْرِها والخُضُوْع للوَسْوَسَات.
بِئْسَمَا خَلَفَ العَرَبُ وَالمُؤمِنُوْنَ السَّلَفَ فِي المُرُوْءَةِ وَالْدِّيْن؛ فَقَدْ تَخَلُّوا عَنِ القُدْسِ وَأَهْلِ فِلسْطِيْن! اللهم إنَّ الأنْذَالَ اسْتَضْعَفُوا الفلسْطينيين وشارَكوا في قتلهم، فَلا تُشْمِتْ بِهم الأعْدَاء وَلا تَجْعَلهم مَعَ القَوْم الظَّالِمِين.
إِذَا أَرَدْتَ أَنْ يَكُوْنَ اللهُ تَعَالَى مَعَك! فَاسْتَقِمْ كَمَا أَمَرَك، وَاتَّقِ مَا فَتَنَك. ﴿ فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ، وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ .. ﴾[الشورى:15].
مَن بَنَى عَلَى أَحْوَالِهِ القَاصِرَةِ فِي تَقْرِيْرِ أَحْكَامِ الدِّيْنِ، فَهُوَ مِنَ المُفْتَرِيْن. ﴿ فَمَن أظْلَمُ مِمَّن افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النّاسَ بِغَيْرِ عِلْم؛ إنّ اللّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِين ﴾.
عُلُوْمُ وكَرَامَات الأَوْلِياء الصَّالحِيْن: فَتْحٌ مِن لَدُنْ رَبّ العالَمِيْن، لا تَتَعَدَّى _ عَلى التَّحْقِيْقِ _ حُدُودَ الدِّيْن. وشُؤون الأولياء الصالحين: تَبَعٌ للأنبياء والمُرسلين، فسَواء كانت مُشابهة أو مُغايِرة لِشُؤونهم فإنَّها لا تَقتضي تعدِّيهم حُدود التابعين. ﴿ قَالَ لَهُ مُوسَى } أي للخِضر قُدِّس سِرُّه: { هَل أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْدا ﴾؛ إِذْ لم يُحِطْ به خُبْرا. و ﴿ قال } سَيّدنا سُلَيمان عليه السلام { هذا } التمكين لتابعي دُوْنِي، فأَتى بعَرْش بلقِيْس { مِن فَضْل رَبِّي ﴾ على عِباده المُقَرَّبِين.
أَيُّهَا السَّالِكُ! السُّنَّةُ: أَنْ تُحْفَظَ مَا حَفِظتَ شُؤُوْنَكَ ( عِلْمَك وَعَمَلَك وأَحْوَالَك ). فِي الخَبَرِ: « احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ »[المُسْتَدْرَك].

الْسَّالِكُ إِلَى عَلَّامِ الغُيُوْبِ: يَعْزِمَ عَلَى حِفْظِ المَطْلُوْبِ، وَمُجَاهَدَةِ الْخُطُوْبِ، وَالاتِّقَاءِ بِالْمَحْبُوْبِ.
يُحْفَظُ الْعِلْمُ بِالْفِكْرِ، وَالاسْتِقَامَةُ بِالْذِّكْرِ، وَالْزِّيَادَةُ بِالْشُّكْرِ.
مَعَارِفُ الأَوْلِيَاءِ الصَّالِحِيْنَ: عُيُوْنٌ مِنْ مِشْكَاةِ أَنْهَارِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِيْنَ عَلَيْهمُ السَّلام. تَسْقِي المُؤْمِنِيْنَ، وَتُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِيْنٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا الْعَلَّام. ﴿ وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِّنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاء وَاحِدٍ .. وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾[الرعد:4].
الإحَاطَة بالتَّصْنِيْفاتِ العِلْمِيَّة لِمَسائِل الشَّرْع: فَضْلٌ مَنْدُوْب، فلا بَأْس عَلى الجَاهِل بها مَا دَامَ قائمًا على المَطلُوْب.
المَطْلُوْبُ: إِدْرَاكُ مَا لا بُدَّ مِنْهُ فِي الطَّاعَةِ وَالاسْتِقَامَةِ للهِ عَلامِ الغُيُوْبِ.
الشَّرَائِعُ الوَضْعِيَّةُ تَقُوْمُ عَلَى الأَهْوَاءِ النَّفْسِيَّةِ؛ فَأصْحَابُهَا لا يُحِيْطُوْنَ بِشُؤوْنِ وَمَصَالِحِ البَرِيَّةِ. وَمِنْ ثُمَّ، نَبَّهَ اللهُ تَعَالَى عَلَى خَاصِّيَّةِ شَرَائِعِهِ بِالْعِلْمِ وَالخِبْرَةِ الإِلَهِيَّةِ. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ اتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ؛ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾[الأحزاب:2]. ﴿ قُلْ إنَّمَا أَتَّبِعُ ما يِوحَى إلَيَّ مِن رَّبِّي؛ هَذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُم، وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُون ﴾[الأعراف:203].
مَن بَنَى الاتِّبَاعَ عَلَى إدْرَاكِ الخَوَارِقِ وَالأَهْوَاءِ النَّفْسِيَّة فَقَدْ غَرَّهُ الْغَرُوْر. وَيُوْشِكُ المُغْتَرُّ بِمَتَاعِ الدُّنْيَا أَنْ يُخْتَم عَلَى قَلْبِهِ أَوْ يُوَاجِهَ الفِتَنَ وَرَيْبَ المَنُوْن. وقَد قال اللهُ تَعالى: ﴿ وَمَن يُسْلِم وَجْهَه إلى اللَّه وهو مُحْسِنٌ فَقَد اسْتَمْسَك بالعُرْوَة الوُثْقَى وإلى اللَّه عاقِبَةُ الأُمور ﴾. ﴿ بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّه وهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُه عِندَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُون ﴾[البقرة:112].
الأَخْلاقُ الصَّالِحَةُ المُتَعَلِّقَةُ بالأَحْدَاثِ مَطْلُوْبَةٌ شَرْعًا فِي تَكْلِيْفِ الأُمَم. فَلا مِنَّةَ لِلعِبَادِ عَلَى رَبِّهِم فِي التَّخَلُّقِ بِالصَّالِحَاتِ فِيْ مُقَابَلَةِ المَصَائِبِ وَالنِّعَم.

آفَّةُ الأُخُوَّةِ الصَّالِحَةِ بَيْنَ المُؤْمِنِيْن: الإِنْصَاتُ لِلْخَبَرِ الفَاسِقِ، وَسُوْءُ الْظَّنِّ بِالآخَرِيْن. وَأَفْسَقُ المُخْبِرِيْن: نُفُوْسُ الآدَمِيِّين، وَأَسْوأ الظُّنُوْن: الظُّنُوْنُ المُنْكَرَة بالعَامِلِيْن وَالعُلَمَاءِ والصَّالِحِيْن. قال رب العالمين: ﴿ يا أيُّها الذِين آمَنوا إن جاءكُم فاسِق بِنَبأ فَتَبيَّنوا؛ أن تُصِيبوا قَوما بجَهالَة فَتُصبحوا على ما فَعلتم نادِمين ﴾. ﴿ يا أيُّها الذِين آمَنوا اجْتَنِبوا كَثِيرا مِن الظَّن؛ إنّ بَعْض الظَّنّ إثْمٌ .. ﴾[الحجرات:12]، فاتَّقُوا اللَّهَ وكونوا من الطائعين.
خَصَّ اللهُ تعالى هذه الأُمَّة بِحِفظ الْذِّكْر، فحَفِظ الوَحي، ولا تَزال طائفةٌ منها ظاهرين على بيانِه الحَقّ رغم ما يُحدِثه المُفْسِدون. ذَلِكَ فِي تَأْوِيْلِ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴾[الحِجْر:9].
مِن الأَهْواء المُتَّبَعَة في دَعاوَى المُبتَدِعِيْن: تَعَدِّي حُدُوْدَ الشَّرْع بما يَقُوْم في نُفوسهم من أحْوال تُجَاه أَحْكام الدِّيْن. ومِمَّا أحْدَثُوه لِذَلِك وأَلبَسُوْه عَلى المُؤمِنِين: إنْكارُ التَّوَسُّلِ بالصّالحِين، والعَمَلِ بِما لَم يُرْوَ فِعلُه عَن الأوَّلِين. فَادَّعُوا أَنَّ الوَسَائِلَ وَسَائِطٌ لا يَحْتَاجهَا رَبُّ العَالَمِيْنَ، وَأنَّ العَمَلَ لَو كَانَ خَيْرًا لَوَقَعَ مِنَ السَّابِقِيْنَ! والحَقّ: أنّ الوَسائط: مَشرُوعة في الأعْيان والأعْمال إظْهارا لِفَضْلها المَكِيْن، سَواءٌ في الدُّنيا والآخِرة واختلاف أحوال المَعْنيِّين. فِي الآيَةِ: ﴿ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ .. ﴾[الإسراء:57]؛ عَسَى أَنْ يَكُوْنُوا مِنَ المُفْلِحِيْنَ. وأنَّ عَدَم الفِعْلِ: لا يَنْسَخُ مَشْرُوْعاتِ الدِّيْن؛ فالمُحْدَثاتُ الضَّالَّة: مَا لَيْس لها مُسْتَنَد مَحمُوْد في الشَّرْع المُبِيْن.
مِمَّا أَحْدَثَهُ المُبْتَدِعَةُ بِنَاءً عَلَى أَهْوَائِهِم المُتَّبَعَة وَأَلبَسُوْه عَلَى المُؤْمِنِيْن: تَشْبِيْهُ رَبِّ العَالَميْنَ. فأَثبَتوا المُساواة بيْن الخالِق والخَلْق في أحكام المَاهِيَّة، وزَعموا أن قولهم بلا تَشبِيه .. الخ يَحفظ النّزاهة عن المُشابَهة الكَونية! والحَقُّ: أنّ التَّشْبِيْهَ .. الخ المُنْكَرات فِي الدِّيْن، تَثْبُت بنَفْس تَعلِيق أحكام الخَلْق بالخَالِق لا بِاعْتِبَارات المُثْبِتِين. فمَنْ أثْبَت لله تعالى أَحْكامَ الكائِنات (كالحُدُود والغَايات والأَرْكان والأَعْضَاء والأَدَوات والجِهَات)؛ فَقَد شَبَّهه بالمُبْتَدَعات. قال اللهُ القَدِير: ﴿ فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ .. لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ﴾[الشورى:11]. ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ، وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ﴾[الأنعام:103].
حَقُّ اللهِ تَعَالَى عَلَى الْعَابِدِيْنَ: حِفْظُ أَحْكَامِ الْعِبَادَةِ المُقَرَّرَةِ فِي الدِّيْن. ولِلْعِبَادَاتِ أَحْكَامٌ خُلُقِيَّةٌ سُلُوْكِيَّة، وَأُخْرَى خَلْقِيُّة فِقْهِيَّة! تُمَثِّلُ جَنَاحَي الْعِبَادَةِ الدِّيْنِيَّة. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ .. ﴾[البينة:5]. و ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ: أُوْلَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ ﴾[البينة:7].
آفَّةُ النَّظَرِ فِي الإلَهِيَّة: الإصْرارُ عَلَى العِلْم بالمَاهِيَّة، فَضْلا عَن تَقْيِيْدِهِ بمُسَاوَاة مَاهِيَّةِ البَرِيَّة. وَقَدْ كَفَى اللهُ تَعَالَى النَّاظِرِيْنَ وبَيَّنَ أنَّ مُنْتَهَى الْعُلُوْم الْكَوْنِيَّة: الْهِدَايَة لإِثْبَات الإِلَهِيَّة. فَقَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلا: أنَّه ﴿ الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ، ثُمَّ هَدَى ﴾[طه:50]. فَمَنْ أَسْلَمَ لِلعَجْزِ عَن إِدْرَاك المَاهِيَّةِ الإلَهِيَّةِ نَجَا، وَمَنْ أَصَرَّ عَلَى الإِدْرَاك فَقَدْ ضَلَّ وَغَوَى.
مِن تَخْرِيْص المُتَطَفِّلِين على عُلُوم الإلهِيَّة: اعتِقادُ أنّ اختِلاف “المُضاف إلَيه” يَنْفي التّساوي في أحكام المُضافات المَعْنِيَّة! فيَعتَقِد عالِمُهم: أنّ الصفات الكَوْنية (كالحُدُود والغايات والأَرْكان والأَعْضاء والأَدَوات والجِهات) مُحْدَثة بِاعتبار إضافتها للبرِية! والْحَقُّ: أَنَّ “اخْتِلاف النَّوْع” يَنْفِي المُسَاوَاة في المَظَاهِر المَرْئِيَّة، بَيْنَما يُثْبِتُهَا فِي “أَحْكَامِ الْمَاهِيَّة”. وَأَنَّ أَحْكَامَ الحُدُوْثِ فِي “الصِّفَاتِ الْكَوْنِيَّة” ثَابِتَةٌ بِاعْتِبَارِ مَاهِيَّتِهَا قَبْلَ مَظَاهِرِهَا الإضَافِيَّة. فمَن أَثْبَت لله تعالى “صِفَة كَوْنِيَّة” فَقَد شَبَّهَه بالبَرِيَّة، ولا يُنْجِيه جهلُه بالحق ولا تقليدُه لمَشايخ التطفّل على الإلَهِيّة. فَيَا أيُّها الذِينَ آمَنُوا ﴿ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم ﴾ مَشَايِخُ التَّطَفُّل ﴿ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّهِ ما لاَ تَعْلَمُون ﴾[البقرة:169]. فَاتَّقُوا اللَّهَ ﴿ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ ﴾[الأنفال:21]. ﴿ وَلا تَكُونُوا كالَّذِين تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا مِن بَعْد ما جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ؛ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيم ﴾[آل عمران:105].
عَجِبْتُ لِمَن أدْرَكَ خُضُوْعَهُ لِجَرَيَانِ الْقَدَرِ ومَجِيْئِ الأَجَل، ثُمَّ تَلَهَّى بِالأَمَل! يُوْشِكُ اللاَهُوْنَ أَنْ يُصِيْبهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَيَحِيْقُ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤُونَ.
الجِهَادُ فِي سَبِيْل اللهِ تَعَالَى: هُوَ اسْتِعْمَالُ الْقُوَّة عَلَى الْبَاغِيْنَ والأَعْدَاءِ، لاجْتِثَاثِ الخَبَثِ وَالخُبَثَاء. فَالجِهَادُ مَشْرُوْعٌ لإِزَالَةِ خَبَثِ البَلاء! وَشَأْنُهُ: شَأْنُ الوَسَائِلِ الطِّبِّيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِخَبَثِ الْدَّاءِ. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ وقاتِلُوا فِي سَبِيل اللّه الَّذِين يُقَاتِلُونَكُم ولاَ تَعْتَدُوا؛ إنَّ اللّهَ لاَ يُحِبّ المُعْتَدِين ﴾[البقرة:190]. ﴿ وَقَاتِلُوهُم حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّه، فَإنِ انتَهَوا فَلاَ عُدْوَانَ إِلا عَلَى الظَّالِمِين ﴾[البقرة:193].
الخُلُوْد إلى الأرْض هَوَى، واللهُ تَعالى يقُول: ﴿ فأمّا مَن طَغَى * وآثَرَ الحياة الدُّنيا * فإنّ الجَحِيمَ هي المأوَى ﴾[النازعات:37-39]. ومِنْ ثمّ، حَذَّرَ العِبادَ بِقَوله: ﴿ .. وَلا تَطْغَوا فِيْه فَيَحِلَّ عَلَيْكُم غَضَبي وَمَن يَحْلِلْ عَلَيه غَضَبي فَقَدْ هَوَى ﴾[طه:81].
أَلَمْ يَأْنِ لأَهْلِ الاخْتِبَارِ الاعْتِبَارُ؟ وَلَقَدْ قَالَ اللهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ: ﴿ .. فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾[الحشر:2].
الاخْتِبَارُ دَعْوَةٌ لِتَصْحِيْحِ المَسَارِ بالاعْتِبَار.
عَدَمُ الاعْتِبَارِ مِنَ الإصْرَارِ وَالاسْتِكْبَار.
تُرِكَ ” الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ” عَلَى مَمْسَكَيْنِ فِيْ الأَنَامِ: اسْتِنْبَاطُ الأَحْكَام، وَذِكْرُ اللهِ الْعَلَّام. وَلا يَحِقُّ اسْتِخْرَاجُ الأَحْكَامِ وَاسْتِنْتَاجُهَا إِلا لِلْمُجْتَهِدِيْنَ الْمُطْلَقِيْنَ أَوْ الْمُقَيَّدِيْنَ. وَحَظُّ عَامَّةِ المُسْلِمِيْن: الذِّكْرُ المُبِيْن، وَهُوَ حَدُّ العَوَام (الذِين لم يَحْظُوْا بدَرَجَة المُجْتَهِدِيْن الشَّرْعِيِّيِن). فَاتِّبَاعُ سُنَّةِ الدِّيْن: إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بالاقْتِدَاءِ بالعُلَمَاءِ المُهْتَدِيْن، وَعَلَى رَأْسِهم الأئِمَّةُ الرَّاشِدِيْن. فَتَقْيِيْدُ “الاقْتِداء” بالأئِمَّة الصّالِحِين هُوَ مَعْنَى خَبَر « عَلَيْكُم بِسُنَّتِي وسُنَّة الخُلَفاء الرَّاشِدِين المَهْدِيِّين ». وهو مَعْنَى “الاتِّبَاع” فِي الآيَة: ﴿ قُل إنْ كُنتُم تُحِبُّون اللّهَ فاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُم اللّه ﴾[آل عمران:31] رَبُّ العَالَمِيْن. فمَنْ اغْتَرَّ بِعِلْمِهِ وفَهْمِهِ مِنَ العَوَامِّ فَتَطَفَّلَ عَلَى دَرَجَةِ المُتَّبَعِيْنَ: كَانَ مِنَ المُبْتَدِعَةِ الظَّالِمِيْن. وَفي تَتِمَّة الخَبَر: « إيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُوْر » أَيْ: في الْدِّيْن، وَهيَ: الأَحْدَاثُ التِي لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَدٌ مُبِيْن. قَال صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآلِه وسَلَّم: « فَإنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلالَة »، ولا أَضَل مِن اسْتِنْباط القاصِرِيْن، فَضْلا عَنِ الجاهِلِيْن. قال اللهُ تَعالى: ﴿ بَل اتَّبَع الذِيْن ظَلَموا أهْواءهُم بِغَير عِلْم، فَمَن يَهْدِي مَن أَضَلَّ اللَّهُ وما لَهُم من ناصِرِين ﴾[الروم:29].
تَيْسِيْر “ذِكْرِ الوَحْي” عَلَى نَوْعَيْن: الذِّكْر، فَيُدْرِكه عامَّة المُخَاطَبِين. والاسْتِنْباط، وهُو خاصٌّ بالعُلَماء المُجْتهِدِين. والْذِّكْرُ الْعَامّ يَنْحَصِرُ بِالبَيِّنِ مِنَ الأَحْكام، دُوْنَ مَا يَحْتَاج إِلَى مُقَدِّمَات تَقُوْمُ بِالمُسْتَنْبِطِيْنَ الأَعْلام. لِذَلِكَ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الْذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ﴾[النحل:43/الأنبياء:7]. وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾[النساء:83]. وَكَانَ مِنَ الْبَلاءِ: أَنَّ « اللهَ تَعَالَى .. يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ »[متفق عليه]. وقال سيِّدُنا رسول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « مَن أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْر عِلْمٍ كَانَ إثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاه »[المستدرك].
عِبادَ الله! قَد أظَلَّكم أيَّامُ عَشْر ذِي الحِجّة المُعَظَّمة، التي أقسم الله تعالى بها فَقَال ﴿ ولَيَالٍ عَشْر ﴾؛ إظْهارًا للمَكْرُمَة. قَد جُمِع فيها أُمَّهاتُ عِبادة الرحمن: الصلاة والنَّفَقة والصوم والحَج والفِداء، والمَعرُوف والذِّكْر والدُّعاء، كَما يُجَدَّد الإيْمَان. فَأَقْبِلُوْا عَلَى رَبِّكُم وَتَقَرَّبُوا إِليْه بالْحَسَناتِ؛ وَذَلِكَ قَوْلُه: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾. وفي صَحِيح الخَبَر: « مَا مِنْ أَيَّامٍ العَمَلُ الصّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِن هَذِهِ الأيَّامِ الْعَشْر »[الترمذي، أبو داود].
إنَّ خَيْرَ مَا يَتَقَرَّب به العَبْدُ في مَواسم الإفْضَال: الاسْتِقامة الدِّيْنِيَّة، بتَصْحِيح الاتِّباع والتِزَام الحُدُوْد الشرْعيَّة.
وإنَّهُ لَمِنَ المُؤْسِفِ! أنْ يَكُوْن بَيْنَ المُسْلِمِيْن جُهَّال، قَدْ دَنَت مَرَاتِبُهُم العِلْمِيَّة عَن أَهْلِ الجَاهِلِيَّة! فلا زال المُشْرِكُوْن المَفْتُوْنُون يَتَّهمُون الحَقَّ وأَهْلَه بالبِدْعَةِ والضَّلال؛ لِصَدِّ النَّاس عَن الهِدايَة الرُّشْدِيَّة. والعُقلاءُ يَتَنَزَّهُون عَن تَقلِيْدِهم أو التَّأثُّر بالأَحْوال، فَتَجَرَّدوا للحَقِّ حَتى اهْتدوا وبَاتوا قُدْوَةً للأُمَّة الإسْلامية.
فالمُعْرِضُ عَن دَعْوَة الحَقِّ بَطَّال، وفي الآية: ﴿ إنّ شَرَّ الدَّوابّ عِندَ الله: الصُّمُّ البُكْم الذِين لا يَعْقِلُون ﴾[الأنفال:22]. ﴿ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ، وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ ﴾[يونس:100].
أَصْلُ الإِحْسَانِ: الإِجَادَةُ وَالإِتْقَان. وفِي الخَبَر: « الإِحْسَانُ: أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ ». فَالْمُحْسِنُ: الَّذِي يُجِيْدُ تَوَجُّهَهُ لِلْرَّحْمَن، بِإِتْقَانِ العِبَادَةِ وِفْقَ حُدُوْدِ الإِسْلامِ وَالإِيْمَان. وفِي خَبَرِ الإحْسَانِ دَلالةٌ عَلَى نَزَاهَة اللهِ تَعَالَى عَن البَصَائِرِ، فَلا يَبْلغُهُ الإدْراك.

الْنَّظَرُ نَوْعَان: نَظَرُ تَصْدِيْقٍ، وَنَظَرُ تَحْقِيْقٍ. فَنَظَرُ التَّصْدِيْقِ عَيْنِيٌّ، وَهُوَ: التَّفَكُّرُ فِي النَّاظِرِ طَلَبًا لاتِّبَاعِهِ الْمَشْكُوْر. وَنَظَرُ التَّحْقِيْقِ كِفَائِي، وَهُوَ: التَّفَكُّرُ فِي المَنْظُوْرِ طَلَبًا لِلْعِلْمِ أَوْ الظَّنِّ المَشْكُوْر. قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿ وَأَنزَلْنَا إلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون ﴾[النحل:44].
قُرْبَتُكَ مِنَ العِبَادَةِ: فِي الإِحْسَان، وَحَظُّكَ مِنْهَا: فِي الاطْمِئْنَان، وَالأَدَاءُ: طَاعَةٌ لِلْرَّحْمَن. ﴿ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء .. ﴾[البينة:5].
المُؤَدُّوْنَ لِلْعِبَادَة يَدْخُلُوْنَ الجِنَان، والمُطْمَئِنُّوْن فِيْها يَحْظَوْنَ بالرِّضْوَان، والمُحْسِنُون أَوْلِيَاءُ الرَّحْمَن. فِي الصَّحِيح: « كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ أَبَى .. مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى ».
الْكَشْفُ الْصَّالِحُ صَادِقٌ مُبِيْن، وَخَفَاءُ حُكْمِهِ عَلَى الْمَحْجُوْبِيْنَ مَجْبُوْرٌ بِسُؤَالِ الْعَارِفِيْن. فَمَنْ نَسَبَ لِلْكَشْفِ الصَّالِحِ وَارِدًا ارْتَضَاهُ لِظَنٍّ أَوْ هَوَى مهِيْن، فَقَدْ غَوَى وَضَلَّ عَنْ سَبِيْلِ الصَّالِحِيْنَ.
بَارَك اللهُ تَعالَى لَكُم في العِيْد، وتَقَبَّل مِنْكم العِبَادَات مُخْلَصَة بالتَّوْحِيْد، ووَفَّقَكم لإحْيائِه بالمَعْرُوْف السَّدِيْد. اللهُمَّ أنت أرحم الراحمِين! وَسِّع بَرَكة عِيْدنا على كافّة المُسلِمين، فكَثِّر المُخْلِصِين والمُحسنين، وامْنُن علينا بالفَرَج المُبِين.
الْتَّصَوُّفُ كَسْبًا: هَجْرُ الأَكْوَانِ فِيْ سَبِيْلِ الْرَّحْمَن. الْتَّصَوُّفُ وَهْبًا: صَفَاءُ الْعَبْدِ فِي وِلايَةِ الْرَّحْمَن.
الْمُتَصَوِّفُ: طَائِرُ الإِحْسَان، يُحَلِّقُ بِجَنَاحَي التَّحْلِيَةِ وَالتَّخْلِيَةِ مُهَاجِرًا إِلَى الْرَّحْمَن.
الْمُتَصَوِّفُ: غَرِيْبُ الأَكْوَان؛ لا يَزَالُ يَعْبُرهَا بِإِحْسَانٍ، حَتَّى يُصَفِّيْهِ الرَّحْمَنُ.
العُقَلاءُ ضَرْبَان: عُقَلاءٌ أَحْرَارٌ أَبْرَار؛ لا يُقَيِّدهم تَقْلِيْدٌ أو يَفْتِنَهم ظَنٌّ وهَوَى، فَأُوْلَئِكَ أُوْلُوْا الأَنْظَار . وَعُقَلاءٌ أَسْرَى أَشْرَار؛ مُقَيَّدُوْنَ بِالْتَّقْلِيْدِ، مُنْقَادُوْنَ لِلْظُّنُوْنِ وَالأَهْوَاءِ، فَلا يُقَامُ لَهُم اعْتِبَار.
الْتَّقْلِيْدُ نَوْعَان: تَقْلِيْدٌ مَحْمُوْدٌ، وَتَقْلِيْدٌ مَرْدُوْدٌ. فالتَّقْلِيْدُ الْمَحْمُوْد: هُوَ اتِّبَاعُ العَالِمِ وَالأَعْلَمِ بِنَظَرِ التَّحْقِيْق. والتَّقْلِيْدُ المَرْدُوْدُ: هُوَ الاتِّبَاعُ دُوْنَ نَظَرِ التَّصْدِيْق، والتَّأسِّي بِغَيْرِ نَاظِر التَّحْقِيْق. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُم ﴾[محمد:14].
كَمْ تَمَنَّى الرَّائِي أَنْ يَخْتارَ فِيْ رُؤْيَاهُ الصَّادِقَةِ مَا يَعُوْدُ عَلَيْه بالمَصْلَحَة بَعْدَ الاسْتِيْقَاظِ مِنَ النَّوْم.
يَا بُنَيَّ! كَذلِك هِي الدُّنْيَا بالنِّسْبَةِ لِليَوْم الآخِر: رُؤْيَا صَادِقَة، غَيْر أَنَّك تَخْتَار فِيْها عَوَائِدَ ذَلِكَ اليَوْم.
يَا بُنَيَّ! سَوْفَ تَسْتَيْقِظ مِنَ الدُّنْيَا فِي يَوْمِ الْدِّيْنِ لِتَجِدَ نَفْسَكَ بِمَا كَسبْت رَهِيْن.
يَا بُنَيَّ! اغْتَنِمْ خِيَارَاتِك فِي اسْتِثْمَارِ الصَّالِحَات، وَلا يَغُرَّنَّكَ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا أَوْ الغَرُوْرُ بِعَمَلٍ مهِيْن. قال اللهُ تعالى: ﴿ كَمْ لَبِثْتُمْ في الأرْض عَدَدَ سِنِين؟ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوم فاسْألْ العادِّين ﴾[المؤمنون:112-113]! ﴿ قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلاً لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴾[المؤمنون:114].
الْتَّبْرِيْرُ عِلَّةٌ لِلْتَغْيِيْر. فَالْتَّبْرِيْرَاتُ الْتَّعَبُّدِيَّةِ مَزَلَّةٌ لِلْتَّقْصِيْرِ وَاقْتِرَافِ الْمُنْكَرَاتِ الْشَّرْعِيَّة.
اللهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ لِذَاتِهِ عَنْ مَدَارِكِ الأَبْصَار. فاعْتِقَادُ مَاهِيَّاتِ الْعَالَمِ بِاللهِ تَعَالَى فِسْقٌ وَإِكْفَار.
دَلِيْلُ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ لَيْسَ نَصَّ آيَةٍ أَوْ حَدِيْثٍ _ فَضْلاً عَنْ أَثِرٍ _ مُجَرَّد. إنَّما (دَلِيْلُ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّة): هُو نَاتِجُ النَّظَرِ فِي النُّصُوْص المَعْنِيَّة بِناءً عَلَى عِلْم الاسْتِنْباط المُحَدَّد.
الْمُسْتَدِلُّ بِألْفَاظِ الْكِتَابِ وَالْسُّنَّة خَارِجَ حُدُوْدِ الاسْتِنْبَاطِ: مُسْتَدِلٌّ بِالْظُّنُوْنِ وَالأَهْوَاء. فإنَّ لِمُعْظَم الألفاظ مَعانٍ مُتَعدِّدَة، فيُدْرِك دَلالَتَها بالتَّحقِيْق المُسْتَقِيمُون، بيْنما يتَتَبَّع المُتَشَابهَ الزَّائِغُوْن. فَلا يَغُرَّنَّكُم قَوْلُ الزَّائِغ “الدَّلِيْلُ: هُوَ نَصَّ كَذَا مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّة”؛ فَذَلِكَ مَحْضُ ادِّعَاءٍ وَافْتِرَاء. ﴿ فَأَمَّا الذِيْن في قُلُوبِهِم زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون ما تَشَابَه مِنْهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَة وابْتِغاء تَأْوِيلِه ﴾؛ أَي: لِمَا يَهْوُوْن.
اجْتِنَابُ المُنْكَرَاتِ والْعِلاجُ مِنْهَا أَمْرَانِ مُخْتَلِفَانِ فِيْ تَزْكِيَةِ الْنُّفُوْس. فَاجْتِنَابُهَا يَقُوْمُ عَلَى دَفْعِهَا دُوْنَ أَحْكَامِهَا الْمُسْتَقِرَّةِ، فَيَسْهُلُ طَلَبُهَا فِي الْنُّفُوْسِ. وَالْعِلاجُ مِنْهَا يَقُوْمُ عَلَى نَسْخِ أَحْكَامِهَا، فَيَشقُّ طَلَبُهَا عَلَى الْنُّفُوْسِ. وَيَحْصَلُ الْعِلاجُ بِمُبَاشَرَةِ الْمَظَانِّ وِفْقَ أَحْكَامٍ مُجَرَّدَةٍ عَنِ حُدُوْدِ الْمُنْكَرَاتِ الْمُسْتَقِرَّةِ بِالْنُّفُوْسِ. قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿ قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا ﴾[الشمس:9]! وَتَزْكِيَتُهَا بِالْعِلاجِ الْمُبِيْن. ومِن ذَلك: ﴿ .. وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رأَى بُرْهانَ رَبِّه، كَذَلك لِنَصْرِف عَنْه السُّوءَ والفَحْشاء؛ إنَّه مِن عِبادنا المُخْلَصِين ﴾.
لا يَزَالُ الشَّيْطَانُ يغْوِي الْمَرْءَ بالمَفْسَدَة حَتى يَنْزَلِق. ثُمَّ يُرَوِّضهُ بالذَّبْذَبَةِ حَتَّى يُلْبِسَ عَلَيْهِ الإِيْحَاءَ فِيْ طَلَبِهَا بالْحَالِ المُفْتَرِق. ثُمَّ يَعْمَد لإِرْضَائِهِ بِهَا حَتَّى إِذَا تَبَنَّى إِرَادَتَهَا عَلِقَ. ثُمَّ يَحْفَظُ لَهُ زِيْنَتَهَا وَيَحْجِب عَنْهُ الذِّكْرَ حَتَّى يَحْتَرِق.
أمان المَغْوِيِّيْن: في حِفْظِ إِنْكَار ما كَسَبَت أياديهم، والإصْرارِ عَلى التَّوْبَة (بِدَوَام الاجتهاد والاسْتِغَاثة) مِمَّا يَجْنُوْن. قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ ومَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُم وأَنتَ فِيهِم، ومَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُم وَهُمْ يَسْتَغْفِرُون ﴾[الأنفال:33].
تَأْوِيْلُ أَلْفَاظِ الخِطَابِ بِالصِّفَاتِ القُدْسِيَّةِ مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ مُبِيْن. وإنَّما تُؤَوَّل بِما يُتَوَصَّل إلَيْه مِن المَعاني الصَّحِيْحَة المُوافِقَة للسِّياق والتَّقْرِيْر الشَّرْعِيّ المَشْهُود لِلعَالِمِيْن. وَإِنَّ مَآلَ مَعَانِي الْمَاهِيَّاتِ الْكَوْنِيَّة مُمْتَنِعٌ ( عَلَى سَبِيْلِ الْنَّهْيِ وَالاسْتِحَالَةِ ) فِيْ الْدِّيْنِ. فَمَآلُ نَحْوِ ” الاسْتِوَاءِ عَلَى العَرْشِ ” في سِيَاق إتْمَام الخَلْق: إلى إِمْضَاءِ الأَحْكَام وجَرَيَان أَقْدَارِ العَالَمِيْن. وذلك ظاهِرٌ في الآية المَخْتُومة بقول الله تعالى: ﴿ يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ لَعَلَّكُم بِلِقاء رَبِّكُم تُوقِنُون ﴾[الرعد:2]. وَمِنْ ثُمَّ قَالَ اللهُ تَعَالى: ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ؛ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ، وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُون ﴾[النحل:74].
كُلُّ بَيَانٍ لِمَعَانِي النُّصُوْصُ المُحْتَمِلَة: تَأْوِيْلٌ. فَمَا وَافَقَ أُصُوْلَ الْعِلْمِ: مَحْمُوْدٌ، وَمَا خَالَفَهَا: تَقَوُّلٌ عَلَى الْتَّنْزِيْل. وَالْمُؤَوِّلُ ( الْمُبَيِّن ): إِمَّا عَالِمٌ وَمُجْتَهِدٌ ( فَيُصِيْبُ أَوْ يُخْطِئُ عَلَى هُدَى )، وَهُوَ: المُتَّبعُ المُوَافِقُ. أَوْ مُتَطَفِّلٌ وَمُعْتَدٍ ( فَيُحَرِّفُ وَيَحْشُو عَلَى ضَلالٍ ) وَهُوَ: الْزَّائِغُ الْمُبْتَدِعُ الْفَاسِقُ.
لا عَجَبَ مِنْ أَنْ يُنْكِرَ بَيَانَ أَهْلِ الْحَقِّ _ فَضْلاً عَنْ أُصُوْلِهِم، وَلاسِيَّمَا فِي الإِلَهِيَّاتِ _ الْزَّائِغُوْن؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ، وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾[العنكبوت:43].
اتَّقُوْا الْمُسْتَغِلِّيْنَ لِلأَخْلاق: الَّذِيْنَ يُجَنِّدُوْنَ النَّاسَ لِأَهْوَائِهِم بِاسْمِ الْدِّيْنِ! أُوْلَئِكَ مَا لَهُم فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَق، وَهُمْ عَلَى أَقْدَامِ السَّامِرِيِّ وَالمُنَافِقِيْنَ.
الْطَّريْقَة الْسَّعْدِيَّة الْعَلِيَّة خُطْوَتَان: خُطْوَةٌ فِيْ الأَخْفَى، فَخُطْوَةٌ فِي السُّلْطَان. وَدُوْنَهُمَا وَبَيْنَهُمَا وَفِيْهِمَا تَدَرُّجٌ وَدَرَجَاتٌ فِي الإِحْسَان.
أَصْلُ الإِغْرَاءِ: فِتْنَةُ الْمَرْءِ بِالْشَّهَوَاتِ.
أَصْلُ الإِغْوَاءِ: فِتْنَةُ الْمَرْءِ بِالْمُفْسِدَاتِ.
تَعَدَّدَت طُرُقُ الْسُّلُوْكِ الصُّوْفِيَّةِ لِتَعَدُّدِ صِفَاتِ الأَوْلِيَاءِ وَالْسَّالِكِيْنَ. فَتَعَدُّدُ طُرُقِ الْتَّصَوُّفِ: تَعَدُّدٌ فِي أَنْوَاعِ الْعَمَلِ الْصَّالِحِ الْقَائِمِ عَلَى سَبَيْلِ الْمُؤْمِنِيْنَ الْمُبِيْن. وَالأَحْكَامُ الخَاصَّةُ في كُلِّ طَرِيْقَةٍ: لا يُرَادُ بهَا الطَّعْن بالغَيْرِ؛ فَلِكُلٍّ فِي طَرِيْقِهِ وَمَشْرَبِهِ حُكْمُ اليَّقِيْن. فَمَنْ جَعَلَ الاخْتِلافَ والْتَّنَوُّعَ سَبَبًا لِلْخِلافِ: فَهُوَ مِنَ الْمُفْتَرِيْن! أَوْ لِلْطَّعْنِ: فَمِنَ الْجَاهِلِيْنَ.
أَهْلُ الحَقِّ يَتَّبِعُوْنَ التَّنْزِيْلَ وِفْقَ صَحِيْحِ العُلُوْمِ الْغَرَّاء؛ لِلاسْتِقَامَةِ وَبَيَانِ الدِّيْنِ الحَنِيْف. وَالزَّائِغُوْنَ يَتَتَبَّعُوْنَ التَّنْزِيْلَ وِفْقَ الْظُّنُوْنِ وَالأَهْوَاءِ؛ لِلْدُّنْيَا، والْفِتْنَةِ وَالْتَّحْرِيْفِ.
مَشْرُوْعِيَّةُ الاجْتِهَادِ لا تَعْنِي التَّطَفُّلَ عَلَى الشَّرِيْعَة. فَلا يَصِحُّ أَنْ يَتَّخِذَ القَاصِرُوْنَ عَنْ رُتْبَةِ الاجْتِهَادِ مِنْ مَشْرُوْعِيَّتِهِ ذَرِيْعَة.
رَبَّنا إنَّك فَضَّلْت الآلَ الأَطْهَار، وإنَّ طائِفةً مِن أمَّتِنا تَتَقَرَّب بالمُنْكَرات في مُقَابَلة المُصِيْبة بالأسْبَاط الأَخْيَار! وقَالُوا: وَجَدْنا عَلَيْها آبَاءنا، واللهُ أَمَرنا بِها! ونَشْهَدُ أَنَّ اللهَ قد نَهَى عن اللَّطم والشَّقّ والدُّعَاء بِدَعوى الكُفَّار. وبالَّذِي أَمَرْتَ بِهِ أَوصَاهم أجْدَادِي (آلُ نَبِيِّكَ المُخْتَار): أَنِ اسْتَقِيْمُوا كَمَا أُمِرْتُم وَلا تَكُوْنُوا مِنَ الأَشْرَار. رَبِّ فَلا تُؤاخِذنا بِما يَفَعَله السُّفَهاء مِنّا؛ إنْ هِي إلاَّ فِتْنَتُك تُضِلُّ بِها مَن تَشاء وَتَهْدِي مَن تَشاء، وأَنتَ الغَفَّار.
الْغَفْلَةُ عَنِ الْشُّكْرِ مَزَلَّةٌ لِلإِسْرَافِ وَالْكُفْر. قال اللهُ تَعالى: ﴿ .. فلَمّا كَشَفْنا عَنه ضُرَّه مَرَّ كأَن لم يَدْعُنا إلى ضُرّ مَسَّه! كذَلِك زُيِّنَ للمُسْرِفِين ما كانوا يَعْملون ﴾. ﴿ .. ثُمَّ إذَا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِّنَّا قالَ إنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ! بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون ﴾. مِنْ ثمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ .. وَاشْكُرُوا لِلهِ إنْ كُنْتُم إيَّاهُ تَعْبُدُون ﴾[البقرة:172]، أَي: تُؤْمِنُوْنَ فَتَتَقَرَّبُوْن.
مُخَاطَبَةُ النَّاسِ عَلَى ثَلاثِ مَرَاتِب: الرُّشْدُ، وَالْعَقْلُ، وَالتَّمْيِيْز. وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي حِكْمَةِ الْمُخَاطِب: مُرَاعَاةُ أَحْوَالِ الْمُخَاطَبِيْن؛ نَفْعًا لَهُم، وَتَقْدِيرًا لِلعِلْم الْعَزِيْز.
قَوْلُ ” قُلْ ” فِي خِطَابِ الْدِّيْن لَهُ دَلَالَتَان: خَاصٌّةُ بِالْمُخَاطَب، وَعَامَّةٌ بالْمُكَلَّفِيْن. فَدَلالَةُ ” قُلْ ” الْخَاصُّةُ: تَكَلِيْفُ الْمُخَاطَب كَالرَّسُوْلِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ بِالْتَّبْلِيْغِ الْمُبِيْن. وَدَلالَةُ ” قُلْ ” العَامَّةُ: تَكَلِيْفُ كَافَّةِ الْمُكَلَّفِيْنَ بالْشَّهَادَةِ بِمَا تَعَلَّقَ الَّلفْظُ بِهِ مُؤْمِنِيْن. مِنْهُ: ﴿ قُلْ هَذِه سَبِيلِي أَدْعُو إلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحانَ اللهِ وَمَا أَنَا مِنَ المُشْرِكِين ﴾.
أَصْلُ الشُّكْرِ: الثَّنَاءُ عَلَى الإِحْسَان، وَهُوَ نَوْعَان: شُكْرُ تَقْدِيْرٍ، وَشُكْرُ امْتِنَان. شُكْرُ الْتَّقْدِيْرِ: هُوَ تَعْظِيْم الْمُحْسِنِ لإِحْسَانِهِ عَلَى وَجْهِ الْرِّضَا أَوْ الْجَزَاء. شُكْرُ الامْتِنَانِ: هُوَ الْثَّنَاءُ عَلَى الْمُحْسِنِ لإِحْسَانِهِ عَلَى وَجْهِ الاعْتِرَافِ وَالْوَلَاء. يَجْمَع وُجُوْهَ الشُّكْر آيَةُ: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُم إن شَكَرْتُم وَآمَنتُم؛ وَكَانَ اللهُ شَاكِرًا عَلِيْمًا ﴾[النساء:147].
الْتَّحَدُّثُ بِنِعْمَةِ الْرَّحْمَن: ذِكْرُ النِّعْمَةِ لِلْبَيَانِ، وَشُكْرُهَا فِيْ الْسِّرِّ وَالإِعْلان. وَشُكْرُ الْنِّعْمَةِ بِإِحْسَان: ذِكْرُهَا عَلَى وَجْهِ الْتَّعْظِيْم والْرِّضَا وَالامْتِنَانِ، وَحِفْظُهَا بِحُدُوْدِ الْرَّحْمَن.
الْفَرَائِضُ الْشَّرْعِيَّةُ لِلْمُتَصَوِّفِ بُنْيَان، وَقُرُبَاتُ الْنَّوَافِلِ رِيْشُ جَنَاحَي الْطَيَرَان.
لا يَزَالُ الْمُتَصَوِّفُ عَلَى الْعَهْدِ فِي الْقُرْبَان حَتَّى يُصَفِّيْهِ الْرَّحْمَن.
الإِرْهَابُ: هُوَ الْحَدَثُ الْبَاعِثُ لِلْخَوْفِ عَلَى الْمَصَالِح. فَالتَّخْوِيْفُ لِلإِفْسَادِ: إِرْهَابٌ مُنْكَرٌ، بَيْنَمَا الْتَّخْوِيْفُ لِدَرْءِ المَفَاسِدِ: عَمَلٌ صَالِحٌ.
تَوْحِيد المِلَّة الإسلامية: هو الإيمان أنَّ الإلَهَ (واجِبُ الوُجُوْد، المُؤَثِّر لِذَاتِه في العَالَم) هُو: اللهُ، الواحِدُ بالإلهِيَّة. فَوَاجِبُ الوُجُوْدِ: سَرْمَدِيُّ الْذَّاتِ وَالصِّفَاتِ القُدْسِيَّة، وَالمُؤَثِّر فِي العَالَمِ: مُسْتَحِقٌّ لِلعِبَادَة الشَّرْعِيَّة. وَقُدْسِيُّ الْذَّاتِ وَالْصِّفَاتِ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمِثْلِ وَالْشِّرْكِ وَالْعِلَّةِ وَالْكَفَاءَةِ وَالْقَدَر فِي الْمَاهِيَّة. وَمُسْتَحِقُّ الْعِبَادَةِ مُنَزَّهٌ عَنِ الْعَبَثِ وَالْسُّدَى فِي أَقْدَارِ وَمِصِيْرِ الْبَرِيَّة.
آفَّةُ الْمُؤْمِنِيْنَ فِي الاتِّبَاعِ الْحَنِيْفِ: الاسْتِحْسَانُ فِيْ الْعِلْمِ، وَطُوْلُ الأَمَلِ فِيْ الْتَّكَالِيْف. وقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ، وَلاَ تَطْغَوْا؛ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيْرٌ ﴾[هود:112].
الاسْتِحْسَانُ المُنْكَرُ فِي الْتَّنْزِيْلِ: هُوَ عَدُّ الشَّيْءِ حَسَنًا بِنَاءً عَلَى الأَهْوَاءِ وَخِلافًا لِلْدَّلِيْل. في الآية: ﴿ فإن لَم يَسْتَجِيبُوا لَكَ فاعْلَم أَنَّما يَتَّبِعُون أَهْواءهُم، ومَنْ أَضَلُّ مِمَّن اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْر هُدى مِن الله ﴾.
يَا بُنَيَّ! تَشْكُوْ عَدَمَ الْخُشُوْعِ، وَأَنْتَ تَتَوَجَّهُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِلا خُضُوْع؟!
إِنَّمَا يُتَوَسَّلُ لِلْخُشُوْعِ فِي الْعِبَادَةِ: بِمَعْرِفَةِ قَدْرِ الْتَّوَجُّهِ، وَوِقَايَةِ الْعِبَادَةِ مِنَ الْعَادَةِ.
أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بالاتِّبَاعِ وَارْتَضَاه، وَنَهَى عَنِ التَّتَبُّعِ وَأَقْصَاه. قال الله تَعالى: ﴿ إنْ كُنتُم تُحِبُّون اللهَ فاتَّبِعُوني ﴾، وقال: ﴿ فأَمّا الذِين في قُلُوبِهم زَيْغٌ فَيَتَّبِعُون ما تَشابَهَ مِنْه ﴾.
الاتِّبَاعُ اقْتِدَاءٌ مُقَيَّدٌ بِالاسْتِقَامَةِ عَلَى السَّبِيْلِ وِفْقَ مُقْتَضَى العِلْمِ الْمَصُوْن.
التَّتَبُّعُ: اقْتِدَاءٌ مُقَيَّدٌ بِمُتَابَعَةِ المُتَشَابِهَاتِ الْمُحْتَمِلَةِ لِمَا فِي النَّفْسِ مِنَ الأَهْوَاءِ وَالظُّنُوْن.
لَوْ كَانَ “أَهْلُ الْحَقِّ” يُعْرَفُوْنَ بِالْدَّعَاوَى وَالآرَاء! لَصَحَّ أَنْ يَكُوْنُوْا الْكَافَّةَ مِنْ أَتْقِيَاء وَأَشْقِيَاء.
إِنَّمَا يُعْرَفُ “أَهْلُ الْحَقِّ”: بِالاسْتِقَامَةِ عَلَى الْحَقِّ الَّذِي أَثْبَتَهُ الْشَّرْعُ وَبَيَّنَهُ الْعُلَمَاءُ الْفُضَلاء.
اسْتِعْمَالُ اللفْظِ لِلتَسْمِيَة: مِن الاصْطِلاح، وَيُرَاعَى فِيْهِ الدَّلالَةُ اللغَوِيَّةُ؛ رَغْمَ أَنَّهُ لا مُشَاح. وَاطِّرَادُ الدَّلالَة: يَتَحَقَّق بِالنَّظَرِ لِلْمَوْضُوْعِ الْمُطْلَقِ، لا الْمُقَيَّد بِوَجْهِ إفْسَادٍ أََوْ إِصْلاح. مِنْ ذَلِك: لَفْظُ “التَّتَبُّع”؛ فإنَّهُ مَوْضُوْعٌ عَلى الإطْلاقِ للدَّلالَة عَلَى اقْتِفَاء أَخَصُّ مِنَ الاتِّبَاع؛ كَما فِي الصِّحاح. فَكَانَ اسْتِعْمَالُ لَفْظِ “التَّتَبُّع” لِوَسْمِ شَأْنِ “اتِّبَاع الْزَّائِغِيْنَ”: نِعْمَ الاصْطِلاح.
عَجِبًا لناصِح الهَوَى! يَنْصَحُ بإحْسَان الظَّنِّ وتَسْلِيْم مَنْ ارْتَضَاهُ مِنَ المُخَطَّئِيْن، وهُوَ يُسِيْءُ الظَّنَّ بالمُؤاخِذِيْن! فَنَاصِحُ الهَوَى يَطْلُب تَأَوُّلَ النَّوَايا الصَّالِحَة لِتَبْرِئَة المُخَطَّئِيْن، وهُوَ يَظُنُّ نَوَايا السُّوْء فِي المُؤَاخِذِيْن!

الأَخْلاقُ: هِيَ الصِّفَاتُ الْنَّفْسِيَّةُ الْمُؤَثِّرَةُ فِي سُلُوْكِ وَتَصَرُّفَاتِ الْبَرِيَّة.

تَنْشَأُ الأَخْلاقُ بِالْفِطْرَةِ الْذَّاتِيَّة، وَتَتَطَوَّرُ بِالْهِبَةِ الإِلَهِيَّةِ وَالْطُّرُقِ الْكَسْبِيَّة.
تَتَطَوَّرُ الأَخْلاقُ بِالْتَّزْكِيَةِ وَالْتَّدْسِيَةِ، فَإِذَا اسْتَقَرَّت صَارَت طَبْعًا وَسَجِيَّة.
تَزْكِيَةُ الأَخْلاقُ: تَحْصَلُ فِي إِصْلاحِهَا، بِالتَّأَدُّبِ عَلَى المَحَاسِنِ المَرْعِيَّة.
تَدْسِيَةُ الأَخْلاقُ: تَحْصَلُ فِي إِفْسَادِهَا، بِالْتَّفَسُّقِ عَلَى الْمَسَاوِئِ الْدَّنِيَّة.
وذلك قول الله تعالى: ﴿ ونَفْسٍ وَما سَوَّاها * فأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاها * وَقَدْ خابَ مَن دَسَّاها ﴾.
الأَدَبُ: هُوَ الْمَحَاسِنُ الْمَرْعِيَّة فِي تَصَرُّفَاتِ الْبَرِيَّة، سَوَاءٌ الْظَّاهِرَة المُتَعَدِيَة أوْ البَاطِنَة النَّفْسِيَّة.
لا تُكتَسب الآداب العلِيَّة إلا بالتأدب على السادة الصوفية! ومن ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « أدَّبَني رَبِّي فأحْسَن تأدِيبي ».
دَوَاهِي الْمَوْتِ ثَابِتَةٌ فِي القُرْآن، فَلا يَسَعُ الْمُؤْمِن إنْكَارهَا فِيْ مُجْمَلِ الْبَيَان. فَفِي شِدَّةِ الْمَوْتِ: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾[العنكبوت:57]. ﴿ فَإِذَا جَاء الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ ﴾[الأحزاب:19]. وفي جَزاء القَبْر: ﴿ قِيلَ ادخُلِ الجَنَّة قال: يا لَيْت قَوْمِي يَعْلَمون * بِما غَفَر لِي رَبِّي وجَعلَنِي مِنَ المُكرَمِين ﴾[يس:26-27]. ﴿ والذِين قُتِلوا في سَبِيل الله فلَن يُضِلَّ أعْمالَهم * سيَهْديهم ويُصْلِحُ بالَهُم * ويُدخِلُهمُ الجَنَّةَ عَرَّفَها لهُم ﴾[محمد:4-6]. وفِي الْعَذاب: ﴿ النّارُ يُعْرَضُون عَلَيها غُدُوًّا وعَشِيّا ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أَدخِلوا آلَ فِرْعَون أَشَدَّ العَذَاب ﴾[غافر:46].
الْمُتَعَصِّبُ: هُوَ الْمُلْتَزِمُ بِالْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الْظَّنِّ وَالْهَوَى الْمهِيْن.
الْمُسْتَقِيْم: هُوَ الْمُلْتَزِمُ بِالْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى الْحُجَجِ وَالْبَرَاهِيْن.
يَا بُنَيَّ! تَشْكُوْ الْغَفْلَةَ فِي الْعِبَادَة، وَأَنْتَ تَقُوْمُ عَلَيْهَا بِلا عَزْمٍ أَوْ إِرَادَة؟!
إِنَّمَا يُتَوَسَّلُ لِلْذِّكْرِ فِي القُرُبَات: بِالْعَزْمِ عَلَى الإِرَادَةِ، وَحِفْظِ الْحُرُمَات.
أَصْلُ الْغَفْلَةِ: الْحَجْبُ عَنِ الْعِلْمِ بِالأَشْيَاءِ الْقَائِمَةِ فِي الْنَّفْسِ الْمَعْنِيَّة.
الْغَفْلَةُ نَوْعَان: فِطْرِيَّةٌ، وَكَسْبِيَّةٌ.
الغَفلة الفِطْريّة: حَجْب عن العِلْم القائم في المَحَلّ بالخِلْقة، فتَزول بالفُتوح الوَهبِية، منها: ﴿ وإن كنت من قَبْله لَمِن الغافِلين ﴾.
الْغَفْلَةُ الْكَسْبِيَّة: حَجْبٌ عَنَ الْعِلْمِ الْقَائِمِ فِي الْمَحَلِّ بِالْتَّفْرِيْطِ، فَتَزُوْلُ بِالْتَّزْكِيَة الْمَرْعِيَّة.
يَا بُنَيَّ، إِذَا نَاظَرْتَ فَاحْلِمْ، وَبَيِّنْ لِتُفْهِمَ وَتُلْزِم، لا لِتَهْزِمَ وَتُفْحِم، لاسِيَّما فِي مُنَاظَرَة الْمُسْلِم.
قالَ اللهُ تعالى: ﴿ ادْفَعْ بالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ ﴾[المؤمنون:96]، فَإذا نَاظَرْتَ فَارْحَمْ، واسْتَعْمِل جَوَامِعَ الْكَلِم.
لا بُدَّ مِنَ التَّمْيِيْزِ فِي خِطَابِ الإِلَهِيَّة: بَيْنَ الْنِّسْبَةِ الْنَّفْسِيَّة، وَالْنِّسْبَةِ الإِضَافِيَّة. فَالْنِّسْبَةُ الإِلَهِيَّةُ الْنَّفْسِيَّة: بَيَانٌ لِلْصِّفَةِ القُدْسِيَّة، وَهِي الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَالْصِّفَات الْعَلِيَّة. والْنِّسْبَة الإِلَهِيَّة الإِضَافِيَّة: بَيَانٌ لِلآثَار الْقُدْسِيَّة، وَهِي العِبَارَاتُ الْعَالَمِيَّة، كَالكَيْنُوْنَة وَالْمَعِيَّة. وَالْمَنْسُوْبَاتُ الإِلَهِيَّةُ الْنَّفْسِيَّة: صِفَاتٌ قُدْسِيَّة نَزِيْهَةٌ عَن الْمَاهِيَّة الْكَوْنِيَّة. وَالْمَنْسُوْبَاتُ الإِلَهِيَّة الإِضَافِيَّة: رُمُوْزٌ لِلْصِّفَات الْقُدْسِيَّة. قال الله تعالى: ﴿ لَيْس كَمِثْله شَيءٌ وهُو السَّمِيعُ البَصِير ﴾، وقال: ﴿ وهُو مَعَكُم أَيْن ما كُنتُم؛ واللهُ بِما تَعْمَلُون بَصِيْر ﴾.
لو أخَذْنا بالاعتبار ما يَتمسك به الزائغون مما يُنْسَب للأئمة المُعتمَدين ويخالف المُقرَّرَ بين أتْباعهم الفضلاء، فضلا عن إنكار المُحققين. فإنَّهُ في العِلْم: لا يَعْدُو عَنْ كَوْنِه شَاذًّا فَلا يُعَوَّلُ عَلَيه، أوْ مَوْضِع تَنازُعٍ يُلْزِمُ بالرُّجُوْع لِمَصَادِر الدِّيْن. في الآية: ﴿ فإن تَنازَعْتُم في شَيء فَرُدُّوه إلى الله والرَّسول إن كُنتم تُؤْمِنون بالله واليَوْم الآخِر ذَلِك خَيْر وأحْسَنُ تأْوِيلا ﴾. ومَصَادِرُ الدِّيْن لا تُقِرُّ للزَّائِغِيْن مَذْهَبَهم لاسِيَّما في صِفَات رَبِّ العالَمِيْن، لا بِالنَّصِّ وَلا بالتَّأوِيْلِ المَكِيْن.
مِن فِرْيَة وتَلْبِيْسِ الزَّائِغِيْن الأَشْقياء: زَعْمُ أن تَعبِيرَ “اللهُ في السماء” يَدُلّ إلا على تَمَوْضُع اللهِ تَعالى في العَلْياء! وهَؤُلاء: يُؤَوِّلُوْنَ تَعْبِيْرَ “اللهُ فِي الأَرْض”، وَإذْ أَوَّلَ أَهْلُ الحَقِّ شُبْهَتَهم رَمُوْهُم بالتَّجَهُّم وَالافْتِرَاء! الصَّوابُ: أنَّ دَلائلَ التَّوحِيْد العِلْمِيَّة (نَقْلا وعَقلا) تُنْكِر التَّمَوْضُع في الإلَهِية؛ لأنَّه: تَكْوِيْنٌ، وشَأنُ الفُقَراء. قالَ اللهُ تَعالى: ﴿ بَدِيعُ السَّماوات والأَرْض أَنَّى يَكُونُ لَهُ ولَدٌ؛ ولَم تَكُن لَّه صاحِبةٌ، وخَلَق كُلَّ شَيءٍ .. ﴾[الأنعام:101].
أَصْلُ الإِرَادَةِ: إِمْكَانُ قَصْدِ الأَشْيَاءِ الْمُمْكِنَةِ، وَهِي نَوْعَان: قُدْسِيَّةٌ، وَكَوْنِيَّةٌ.
الإِرَادَةُ القُدْسِيَّةُ: إِمْكَانُ تَخْصِيْصِ الْمُمْكِنِ بِمَا يُجُوْزُ عَلَيْهِ؛ ﴿ وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾.
الإِرَادَةُ الْكَوْنِيَّةُ: إِمْكَانُ قَصْدِ شَيْءٍ دُوْنَ شَيْءٍ مِنَ الْمُمْكِنَات. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ مَنْ كَانَ يُرِيْدُ ثَوَابَ الْدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ﴾[النساء:134].
الإِرَادَةُ الصُّوْفِيَّة: التَّخْلِّي عَنِ الْمَقَاصِدِ العَادِيَّة، وَالتَّحَلِّي بالمَقَاصِد الشَّرْعِيَّة، قَصْدًا لِرَبِّ البَرِيَّة. فَالْمُرِيْدُ: هُوَ الْمُجْتَهِد بَالْقُرُبَاتِ عَلَى شَرْطِ الإِرَادَةِ الْصُّوْفِيَّة. وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِين ﴾[العنكبوت:69].
الْمُرَادُ: هُوَ الْمُنْشَرِحُ لِلْقُرُبَاتِ بِالْمَحَبَّة الْقُدْسِيَّة. قال الله تعالى: ﴿ أَلَم نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك * وَوَضَعْنا عَنكَ وِزْرَك * الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَك * وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَك ﴾[الشرح:1-4].
الْمُرِيْدُ: يَجِدُ مَشَقَّةَ الْتَّكْلِيْفِ فِي الاسْتِقَامَةِ عَلَى الْحُقُوْقِ؛ لِلْسُّنَّةِ الْكَوْنِيَّة.
الْمُرَادُ: لا يَجِدُ مَشَقَّةَ الْتَّكْلِيْفِ فِي الاسْتِقَامَةِ الْشَّرْعِيَّة؛ لِلْمَحَبَّةِ الْقُدْسِيَّة.
وفي المُرِيْد والمُراد خَبَر: « ما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِل حَتَّى أُحِبَّه، فإذا أَحْبَبْتُه كُنْتُ سَمْعه .. » الخ.
بَاطِنُ الإِرَادَةِ: اجْتِمَاعُ اللَّطَائِفِ عَلَى قَصْدِ مُرَادِ اللهِ تَعَالَى مِنَ الْعَبِيْد.
ظَاهِرُ الإِرَادَةِ: اجْتِمَاعُ الْجَوَارِحِ عَلَى الأَعْمَالِ الْمُقَرِّبَةِ إِلَى اللهِ الْمَجِيْدِ.
يَهديك إلى مَعرفة فَساد مَذهب الزائغين _ لاسيما الحَشَوِيَة _ في الإلهِيَّة: أنهم يَستنِدون إلى فَهمهم لِما تشابه عليهم من النصوص الشرعية. وفَهمُهُم مُنْكَرٌ بالمُحْكَمَات النَّقْلِيَّة والعَقْلِيَّة؛ المُطْلِقَة لِقَدَاسَةِ البَارِي عَن مَاهِيَّاتِ الْصِّفَاتِ الْكَوْنِيَّة. وإذا أنكَرَنا عليهم تَحْريفَ النُّصُوص التي يَتَتَبَّعْونَها للفِتْنة ببِدْعَتهم الشَّقِيَّة، زَعَموا أننا نُعَطِّلُ النُّصُوص المَرعِيّة! وما يَكون لنا أنْ نَفعل هَذا، سُبحان الله هذا بُهْتان عَظِيم من الحَشوية؛ فأهْل الحَق: يُثبِتون النُّصُوص ويُنْكِرُون المَعاني المَنْفِية.
مَن ظَنّ أنّ المَدْعُوِّين الجاهلِيِّين وُسِموا بالجهل لعِلمهم بجَهلهم كان مِن الجاهلين؛ فإن وَسمَهم مَبْني على صِفَتهم في العِلم المُبين.
لا تَنْجَلِي ظُلْمَةُ الْزَّيْغِ عَنِ الْمَفْتُوْنِيْنَ إِلا بِإحْسَانِ الْنَّظَرِ فِيْ دَعْوَةِ الْمُخَالفِيْن.
الْعَقْلانِيَّة: فِقْهُ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّة، وَمُوَافَقَتُهَا فِي الأَحْوَالِ الْشَّخْصِيَّة.
فِقْهُ الْمَسَائِلِ الْعِلْمِيَّةِ مُتَوَقِّفٌ عَلَى الأَهْلِيَّة، وَمُعَلَّقٌ بِالْتَّجَرُّدِ عَنِ الْحُجُبِ الْشَّخْصِيَّة.
العَاقِلُ: يُمَيِّزُ بَيْنَ الْفِقْهِ الْمُقَيَّدِ بالقَنَاعَةِ المَذْهَبِيَّة، والْفِقْهِ القَائِمِ عَلَى الأُصُوْلِ الْعِلْمِيَّة.
الاجْتِهَادُ فِي الْمَسَائِل الْعِلْمِيَّةِ دَلِيْلٌ عَلى قِيَام الفِقْهِ على المَذْهَبِيَّة.
كُلُّ بَيَانٍ لا تَنُصُّ عَلَيْهِ الْمُحْكَمَاتُ الشَّرْعِيَّة: هُوَ مِنَ الاجْتِهَادَاتِ الشَّخْصِيَّة.
عَدَمُ التَّمْيِيْز بَيْن الاجْتِهَاد والاقْتِداء فِي المَسَائِل الفِقْهِية، يُضِلُّ عن الصَّواب في الخِلافات العِلْمِيَّة والشَّرْعِيَّة.
الْجَاهِلُ كَالنَّعَم؛ أَعْمَى أَبْكَم أَصَمّ. مُشَاهَدَاتُهُ: تَخَيُّل، وَكَلامُهُ: تَقَوُّل، وَسَمَاعُهُ: حَدِيْثُ نَفْسٍ وَتَأَوُّل!
الْجُهَّالُ ﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا، وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ، أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُون ﴾[الأعراف:179].
كَلامُ الْجَاهِلِ: هُرَاء، ونَظَرُهُ: غَبَاء، وبِضَاعَتُهُ: الإِغْوَاءُ وَالإِغْرَاءُ.
سَبَبُ انْتِشَارِ الْجَهْلِ: الْغَبَاءُ، وَالأَهْوَاءُ.
الْغَبَاءُ: يُخْفِي أَبْجَدِيَّاتِ مَعْرِفَةِ الْعِلْمِ والْعُلَمَاء، وَالْتَّمْيِيْزَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالهُرَاءِ.
الأَهْوَاءُ: تُغْوِي بِأَحْوَالِ الْجُهَلاء، وَتُغْرِي بِمَا لَدَيْهِم مِنَ الْمُشْتَهَيَاتِ وَدَوَافِعِ الْبَلاء.
الْجَهْلُ الْمُرَكَّبُ فِسْقٌ يَحْجِبُ عَنِ الْهُدَى إِلَى الْعِلْمِ الْمُبِيْن. قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ فَلَمَّا زاغُوْا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ؛ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِيْن ﴾[الصف:5].
الْزَّائِغُ المُتَّصِفُ بِالْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ: مُخَرِّصٌ أَرْعَن، إِذَا دَعَا إِلَى آرَائِهِ أَوْ نُوْقِشَ فِيْهَا تَفَرْعَنْ. فَلِسَانُ حَالِهِ يَقُوْلُ لِلْعِبَاد: ﴿ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى، وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾[غافر:29].
تَمْيِيْزُ الْعَاقِل بَيْنَ مَصَادِرِ الْفِقْهِ: أَصْلٌ لِتَمْيِيْزِ الْخَطَأ مِنَ الْصَّوَاب.
تَمْيِيْزُ الْفِقْهِ الْشَّخْصِيِّ مِنَ الْعِلْمِيِّ مَطْلَبٌ لاسْتِقَامَةِ الْبَحْثِ، واتِّقَاءِ الْفِرْيَةِ عَلَى الْعِلْمِ وَالْخِطَاب.
المُسْتَنَدات الشَّرعِية لأفْعال البَرِية: هي الأقوال أو الأفعال أو التَّقارير النَّبَوِية، وما تَقتَضِيه من أحكام تَفصِيْلية أو إجمالِية.
كُلُّ مُسْتَنَد شَرعِي كافٍ لبَيان الأحكام الدِّيْنِيَّة، فمَثلا: لا يَلْزَم الفِعل مع وُجُود القَول، ولا الفِرْع مع وجود الأصول المَرعية.
يَنْبَغِي الْتَّفْرِيْقُ بَيْنَ الْمَشْرُوْعِ فِي الْدِّيْنِ، وَالْمُعْتَمَدِ فِي طُرُقِ الْعَابِدِيْن. فَالْمَشْرُوْعُ: كُلُّ مَا خَلا الْحَرام الْمُبِيْن، وَالْمُعْتَمَدُ: يَقْتَصِرُ عَلَى الأَصْلَحِ فِي الْعِبَادَةِ أَوْ لِلْسَّالِكِيْنَ. فَقَدْ يُحْكَمُ بِمَشْرُوْعِيَّة الفِعْلِ فِقْهًا ويَكُوْن مُنْكَرًا فِي السُّلُوْك؛ لِمُعَارَضَتِه شُؤُوْنَ الأَحْسَن أَوْ المُحْسِنِيْن. وَذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم ﴾[الزمر:55].
مَنْ لَمْ يَبْنِ المُنَاظَرَةَ عَلَى أَصْلِ “احْتِمال خَطَأهِ وصَوَاب مُخَالفِه” مُجَرَّدًا عَنِ العَصَبِيَّة: لَيْسَ بِمُنَاظِر.
مَنْ لَمْ يَبْنِ نَظَرَهُ عَلَى المَبَادِئِ العِلْمِيَّةِ الصَّحِيْحَةِ مُجَرَّدَةً عَنِ التَّخَارِيْصِ الْنَّفْسِيَّة: لَيْسَ بِنَاظِر.
يَا بُنَيَّ، إِذَا دَعَاكَ الْوَسْوَاسُ إِلَى الْرَّذِيْلَة، فَقَابِلْهُ بِذِكْرِ الْدَّعْوَةِ إِلَى الْتَّقْوَى وَالْفَضِيْلَة.
يَا بُنَيَّ، قَابِلِ الْوَسْوَسَةَ بِالْخِطَابِ، وَجَاهِدِ الأَحْوَالَ الْمُنْكَرَةَ بِالاجْتِنَابِ.
لا مَجَالَ لِمُقَارَنَةِ الْتَّصَوُّف بِالْجَمَاعَاتِ الْحِزْبيَّة؛ فالْتَّصَوُّفُ: عِلْمٌ مِنْ عُلُوْمِ دِيْنِ رَبِّ البَرِيَّة. فإنْ انتَسَب حِزْبٌ للتَّصَوُّف والصُّوفِيَّة: فالتصوفُ لا يُقِر قُيُودَه الحِزْبية، ولا المَنْسُوْبات المُتَعَدِّيَة لحُدُودَه الشرْعِية.
لا اعتِبَار لِكُل ما يُدَنْدِن به الزائغون المُفْتَرون حوْل الأفعال التي لمْ يَفعَلها النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم والسَّلفُ الأخْيار. إنَّ الأفْعال القائمَة على مُسْتَنَد شَرْعي لا يُشتَرَط لفَضْلها فَضْلا عَن صِحَّتها تَقَدُّم فِعْلِها فِي شِرْعَة الله الواحِد القَهَّار.
التَّهْوِيْلُ لِلْفِتْنَةِ عَنِ الْدَّلِيْلِ وَالْتَّغْرِيْر بِالأَبَاطِيْل: مِنْ سُنَنِ الزَّائِغِيْنَ أَهْل الْحَشْوِ وَالْتَّعْطِيْل. في التَّنْزِيْل: ﴿ وإذا تُتْلَى عَلَيْهم آيَاتُنا بَيِّنات، قالُوا: ما هَذا إلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُم عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آبَاؤكُم! وقَالُوا: مَا هَذا إلا إِفْكٌ مُّفْتَرًى! وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ: إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُّبِينٌ ﴾[سبأ:43].
الْتَّهْوِيْلُ لِرَدِّ الْدَّلِيْلِ وَالإِلْزَامِ بِالأَبَاطِيْل: مِنْ سُنَنِ الْجَاهِلِيْنَ أَهْلِ الْظَّنِّ وَالْهَوَى الْعَلِيْل. فِي التَّنْزِيْل: ﴿ قَالَ: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّك مِنَ المَسْجُونِيْنَ ﴾[الشعراء:29]. ﴿ أَجَعَل الآلِهَةَ إلَهًا واحِدًا؟ إنَّ هَذا لَشَيءٌ عُجابٌ ﴾[ص:5].
قام الشَّارِعُ بإقْرار أَفْعال الصَّحابَة البِدْعِيَّة، وقام مَقامَه: الأُصُولُ لإثْبات الشَّرعِيَّة والعارِفون لِبيان الفَضْل المُكَرَّم.
تَقَرَّر قِيَامُ الفَضْل كمَا الصِّحَّة في المُحْدَثات الشَّرْعِيَّة؛ ومِنْه: “ثَناء الاعْتِدال” و “الرقية” و “دُعاء الإخْلاص” المُعَظَّم.
أَصْلُ الْرَّقَابَةِ: الاطِّلاعُ، وَهِي نَوْعَان: إِلَهِيَّة، وَكَوْنِيَّة.
الرَّقَابَةُ الإِلَهِيَّة: الإِحَاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ اطِّلاعًا؛ ﴿ وَكَانَ اللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَّقِيبًا ﴾[الأحزاب:52].
الرَّقابَةُ الكَوْنِيَّة: الاطِّلاعُ على الأشْياء المُمْكِنَة بِقَدْر الوسْع، وهي في الكَسْب نَوْعان: مُراقَبَةٌ نَفْسِيَّة أو قُدْسِيَّة.
الْمُرَاقَبَةُ الْكَوْنِيَّةُ الْنَّفْسِيَّةُ: هِيَ الاطِّلاعُ بِقَدْرِ الْوسْع عَلَى شُؤُوْنِ الْشَّيْءِ الْذَّاتِيَّة. وغَايَةُ المُراقَبَة النَّفْسِيَّة: إمَّا الْعِلْمُ بِهَا ابْتِغَاءَ مَصَالِح شَخْصِيَّة، أَوْ حِفْظُ قِيَامِها عَلَى حُدُوْدٍ مَعْنِيَّة.
المُراقَبة الكَونِيّة القُدْسِيّة: هي العِلْم بمراقبة البّارِي للبَرِيّة، بذِكْر اطلاعه والنَّظر للأحوال الشخصية، لا إليه بنحو تصور ماهية.
عِباد الله، إنَّنا نَسْتَظل لَيلَة شَديدَة الخَطَر؛ يَعُمُّ فيها الإغْواء بِفُنُون الفَواحِش والسَّمَر، فيَظهَر الفَساد في سُلُوك البَشَر. وقد قال الله تعالى: ﴿ أَفأَمِنَ الذِين مَكَروا السَّيِّئات أَن يَخْسِفَ اللهُ بِهمُ الأرض، أو يأْتِيَهُم العَذابُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرون ﴾.
عِبَادَ الله، إذَا حَدَثَ الفَسَادُ وَظَهَر، فَالكَيِّسُ: مَنْ ذَكَرَ، واعتَبَر، واجْتَنَبَ أَسْبَابَ الْضَّرَر.
رَبَّنَا أَعِذْنَا مِنْ سُوْءِ لَيْلَةِ رَأْسِ الْسَّنَةِ وَمَا يُحْدَثُ فِيْهَا مِنْ إقْبَالٍ عَلَى الْتَّنْجِيْم وَالْفُجُوْر.
رَبَّنَا وَلا تُؤاخِذْنَا بِمَا يَفْعَلُهُ الْسُّفَهَاءُ الَّذِيْنَ تَغُرُّهُم الْحَيَاةُ الْدُّنْيَا وَيَغُرُّهُم بِاللهِ الْغَرُوْرُ.
رَبَّنَا وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا، أَنْتَ مَوْلانَا، فَأَخْرِجْ أُمَّتَنَا مِنْ الْظُّلُمَاتِ إِلَى الْنُّوْرِ.
أُلْهِم مُتأخرو السَّلَف إحياءَ اليوم السنوي للمَولد المُحَمَّد، استنادًا على الشرع الذي أقرَّه ونَصَّ على إحياء يومه الأسبوعي المُمَجَّد. وفي الآية ﴿ قُل بفَضل الله وبرَحمته فبذَلك فليَفْرَحوا؛ هُو خَيْر مِمّا يَجمعون ﴾، فأحيُوه بالطاعة، ولا تأبهوا لصاحِب اللَّدَد المُنَدَّد.
أيُّها النَّاسُ، قَد أَظَلَّكُم يَومٌ مُمَجَّد، يَومٌ فِيه وُلِدَ سَيِّدُنا رَسُول الله مُحمد، صلى الله عليه صلاة دائمة تَتَعدَّد وتَتجدد. فاسْتَقبِلوه بتَجدِيد عَهْد الاسْتقامة على هَدْيِه المُسَدَّد، وأحْيُوْه بالفَرَح والقُرْبَة ذِكْرا وشُكْرا على رَحْمَته وفَضْله الأحْمَد.
الْتَّرْكُ شَرْعًا نَوْعَان: تَرْكٌ جَائِزٌ، وَتَرْكٌ حَرَامٌ. التَّرْكُ الجَائِزُ: هُوَ عَدَمُ فِعْل المَشْرُوْع (الَّذِي لَه مُسْتَنَدُ جَوَازٍ شَرْعِي). التَّرْكُ الحَرَامٌ: هُوَ عَدَمُ فِعْل المَمْنُوْع (الَّذِي لَه مُسْتَنَدُ تَحْرِيْمٍ شَرْعِي).

لتَّعْلِيْل بِنَحْو “قِيام المُقْتَضِي” للمَتْرُوك الجائز، إنْ كان لإهْماله وانْتِقاصه: فَتَهْوِيْل، أو لتَحْرِيْمه: فافْتِراء وتَعْطِيل.
إنَّ أَقْوامَا يَشتَرِطُون الأفعَالَ النَّبَوية أو السَّلَفية لإثْبات الأفْعال المُستَنِدَة على طُرُقٍ أخْرَى مِنَ الأدِلَّة الشَّرعِيَّة. وفي الصَّحيح: « .. ما كان مِنْ شَرْط ليس في كِتاب الله: فَهو باطِل، وإنْ كان مِائَة شَرط؛ قَضَاءُ الله أحَقّ، وشَرْط الله أوْثَق »[البخاري].
أحْكام البِدْعة الشَّرْعية المُقَرَّرة في مَذهب الزائغِين الحَشوية: مَبْنِيَّة على تَعْطِيل النُّصوص، واعتماد أفهامهم المَوسومة بالسَّقَم. فقدْ أعرَضوا عن النُّصوص المُبيِّنة لِما أعجَبهم من الخِطاب، وقدَّموا رأيَهم على مُقتضَى جَمعها والفَهْم العِلمي المُقرَّر لأُولي القَدَم.
لَيس غَرِيْبا أن يَستغِل الحَشوية الأحداثَ الإرهابية والمَخاوف الأَمْنِية لغِواية وُلاة الأمْر بالتّسلط على المُخالفين في المناهج العلمية. لكن الغَريب: ظنهم أن تَدليسهم يُخفي الواقِعَ الشاهد بأن كافة الإرهابيين المُنتسبين لأهل السنة أفْلاذ نِحلتهم، وحَمَلَة مفاهيمهم الشقِيَّة.
الْزَّائِغُوْنَ: يَتَّبِعُوْنَ المُتَشَابهِ لِفِتْنَة البَرِيَّة، سَوَاءٌ بِالْتَّحْرِيْف أَوْ بِحَشْوِ الأهْوَاءِ الْشَّخْصِيَّة.
عَلامَات الزّائغِين: تَتَبُّع المُتَشابه والاسْتِناد على تَشابُهِه المَهِين، والاسْتِهزاء بالعِلْم المُبِين، والافْتِراء على المُخَالَفين.
الزَّيغ ليس حِكْرا على الحَشوية؛ فإنه مَوجُود في مُنْتَمِين فَضْلا عن مُنْتَسِبِين إلى أهْل الحَقِّ، ممَّن فُتِنوا بالأهْواءِ الدَّنِيَّة. وَكَمَا يَتَّبِع الحَشَوِيَّة تَشَابُهَ المَظَاهِر لِلْتَّقْرِيْر، يَتَّبِع المَفتُوْنُوْن تَشَابُهَ التَّقْرِيْر لِلْتَّغْرير.
مثل ما يَتَّبعه المَفتونون الأشقياء: تَقرير “العِصْمَة والرُّؤية العاجلة للأولياء”! فيُهَولون به؛ كأنه قد قُرر بالهوى أو لاستباحة الأهواء! والحق: أن الخلافَ قائم على ذلك بحق الأنبياء فضلا عن الصلحاء، وتقريرَه يقوم على مستنَدات شرعية بَيضاء، والمَقصودَ به: إثبات خَصائص للفضلاء.

لَيْسَ لِلْدِّيْنِ سُلْطَان إِلَّا وَحْيُ الْرَّحْمَن.
سُلْطَانُ الْوَحْيِ: إِمَّا مُسْتَنَدٌ تَفْصِيْلِيٌ بِحُكْمِ الأَعْيَانِ، أَوْ إِجْمَالِيٌّ يَتَقَرَّرُ مِنَ الْبَيَانِ.
الأَحْكَامُ الثُّبُوْتِيَّةُ الْشَّرْعِيَّةُ: عَادِيَّةٌ أَوْ اسْتِثْنَائِيَّة.
الأَحْكَامُ الْثُّبُوْتِيَّةُ الْعَادِيَّةُ: هِيَ الْمُسْنَدَاتُ الْشَّرْعِيَّةُ المُقَرَّرَةُ لِلْحَالَةِ الْعَامَّةِ الْطَّبِيْعِيَّةِ. مِنْهَا: ﴿ عالِمُ الغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ علَى غَيْبِهِ أَحَدا ﴾، ﴿ قُلْ لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الغَيْبَ إلا اللهُ ﴾.
الأَحْكَامُ الْثُّبُوْتِيَّةُ الاسْتِثْنَائِيَّة: هِيَ الْمُسْنَدَاتُ الْشَّرْعِيَّةُ المُخْرَجَة مِنَ الأَحْكَامِ العَادِيَّةِ. مِنْهَا: ﴿ ذَلِكَ مِنْ أَنباء الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْك .. ﴾، ﴿ فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنا .. عَلَّمْناهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا ﴾.
الاسْتِدْلال بالنُّصُوْص العَادِيَّة لإنْكارِ الأحْكام الاسْتِثْنائيَّة: إمَّا خَطَأ في تَحْقِيْق القَضِيَّة، أوْ زَيْغ لأهْواءٍ دَنِيَّة.
ليس الغَرِيْب وُجُود أغبِياء، بَل: أنْ يَتَشَدَّق مُدَّعي العِلْم بأحكام إجْمالِية (كبِدعة وتَخصيص) بهُراء، ويَحسَب أنه مَسْتُورَ الغَباء!
إنَّ الأحْكام الإجْمالِيَّة الشَّرْعِيَّة مُسْتَنْبَطَة مِن الوَحِي بالاسْتِقْراء، فتَقْريْرُها عَلَى خِلافِ مُقْتَضَاه: مَحْضُ افْتِرَاء.
نِعْمَ الخُلُق “المُوَاسَاة”، وهي: مُشاطَرَة المُصَاب في الأَسَى بالتَّعْزِيَة والتَّخْفِيْف مِن المُصِيْبة بالأقْوال والأفْعال والأمْوال.
الْمُوَاسَاة: خُلُقٌ يَبْعَثُ الأُلْفَةَ والْمَوَدَّة والرَّحْمَة بَيْنَ النَّاس، ويُورثُ الفَضَائِلَ فِيْ النَّفْسِ والأَعْمَالِ.
في الصَّحِيْح: « مَن نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَب الدُّنْيا، نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَب يَوْمِ القِيَامَة، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ الله عَلَيهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً، سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيْهِ »[مسلم].
يَا بُنَيَّ! الْوَسْوَاسُ: لَيْسَ الَّذِي تَرَاهُ أَنْتَ وَسْوَاسًا أَوْ كُتِبَ عَلَى جَبِيْنِهِ “وَسْواسٌ خَنَّاس”! إِنَّمَا الْوَسْوَاسُ: الَّذِيْ يُوَسْوِسُ لَكَ فِعْلاً بِالأَرْجَاس، سَوَاء كَانَ نَفْسَكَ أَوْ سَائِرَ نُفُوْسِ الْجِنَّةِ وَالْنَّاس.
إِنَّ أَشَرَّ الْوَسْوَاسُ: الَّذِيْ يُجَيِّشُ الأَهْوَاءَ الأَدْنَاس؛ لِلْفِتْنَةِ عَنِ اتِّبَاعِ الْحَقِّ الْمُنَزَّهِ عَنِ الالْتِبَاس.
تَعِس شَياطيْن البَشَر، يُرْهِبُون الناسَ بالفِتَن والضَّرر، ويستغلون الصّالح والبَطِر؛ لتحقيق غاية وسَتر جِناية لسِياسِي أو زَعِيم أَشِر.
الإرْهَابِيُّوْن نَوْعَان: مُجْرِمُوْنَ بَاطِنِيُّوْنَ، وَمُجْرِمُوْنَ ظَاهِرُوْن.
الإرهابِيُّون الباطِنيُّون: هم ذَوُوا الياقات البَيْضاويَّة، الذِين لا تَتوافَق سِماتُهم الظَّاهِرة مع السِّمات الجُرمِيَّة التَّقْلِيدية.
الإرهابِيُّون الباطِنِيُّون جَرائِمُهم إجْمالِيَّة؛ يَتَوَسَّلُون بالفِتْنَة والإرهابِيِّين الظَّاهِرين لتَحْقِيق مَقاصِدهم الإجْرامِيَّة.
الإرهابِيُّون الباطِنِيُّون يَعْمَدُون إلى الإخْلال بأَمْنِ البِلاد والعِبَاد تَوَسُّلا لتَحْقِيْق المَآرِب وإخْفَاء الجَرائِمِ والفَسَاد.
الإرْهَابِيُّون الظَاهِرُون: هم ذَوُو السِّمَات الجُرْمِيَّة (المُحَدَّدَة في نَظَرِيَات عِلْم الإِجْرَام وَالْعِقَاب) التَّقْلِيْدِيَّة.
الإرْهَابِيُّوْن الظَاهِرُوْن جَرَائِمُهُم فَرْعِيَّة؛ يَعْمَدُوْنَ إلَى الأَذِيَّة لِتَحْقِيْق مَقاصِدِهِم الإِجْرَامِيَّة.
الإِرْهَابِيُّوْن الظَاهِرُوْن يَعْمَدُوْن إِلَى جَرَائِم عَيْنِيَّة في الْبِلادِ وَالْعِبَادِ تَوَسُّلا لِتَحْقِيْق مَآرِب عُدْوَانِيَّة.
يا بُنَيّ! لا تُحاسِب نَفْسَك بأحْكام النِّهايَة في البِداية؛ فإنما يُجاهِد المَرءُ نفْسَه للتَّدرج ويحاسبها بأحكام كل درجة لتحقيق الغاية.

أَذِيَّةُ سَيِّدِنا الرَّسُول مُحَمَّد صَلى الله عَلَيه وآلِه وسَلَّم: كُفْر مُبِيْن، سَوَاء بِسَبٍّ أَوْ اسْتِهْزَاءٍ أَوْ فِعْل مَهِيْن. وَقَدْ تَقَرَّرَ جَزَاءُ قَتْلِ الفَاعِلِ وَلَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْمُسْلِمِين. كَمَا قال اللهُ تعالى: ﴿ إنَّ الذِين يُؤْذُون اللهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهم اللهُ فِي الدُّنْيا والْآخِرَة، وأَعَدَّ لَهُم عَذَابًا مُّهِينا ﴾.
كَوْن جَزاء الأذِيَّة العُظْمَى مَحدُودا في الدِّيْن، لا يَرفْع مَسْؤولية الدُّوَل والأُمَّة عن إجْراءات الغِيْرة على حُرُمات المُسْلِمين. فَيَنْبَغِي اتخَاذُ إجْراءاتٍ إنْكارِيَّة عَمَلِية تُجاه المُؤذِين ورُعاتِهم الآثِمِيْن، بِمُقاطَعَة عَامَّة وطَرْدِ سُّفَراء مَبْعُوثِين. لَكِن، لا يَجُوْز الاعْتِداءُ عَلَى العَامَّة أوْ الوافِدِيْن مِنْ قَوْم المَسْؤُوْلِيْن، لاسِيما البَعَثات (كالسُّفَراء) المُؤَمَّنِيْن.
حُكْمُ “سَدُّ الْذَّرِيْعَة”: هُوَ الْمَنْعُ الْمُسْنَدُ لِجَائِزٍ يُفْضِي فِعْلُهُ إِلَى غَيْرِ جَائِزٍ فِي الْشَّرِيْعَة. قال الله تعالى: ﴿ وَلاَ تَقْرَبُوا الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْها وَمَا بَطَن .. ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَعْقِلُون ﴾[الأنعام:151].
مِنْ “سَدّ الذَّرِيْعَة”: خَبَر « مَنْ اتَّقَى الشُّبُهات: اسْتَبرأ لدِيْنِه وعِرْضِه، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهات: وَقَع في الحَرام ».
عَلَى “سَدّ الْذَّرِيْعَة” يَقُوْمُ خَبَر: « دَعْ مَا يَرِيْبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيْبُكَ ».
مِنْ فِرْيَة الحَشوِية علَى “حُقوْق الأوْلِياء”: اسْتِغْلالُ حُكْمِ “سَدّ الذَّرِيْعَة” لِمَنْع التَّوَسُّلِ والزِّيَارَةِ والبِنَاء! ولو اسْتَقام لهُم المَنْع في مَعرِض أدلة “حُقوق الأوْلِياء”، لاسْتَقام لمُبْتدِع آخَر المَنْع من “الحج” لاشتماله على شبهات هؤلاء الأشقياء.
مِن “سَدّ الذَّرِيْعَة” المُوافِق للشَّرِيْعة السَّمْحاء: إنْكارُ الإمام مالِك رَضِي اللهُ عَنه علَى المَبْتَدِع السَّائِل عَن الاسْتِواء. فمِنَ الْجَائِز طَلَبُ العِلْم بمَعْنى “الاسْتِواء”، لكِنَّ الطَّلَب المُفْضِي لإحْياء المُتَشابه واتِّبَاعِه للفِتْنَة: بِدْعَة نَكْرَاء.
فَضْلُ الْرَّسُوْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ حِكْمَةٌ إِلَهِيَّةٌ سَرْمَدِيَّة.
حُبُّ الْرَّسُوْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْه وآلِه وسَلَّم: واسِطَة الحَضْرَة القُدْسِيَّة، وأَحَدُ أَصَلَي العِبَادَة الشَّرْعِيَّة.
حِفْظُ حُرْمَةِ الْرَّسُوْلِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ: تَكْلِيْفٌ وَاجِبٌ عَلَى الأُمَّةِ الإِسْلامِيَّة. وفي الآية: ﴿ إلاَّ تَنصُروه فَقَدْ نَصَره اللهُ .. وجَعَل كَلِمةَ الذِين كَفروا السُّفْلى، وكلِمةُ الله هِي العُلْيا واللهُ عَزِيز حَكِيم ﴾.
دَرَجَاتُ الْسُّلُوْكِ: مَتَاهَةٌ عَامِرَةٌ جَاذِبَةٌ لِلْنُّفُوْس.
السَّالِكُوْنَ فِي الدَّرَجَاتِ: بَيْنَ مُسْتَدْرَجٍ (بالهَوَى)، وَمُسْتَقِيْمٍ مُقِيمٍ (بالقَدْرِ) أَوْ عَابِرٍ إلَى المَلِكِ القُدُّوْس.
مَثَل السَّالِك المُفَرِّط بواجِبه عِنْد التِّذْكار: كالعابِر لمُسْتَدِيْرَة تَتَشَعَّب السُّبُل مِن حَوْلها غَافِلا عَن إشَارات المَسَار.
يَا بُنَيَّ! كُلُّ سَبِيْلٍ غَيْرَ الْمَسَارِ: فَإِمَّا أَنْ يَضِلّ الْسَّالِكُ مِنْهُ أَوْ يَرْتَدّ إِلَى الْدّوَّار.
يَا بُنَيَّ! مَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيْلِهِ ضَيَّعَ الْوَقْتَ وَمَا قُيِّدَ بِهِ مِنْ حَسَناتٍ وَأَسْرَار، فَضْلا عَنْ مُوَاجَهَةِ الأخْطَار.
يا بُنَي! ﴿ لا تَتَّبِع الهَوى فيُضِلَّك عن سَبِيل الله؛ إنَّ الذِين يَضلُّون عن سَبيل الله لهُم عذابٌ شَدِيد بِما نَسُوا يَومَ الحِساب ﴾.
الإِخْلاصُ رُوْحُ الأعْمَال.
إذا قام الإخْلاصُ في مُتَعَدِّي الأعْمال بَعْث فِيها حَياة تَهْدِي لإدْراك أو اسْتِنان العُقَّال؛ بقَدْر حِكْمة الأقْوال وسَدَاد الأفْعال.
الأسْوَةُ الحَسَنَةُ تَقُوْمُ عَلَى ثلاثَةِ أَرْكَان: الْمَعْرِفَةُ، وَالأهْلِيَّةُ، وَالإِخْلاصُ لِلْرَّحْمَن.
تَفَاضُلُ الأسْوَةِ يَقُوْمُ عَلَى قَدْرِ الأرْكَانِ، وَحظْوَةِ الْرَّحْمَن.
ضَلالُ الْمُحَقِّقِيْنَ: فِي الْتَّعَجُّلِ الْمَشِيْنِ وَالْقَيْدِ الْمَهِيْن.
تَعَجُّلُ الْمُحَقِّقِ فِيْ الْمُعْطَيَات: يَفْتِنُ عَنِ الْمُسْتَنَدَاتِ، وَتَقَيُّدُهُ: يُضِلُّ عَنِ الْبَيِّنَاتِ.
آفَّةُ بَحْثِ الْحَاكِمِيْنَ: الْنَّظَرُ الْقَاصِرُ عَنْ حُدُوْدِ الْبَحْثِ الْحَصِيْن.
آفَّةُ حُكْمِ الْبَاحِثِيْن: الْمُسْتَنَدُ الْقَاصِرُ عَنْ حُدُوْدِ الأدِلَّةِ أَوْ مَذَاهِبِ الْحَاكِمِيْن.
يَا بُنَي! تَشْكُوْ الْضَّعْفَ عَنْ حِفْظِ الْعَمَل، وَأَنْتَ تُلْبِسُ الإرَادَةَ بِالأَمَل.
يَا بُنَي! إنَّما يُحْفَظُ العَمَلُ بِحِفْظِ المَقْصَد الأَجَلِّ، وعَزْمِ العَمْد عَلَى طُوْل الأَجَلِ، والتِزامِ المُجاهَدَة دُوْن مَلَل.
” إِسْلامُ النَّاسِ ” عَلَى ثَلاثِ مَرَاتِب؛ نِسْبَةً لأَحْوَالِهِم الْشَّخْصِيَّةِ، وَالْشَّرْعِيَّةِ، وَالْسُّلُوْكِيَّة. فَالإسلام الشَّخْصِي: هُوَ الْخُضُوْع لاعْتِبَارات دُنْيَوِيَّة! بَينما اعْتِبَارات الشَّرعيِّ: دِيْنِيَّة، وَالْسُّلُوْكِيِّ: خُلُقِيَّة.
لا بُدَّ لِلْبَاحِثِ فِي صِفَاتِ اللهِ اللَّطِيْفِ مِنَ التَّفْرِيْقِ بَيْنَ نَفْيِ اللَّفْظِ أَوْ الْصِّفَةِ وَنَفْيِ الْتَّوْصِيْفِ. فمَن علِم هذا التفريقَ الحنيف، أدرَك أنَّ تأوِيل “أهل الحَق” يَنْفِي التَّوْصِيف (بنَفْي وَصْف المَعاني المُنْكَرة) دُون إنكار أو تَحريْف.
مِن بُهتان السلفيين الحَشَوية: زَعْم أنهم “أهل السُّنة” المَعروفون، والواقِع: أنَّ “أهل السُّنة” نَعْتُ “أهل الحَقِّ” الأشاعِرة الصّوفيين. بَيْنَما مِنْ وَقَاحَتِهِم: أنَّهُم بَعْدَ زَعْمِ أنَّهُم الْسُّنِّيُّوْنَ، يَصِفُوْنَ “أَهْل الْحَقِّ” بالْمُبْتَدِعَةِ الْمُخَالِفِيْنْ!
الْمَرْءُ الَّذِي يَسْتَزِيْدُ مِنْ مُخَالِفِهِ الْكِنَّةَ والابْتِدَاعَ؛ إِذْ أَسَرَتْهُ حَمِيَّةُ الْرِّعَاع: هُوَ الْجَاهِلُ.
الْمَرْءُ الَّذِي يَسْتَفِيْدُ مِنْ مُخَالِفِهِ الْزِّيَادَةَ أَوْ الاتِّبَاعَ؛ إِذْ أَحْسَنَ الاسْتِمَاع: هُوَ الْعَاقِلُ.
كِفَايَةُ الْشَّرِيْعَةِ فِي الاتِّبَاعِ الْحَصِيْن: فِيْ مُقْتَضَى الأحْكَام الإجْمَالِيَّةِ وَالْتَّفْصِيْلِيَّةِ لأمْرِ الْدِّيْن.
المُحْدِثُ المُسْتَنِد على دَلِيْل شَرْعي مَعْرُوف: مُتَّبِع! والمُخالِف للمَعْرُوف ولَو لشُبْهَة (كَعَدَم التَّفْصِيل): زائِغ ومُبْتَدِع.
يا بُنَي! تَشْكُو الفِتْنَةَ عَنْ حِفْظ الأحْكام الدِّيْنِية لاسِيَّما الخُلُقِيَّة، وأَنْت تُلْبِس الخِيارات الشَّرْعِيةَ بالشَّخْصِيَّة!
يا بُنَي! إنَّما تُحْفَظ الأخْلاقُ بالإسْلام لِلْخِيَاراتِ الشَّرْعِيَّة، ومُجَاهَدَة الخِيارات الشَّخْصِيَّة ودَواعِيْها الشَّيْطانِيَّة.
الإسْلام أُنْزِلَ لِحْفِظ مَصَالِح البَرِيَّة، والنَّاسُ بَيْنَ عَالِمٍ وَجَاهِلٍ بِحْكَمةِ أَحْكَامِهِ المَعْنِيَّة.
ثُبُوْتُ الإسْلام وبَيِّناتُهُ الواقِعِيَّة: حُجَّةٌ علَى صِدْق الغُيُوْب البَلاغِية، ومِنها: الحِكْمَةُ الغائِبَة للأحْكام الشَّرْعِيَّة.
الفِتْنَةُ عَنِ الإسْلام والاسْتِقَامَة بِدَعْوَى الحُرِّيَّة لا تَخْلُوْ مِنَ الانْقِيَادِ لِلْدَّاعِي، ولَوْ كانَ الآراءَ الشَّخْصِيَّة.
إذا كانَ المَرْءُ لا يَخْرُجُ عَن الانْقِيَادِ فِي مَسْلَكِهِ لِلْحُرِّيَّةِ، فَالأَصْلَحُ لَهُ: أنْ يَنْقادَ للْصَّمَدِ رَبِّ البَرِيَّة.
الإسْلامُ لِلْبَيَان: انْقِيَادُ الْبُنْيَانِ لِلْرَّحْمَن! وَهُوَ يُؤْمِنُ مِنَ الْعِصْيَانِ وَجَزائِهِ؛ إِذَا قَامَ عَلَى الإيْمَان.
الإيْمَان بالبَيَان: تَصْدِيْق القُلُوْب للرَّحْمَن! وهُو يُؤْمِن مِنَ الكُفْران، ولا يُسْقِط أحْكام وجَزاء مُخالَفة الإسلام في البُنْيان.
العَدَاوَةُ النَّاشِئَةُ مِنَ التَّرْبِيَةِ الأُسَرِيَّة، تَقُوْمُ عَلَى الاعْتِدَادِ بالْمَشَاعِرِ فِي مُقَابِلِ الحُدُوْد الشَّرْعِيَّة.
التَّعامُلُ بِمَوَدَّةٍ وَرَحمَة بَيْن الزَّوْجَيْن: رأْسُ التَّكَالِيْفِ الشَّرْعِيَّة الزَّوْجِيَّة، وأسَبَابِ السَّعَادَة الأُسَرِيَّة.
الْمُسْتَنْبِطُوْن: هُم العَارِفُونَ بِأُصُوْلِ الْعِلْمِ المُؤهَّلُوْنَ لِلْعَمَلِ بِهَا فِي إِدْرَاكِ الْحُكْم مِنَ الْخِطَاب الْمَصُون. فالعارِفُون بالأصُوْل العِلْمِيَّة بلا أهْلِيَّة عَمَلِيَّة ممْنُوعُوْن مِن الاستِنْباط، فَضْلا عَن الحُفَّاظ الذِين يَتَطفَّلون ويُفْتون.
التَّغَاضِي عَنِ الْمَسْؤُوْلِيَّة لا يُسْقِطُ التَّكَالِيْفَ الْشَّرْعِيَّة. التَّغاضِي عَن المَسْؤُولِيَّة يَقَع بالافتِتَان بالخِيارات الشَّخْصِيَّة، سَوَاء لأحوالٍ نَفْسِيَّة أو اتِّباعِ لمُتَشابِهاتٍ مَنْفِيَّة.
التَّعَامُلُ الْرَّحِيْمُ: هُوَ اسْتِعْمالُ الأسَالِيْب الْرَّقِيْقَة الْمُنَاسِبَة لِتَحْقِيْقِ الْخَيْر لِلْمَعْنِي.
التَّعَامُلُ الوُدِّيُّ: هُوَ اسْتِعْمَالُ الأسَالِيْب الأَلِيْفَة في التَّعَاطِي مَعَ الشَّخْصِ الْمَعْنِي.
“العَقْلُ” وَ “الْهَوَى” كَكَفَّتَي الْمِيْزَان؛ إِذَا رُفِعَتْ إِحَدَاهُمَا انْخَفَضَت الأُخْرَى.
تَتَلاشِي الْعَقْلانِيَّة بِقَدْرِ قُوَّةِ الْمُصِيْبَة وَتَعَاظُمِ الأهْوَاءِ النَّفْسِيَّة.
الْعَجْزُ: بَيْنُوْنَةُ الشَّيْءِ عَنِ إِدْرَاكِ الأَبْصَار.
الْجَهْلُ: عَدَمُ الإِحَاطَةِ بِالْشَّيْءِ لِغَفْلَةِ الأَنْظَار.
الْمَعْرِفَةُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْه وَاقِعِيًّا.
الْعِلْمُ: إِدْرَاكُ الشَّيْءِ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْه نَظَرِيًّا.
الْعَزْمُ وَسِيْلَةُ الإِنْجَازِ وَالْحَسْم.
الإرَادَةُ وَسِيْلَةُ الْتَّوَجُّهِ وَالْرِّيَادَة.
التَّكاليف الشرعِية لا تَشتمل على مُعْجَز للبَرِية، ومشقَّتها وإن ثَقلت: طَبِيعية؛ لقِيامها على التطوير والإصلاح ومخالفة الفِطرة النفْسية.
التَّكَالِيْفُ الشَّرْعِيَّة تَضْبِط مَسَارَ البَرِيَّة؛ لِتَحْقِيْقِ مَصَالِحهم المَرْعِية، وحِفظهِم مِن غَيَابة الأحْكام الظَّلامِيَّة.
لا يُنْكِرُ مَا ثَبَتَ جَوَازُهُ شَرْعًا بِنَصِّ الْوَحْيِ لِرَأي أو مُتَشَابَه الخَلْقِ إِلا زائِغٌ أَوْ جَاهِلٌ أو غَافِلٌ عَنِ الحَقِّ. قال الله تعالى: ﴿ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [النور:63].
التَّعْوِيْل على هَوَى النَّفْس للاسْتِقامَة الشَّرْعِية: مُخالفٌ لسُنَّة الكَوْن العادِيَّة، فضْلا عن كوْنه تَعَدٍّ للحُدُود الدِّيْنِية. ﴿ ولَو اتَّبَعَ الحَقُّ أَهْواءهُم لَفَسَدَت السَّماواتُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ، بَل أَتَيْناهُم بذِكْرِهم فَهُم عَن ذِكْرِهم مُّعْرِضُون ﴾.
شَرِيْعَةُ الدِّيْن الإسلامِيَّة تَحْفَظُ شُؤُوْن ومَصالِح الناس النَّفْسِيَّة والاجْتِماعِيَّة، سواء في الحَياة الدُّنْيا أو الأخْرَوِية. ومِنْ ثمّ قالَ اللهُ رَبُّ العالَمِيْن: ﴿ ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلام دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وهُوَ فِي الآخِرَة مِنَ الخاسِرِين ﴾.
أُصُوْل دِيْن الإسْلام: هي ” الإيْمان والإسلام والإحْسان “، وتُعْرَف بـ” العَقِيْدة والفِقْه والتَّصَوُّف ” بَيْن المُبَيِّنِيْن الأعْلام. كُلُّ أَصْلٍ مِنْ “أَصُوْلِ الْدِّيْنِ” يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِه وِفْقَ مَوْضُوْعِهِ الْمُبِيْن.
الإيْمان: تَصْدِيْقٌ بأرْكانِ العَقِيْدَة المُقَرَّرة وتَوابعِها العِلمِيَّة، وحِكْمةِ الأعمال الإسْلامية، وكَرامةِ الأخلاق الصُّوْفِيَّة.
الإسْلام: عَمَلٌ بأرْكانِ الفِقْه المُقَرَّرة وتَوابِعها الشَّرْعية، بمُقْتَضَى العُلُوْم الإيْمانِيَّة، وِفْقًا للأخْلاق الصُّوْفِيَّة.
الإحْسَانُ: حِفْظٌ لِلأخْلاقِ الزَّكِيَّة، بِنَاءً عَلَى العُلُوْمِ الإيْمانِيَّة، وَالحُدُوْدِ الإسْلامِيَّة.
فذَلك قَول الله تَعالى: ﴿ ومَن يُسْلِم وَجْهَه إلى الله وهُوَ مُحْسِنٌ فَقَد اسْتَمْسَك بالعُرْوَة الْوُثْقَى وإلى الله عاقِبَةُ الأُمُور ﴾.
الْمَحْجُوْبُ عَنِ الإِرْشَادِ والْعِلْمِ وِفْقَ الشَّرِيْعَةِ الإِلَهِيَّة: أَسِيْرٌ لِلْطِّبَاعِ البَهِيْمِيَّة. قَالَ رَبُّ البَرِيَّة: ﴿ أَمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهُم يَسمَعُون أو يَعقِلُون؛ إنْ هُم إلا كالأنْعام بَل هُم أَضَلُّ سَبِيلا ﴾[الفرقان:44].
الْوَحْيُ الإِلَهِيُّ: هُوَ الإعْلامُ الْمُقَدَّسُ لِلأنْفُس، وَيَقَعُ عَلَى ثَلاثَة أَنْوَاع: تَشْرِيْعِيّ، وَتَعْرِيْفِيّ، وَفِطْرِيّ.
/1الوَحْي التَشْرِيعِي: هو الإعلام المُقَدَّس بأحْكام العِبادَة المَطلوْبة مِن الأنام، وهو مِن خَصائِص الرُّسل المُشرِّعِين عليهم السلام.
/2 الوَحْي التَّعْرِيْفِي، المُعبَّر عنه بـ “الكَشْف”: هو الإعلام المُقَدَّسُ بشُؤُوْن العابِدِيْن والعالَمِيْن، ويكون جَلِيًّا وخَفِيًّا.
أ/ الكَشْف الجَلِي، يُعَبَّر عَنه بـ “العِلْم اللدُنِّي”، وهو الإعْلام بالغُيْوْب والأحكام المُسْتَنِدة على التشريع، ويقع للأولياء الكرام.
ب/ الكَشْف الخَفِي: هُو مَبْعُوث عِلْمي يَتَعلَّق بالشُّؤون الشَّخصِية، كإلْهام وهاتِف! يَقَع على دَرَجات لكافَّة الناس، وأحكامُه ظَنِّية.
/3 الوَحْي الفِطْرِي، المُعبَّر عنه بـ “الغَرِيزَة”: هُو مَبْعُوْث عَمَلِي يَتَعَلَّق بالشُّؤون الشَّخْصِيّة ويقع لكافة أحْياء البَرِيَّة.
أهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ الصَّالِحُوْنَ: هُمْ أَهْلُ الْحَقِّ (الأشَاعِرَةُ والْمَاتُريْديَّة الْفُقَهَاءُ الْصُّوْفِيُّوْنَ(. كَانَ أَهْلُ الْحَقِّ المَعْنِيِّوْن هُم “السُّنِّيِّيْن”: لقِيَام الدَّلِيْل المَتِيْن، وأنَّهُم أهْلُ العِلْم في كُلِّ مَشْهَدٍ مُبِيْن.
مِن جهل المفتونين مِن السلفية الحشوية: توهم مُوافقة الشرع بتأويل ألفاظ الصفات السمعية بالحقائق اللغوية الموضوعة للدالة على الصفات الكونية! وإن اللغة العربية فيها المَعاني الحقِيقية والمَجازِية، وقَد أَثبت الدليلُ امتناع المعاني الحقيقية في الصفات الإلهية، فظَهَر ضلالُ الحشوية.
مِن جَهل مَفْتُوني السلفية الحشوية: تَوهُّم مُوافَقة التَّنزِيه بإثبات الحقائق الكَوْنية للصفات القُدسيَّة مع قَرِينة “يَليْق برب البرية”! والإثْبات سَواء قام على تَساوي الطَوِيَّة أو اختِلاف المَظاهر المَرْئية: لا يُنَزِّه عن الاشتراك والأحكام الكَونية! فظَهَر ضلالُ الحشوية.
يَا بُنَيَّ! لا يَغُرَّنَّكَ الْمَدَى؛ فَجَاهِدْ فِيْ حَفِظِ حَقِّ الْكَلِمَةِ الْعُلْيَا، وَالتِزَامِ أَحْكَامِ الْبِرِّ وَالْتَّقْوَى. ﴿ وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا ﴾[الأنعام:70].
لا بُد من التمييز بيْن الدلالة الكلامِية والدلالة الخطابية، وبين الحقيقة المَعنوية والحقيقة البُنيوية لإدراك دلالة الخطاب بالصفات القدسية. ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؟ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾[الزمر:9].
أصْلُ تَكْلِيْف الأُلْفَة العامَّة بَيْن المُسْلِمِيْن مِن الائْتِلاف، وهُوَ الالتِئامُ والاجْتِمَاع بَعْدَ ومَعَ التَّفَرُّق والاخْتِلاف.
مُقْتَضَى عُمُوم الأُلفَة الشَّرعِيّة: وُجُوْب اتِّفاق النُّفُوس أو الآراء المُختَلِفَة في المُعاوَنة على حِفْظ مَصالِح الأمُّة الإسلامية.
عَلامَةُ حِرْمَانِ التَّوْبَة الصَّادِقَة: تَسْوِيْفُها؛ طَمعًا بحُظُوْظ الدُّنْيا البارِقَة، وافْتِتانًا بالأحْوال والوَساوِس المَارِقَة. في التَّكلِيْف الشَّرْعي المُبِين: ﴿ سَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُم، وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرضُ أُعِدَّت للْمُتَّقِين ﴾.
عَلامَة التَّوْفِيْق للتَّوْبَة الصَّادِقَة: الاستِجابةُ لذِكْرها في الوقْت، والاستغاثةُ مِن الطَمَع بالذنب والافْتِتان بشُؤونه المارِقَة. ﴿ حَتَّى إذا ضاقَت عَليْهم الأرضُ بما رَحُبَت وضاقت عليهم أنفُسُهم وظَنُّوا أنْ لا مَلْجأ مِنَ الله إلا إليه، ثُم تابَ عليهم ليَتُوْبوا ﴾.
الْوَالِدَانِ: فِيْ الْدُّنْيَا شَمْسٌ وَقَمَر، وَفِيْ الآخِرَةِ نُوْرٌ وَنَضَر. حَقُّ الوالدين: الإحْسان؛ ﴿ قُل لهما قَولا كريما .. واخْفِض لهما جَناح الذُّل من الرَّحْمة، وقُل رَبِّ ارْحَمْهما كما رَبَّياني صَغِيرا ﴾.
حَقُّ الوالدين: الإحْسان؛ ﴿ قُل لهما قَولا كريما .. واخْفِض لهما جَناح الذُّل من الرَّحْمة، وقُل رَبِّ ارْحَمْهما كما رَبَّياني صَغِيرا ﴾.
إنّ “حُرْمَة المُؤمن” أعْظَم مِن ظُنُون الزائغِين والمارِقِين، لذَلك: مَيَّز “الحَقُّ” بَيْن العَمَل والعامِل في تَقْرِير أحْكام الدِّيْن. فَيَنْبَغِي الاعْتِدَادُ بِنَوْعِ العَمَلِ لِلتَّمْيِيْز بَيْنَ إقْرَار الإيْمَان وتَقْرِيْر أحْكَامِ عِبَادَةِ الرَّحْمَن.
يَا بُنَي! إِنَّ الْمَرْءَ لَيُبْتَلَى بِمُتَّصِلاتٍ فِيْما أَسْلَفَ مِنَ الْقُرُبَاتِ؛ لِيَحْمدَ، فَتَرْبُو وَيُشْكَر.
يَا بُنَي! لَوْ كُشِفَ الحِجَابُ لأحْبَبْتَ تَعْظِيْمَ سَالِف الحَسَنَاتِ، فَاتَّقِ “فِتْنَةَ القُرْبَةِ”؛ لِتُحْفَظ وَلا تُكْفَر.
مَعْنَى “اللفْظِ” يَقُوْمُ عَلَى ثَلاثَةِ أُصُوْلٍ فِي اللسَانِ: الْتَّجَرُّد، وَالإضَافَةِ، وَالاقْتِرَان. كلفْظ “يَد”؛ مُجَرَّد: يعني القَبْض، ومُضاف: يعني صِفة المضاف إليه كعُضْو جَسد الإنسان، ومُقْترن: يعني مقتضى الدليل المَقرُون به كالقُدرة.
إن الزائغين يعترضون على “أهل الحق” بفهمهم للوَحي المَصُون، والعلمُ والمحكمات يَشهدان بهدايتنا وضلالهم في إدراك حُكمه الظاهر أو المَكنُون. وإن “حزب السلفية” قد جعلوا في قُلوبهم “الحَمِيَّة الجاهِليّة”! فاجتنبهم، والزَم كلِمةَ التَّقوى عند “أهل الحق”؛ فإنها السُّنَّة المَهدِية.
مِن جَهْل الزائغين المُركَّب أو تلبيسهم المُبِين: نفي انتماء “السلف الصالح” للأشاعرة والماتريدية (أئمة عقيدة “أهل السُّنَّة” المُعتمَدين)! فلا يخفى: أن المُبيِّنين من أئمة العقيدة ظهروا أواخر زمن التدوين، وما قرروه والمُجدّدون: هو الحكم الحق المراد بالسنة وكلام السلف الصالحين.
أرْواحُ المَحْبُوبِيْن! إذا اسْتُجِيْش فِيها الحَنِين، فأظْهَرَت الأنِيْنَ، وَبَلَغَ الشَّوْقَ الدَّفِيْن، فالسُّنَّة: إتْيَانُ اليَقِيْن. في الوَحِي المُبِين: « مَن أَحَبَّ لِقاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لقاءَه »[متفق عليه]، ﴿ واعْبُد رَبَّك حَتَّى يَأْتِيَك اليَقِين ﴾[الحجر:99].
الشَّافِعُوْنَ الْمَأْذُوْنُون لا يُرَدُّ لَهُم دُعَاء، فَمَاضٍ فِيْ الْمَطْلُوْبِ أَو الْحِكْمَةِ أو اللُّطْفِ فِي الْقَضَاء. ﴿ قُل لله الشَّفاعَةُ جَمِيعًا؛ لهُ مُلْكُ السماواتِ والأرض ﴾ وهُو خَيْرُ الحاكِمِين ﴿ ثُمَّ إلَيه تُرجَعون ﴾ في المَقام: أيها الشُّفَعاء.
يا بُني! إنَّ ما أصَابك قَدَرٌ لم يَكن لِيُخطِئك ولو انتَفت سَبَبيَّة الناس، فاحْذَر من الفِتنة في السبب الصالح لصَدمة المُصيبة أو وسْواس. منه: قال فرعون ﴿ لأُقَطِّعَن أيدِيَكم وأرجُلكم من خِلاف ثُم لأُصَلِّبَنَّكم أجمعِين ﴾، ﴿ قالُوا لا ضَيْرَ إنَّا إلى رَبِّنا مُنقَلِبُون ﴾.
يَا بُني! إِنَّ جعْلَ “الْصَّلاح” سَبَبًا لِلمُصِيْبَةِ الْمُقدَّرَةِ: نِعْمَةٌ يَجِبُ عَلَيْهَا الْشُّكْرُ الْمُبِيْن. وقد قال من سَبق: ﴿ وما تَنقِم مِنَّا إلا أنْ آمَنَّا بآيات رَبِّنا لَمَّا جاءتْنا! رَبَّنا أَفْرِغ عَلينا صَبْرا وتَوَفَّنَا مُسْلِمِين ﴾.
إِثْبَاتُ الْخِطَابِ نَوْعَان: إِثْبَاتٌ نَصِّيٌّ، وَإِثْبَاتٌ فِقْهِيٌّ. ﴿ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ؛ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ ﴾[ص:29].
إِثْبَاتُ الْبَيَانِ نَوْعَان: إِثْبَاتٌ عِلْمِيٌّ، وَإِثْبَاتٌ ظَنِّيٌّ. ﴿ .. فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِم زَيْغٌ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ .. وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الألْبَاب ﴾[آل عمران:7].
يا بُنَي! إذا ساقَك اللهُ تعالى إلى “أهْل الحَقِّ” ولو لسَبَب عُدْواني، فإنَّها دَعْوَةٌ لك وحُجَّةٌ عليك في إرادة الخَيْر لك في الدِّيْن.
يا بني! إن “أهل الحق” يَتبعون التنزيل بفهم شرعي، فتَخَلَّ عن الحَمِيَّة الجاهلية وأعرضْ عن الظنون والأهواء والجاهلين تَظفر بالخير المُبين.
السَّلَفُ الصَّالِح نَوْعان: سَلَفُ إعلام: بَلَّغُوا وبَيَّنُوا دُوْن تَقْرير! فلَيس لَهُم طُرُقٌ مُعَيَّنَة في مَعْرِفة أَحكام الدِّيْن.
سَلَفُ إحكام: نَقَلُوا الإعلام ووَضَعُوا التَّقارِيْر! فهُمُ الأئمَّة، الذِين يُقْتَدى بِهم في مَعْرفة أحكام الدِّيْن وسَبِيْل المُعلِمين.
ذاتُ الإنْسان كائِن يَهْدِي إلى “التوْحِيد الإسلامي” المَصُون؛ فشَأنُه الظاهِر مُحْدَث، وآثارُ الباطِن فِيه دَلِيل على أمْر إلهي مَكْنُون. ومِنْ ثمَّ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿ وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ﴾[الذاريات:21].
كُنْه “رُوْح الإنسان” غائب عن إدْراك العِباد! فثُبُوته بالآثار دَلِيل على ثُبُوت الإله الحَقِّ، القائم عليه بيَدَيه (في الخَلق والإمْداد). مَنْفَذ الأمْدَاد الرُّوْحِيَّة: العَقْل والنَّفْس الحَيَّة! وآثارُها وحِفْظُها: بِقَدر حِفْظ الأخْلاق الصَّالِحَة والحُظُوظ القُدْسِيَّة.
الأَمْداد الإنسانِية الشَّخْصِية تَقَع بواسِطة الرُّوْح واللطائف البَشَرِية، وهي: أَمْداد ذاتِيَّة، مُقَدَّرة بالكَسْب والأهلِيَّة.
أَمْداد لَدُنِّيَّة، مُقَدَّرة للعامَّة بالتولي الإلهي في فُيُوض خَفِيَّة! وللخاصَّة بالولاية الصالحة على قَدْر المَنْزِلة الصُّوْفِيَّة.
أَمْداد الإنْسانِ الذَّاتِيَّة: فِطْرِيَّة؛ قائمَة في الوَسَائِط الإنْسَانِية! وتَقَع وِفْق الطَّبِيعة الكَوْنِيَّة، والأسْباب الكَسْبِية.
أَمْداد الإنسان اللدُنِّيَّة: وَهْبِيَّة؛ يقوم المُمْكِن منها في الوَسائط الإنْسانية، والآخَر مُحْدَثات إلهِيّة! وتقع بالكُشوف الربَّانية.
للعِبادَة جَنَاحان: جَناحُ الشَّريْعَة، مُكَوَّنٌ مِن البَيَانات الشَّرْعِيَّة! جَناحُ الحَقِيْقَة، مُكَوَّنٌ مِن البَيَانات اللدُنِّيَّة. جَناحُ العِبادة الشَّرعِي سُلْطان، مَصْدَره أدِلَّة شَرِيْعة الدِّيْن، والحَقِيْقي خادِم، مَصْدره الكَشْف الصَّادِق للأولِياء المُرشِدِين.
كافَّةُ الْمُكَلَّفِيْن مُطَالَبُوْن بالإرادَة العَلِيَّة (الصُّوْفِيَّة)، وكُسْبُها يَقُومُ عَلَى حُدُوْد الأهْلِيَّة وَقَدْرِ الآلِيَّة. فالناس إما مُرِيْدُون: يَصِلُون إلى الغايَة المَعنِية، أو يَعجَزون للأهْلية، أو يُحرَمون لتَقصير في الآلية! وإما مَطرُودون لفِتْنة دَنِية.
اقْتِرَافُ الْذُّنُوْب مُخَاطَرَة؛ فَالْذُّنُوْب مَاكِرَة! تُظْهِرُ الْهَوَى فَيُغْشَى الْعَقْلُ وَتُحْجَبُ الْذَّاكِرَة. هَذا، ﴿ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَه ﴾ يَسْتَحِقّ أنْ ﴿ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِين ﴾.
يا بُنَي! قَد جَرَت السُّنَّةُ بملْكِك لِلْخِيار دُوْنَ الآثَار، فاحْذَر سُوْءَ الاخْتِيار! وإنَّهُ لَيَبْدَأ بالإصْغاء لوَساوِس الأفْكار.
الإصْغاء العامّ يُعْتَبَر في الباطِن عَلامة تِذْكار أو إقْرار، فيُوضَع له القَبُول وتَنْشأ الأُلفة حتى تَبْلُغ بالغَلَبَة الطلب فالإصْرار.
تعاطي الباطن مع الواردات بالإقرار: هو طلب فطري بها كلما بدت معالمها؛ بناء على كون الإصغاء المُقرَّر فيه اهتماما يَقتضي التنفيذ مع الإظهار.
تَعاطي الباطِن مع الوارِدات بالتِّذكار: هو إعلام فِطري بها كلما بَدت معالِمها؛ بِناء على كوْن الإصغاء المجرَّد فيه اهتِماما يقتضي الإظهار.
الْعَقْلُ الْرَّاشِدُ يَقُوْمُ عَلَى صَحِيْحِ الْنَّظَرِ وَالأخْبَارِ الْغَيْبِيَّة.
الْشِّرْعَةُ الإلَهِيَّةُ سُلْطَانُ الْعَقْلانِيَّة.
الشَّرْع لا يُعارِض العَقل إلا بنَظَر أهل الحَمِيَّة الجاهلية؛ فالشرع يقوم على مُحْكَمات العَقْل ويُرشِده لتَصْحيح نَظَرياته الظَّنِّيَّة. ونحن المُكلَّفون: ﴿ مِنَّا المُسْلِمُون ومِنَّا الْقَاسِطُون ﴾ بصَحِيْح النَّظَر والخَبر ﴿ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَئِك تَحَرَّوا رَشَدا ﴾.
الْنَّفْسُ رَعِيَّةٌ بَهِيْمِيَّة! فَاتِّبَاعُهَا “بِدَعْوَى الْتَّحَرُّر” إيْثَارٌ لِلْرِّقِّ عَلَى الْحُرِّيَّة الْمَرْعِيَّة.
الْعَقْلُ وَلِيُّ الْحُرِّيَّة، فحُدُوْدُهُ مَظَنَّة تَحْقِيْقها السَّوِيَّة، وضَمَانٌ باتِّبَاعِ الأحْكَامِ الْقُدْسِيَّة.
يَشْهد النظر السَّوِي؛ للكَون: بوُجود إلَه أحَدي! يُهتدَى إليه ولا يُدرَك، لنزاهته عن الكُنْه الكَوني؛ فخَلْق كُلِّ كائن بأَمْره القُدْسي. قال الله ﷻ: ﴿ شَهِدَ اللهُ أنَّهُ لا إلَهَ إلا هُو والملائِكَةُ وأُوْلُوا العِلْم قآئِمَاً بالقِسْط؛ لا إلَهَ إلا هُو العَزِيزُ الْحَكِيم ﴾.
يا بُني! اتَّقِ الإعْراضَ عن الحُجَّة الشَّرعِيَّة؛ فَيُوْشِك المُعْرِضُ عن الحَقِّ أنْ يُغْشَى على قَلْبه أو تُصِيبه اللعْنَة الإلهِيَّة. قال رَبُّ البَريَّة: ﴿ سَأَصْرِفُ عَن آياتِيَ الَّذِين يَتَكَبَّرُون في الأرْض بِغَيْر الْحَقِّ ﴾؛ افتِتانا بهَوَى أو انْتِصارا لحَمِيَّة. ومَنهَج المُستَكبرين: ابْتِداع حُدُود عِلْمية، واتِّباع مُتَشابهات مَنْفِية، ﴿ وإن يَرَوا كُل آية لا يُؤمنوا بها ﴾ رغم حُجَّتها الشَّرعية! ﴿ وإن يَرَوا سَبِيلَ الرُّشد لا يَتخِذوه سبيلا، وإن يَروا سبيل الغَيّ يَتخِذُوه سبيلا؛ ذلِك بأَنهم كذَّبوا بآياتِنا وكانُوا عَنها غافلِين ﴾.
الزائغُون المُعاصِرون: يَقُومون في الفِتْنة على “الغِوايَة بالعُلُوم الشخصِية”! ومَآل ذلك: إلى الافْتِراء أو الضلال في الأحْكام الشرعِية. الحَق: أن “عِلْم الأحكام” محصُور بأُوْلِي العُلوم المَعنِية! ويُقال: لا المُتطفل أقْدَر ولا المخالِف أحَق بالحق من أئمة الأمَّة الإسلامية.
إنما عَجزَت الأبْصارُ عن إدراك الحَقِيقة الإلَهِيَّة: لتَعلُّقها بالأشياء الكَونية، واقْتِصارِ الفَهم على المُناسَبة والمُنافَية العِلمية. وإنَّ الله سُبْحانه مُنَزَّهٌ عَن الكَوْنِيَّة، وَلَيْس له مُناسِب أو مُناف في الوُجُوْد لِيُفْهَم بالمُطابَقة أو المُضادَدة العَقْلِيَّة.
أَوْرادُ السَّالِكِيْن الشَّرْعِيَّة: هِيَ بُسُطُ العُبُوْدِيَّة، وسُبُلُ الْحُرِيَّة، ومَفَاتِيْحُ الفُيُوْضِ الإِلهِيَّة. فمَن ضَيَّع الأوراد بقَصْد أو تَفْريط، لغَفلة أو استِخفاف طَوِية: ضيع الواجب والمَصلحة الحالية، واستحق الجزاء الوِفاق لأسبابه السَّلْبِية.
يا بُنَي! وافِق “الأحكام العِلْمِية” ولا تُعارِضها بعُلُومك الشخصِية الغَوِيَّة؛ فإنها عُمدة السُّنَّة الكَونِية لجَلب المَصالح المَرعِية. ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا علَى وَجْهِه أَهْدَى، أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا علَى صِرَاط مُّسْتَقِيم ﴾؟ سواء في العبادات أو الشؤون الاجتماعية.
فُيُوْض الأسْباب الشَّرْعِيَّة تَجَدُّدِيَّة! فتَخْتلِف فِيْ كُلِّ حَوْلٍ آثارُهَا المَعْنِيَّة؛ ﴿ كُلَّ يَوْم هُوَ في شَأْن ﴾ للبَرِيَّة.
يَا بُنَيَّ! كُنْ ابْنَ وَقْتِكَ فِي الْعَمَل، وَاحْذَرْ مِنْ فِتْنَةِ الإِسْلافِ وَالأَمَل؛ لِتَظْفَرَ بِمَا لِلْحَالِ مِنْ أَثَرٍ جَلَل.
الفَاصِلُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل: هِيَ “الأحْكَامُ الْعِلْمِيَّة” الْمُجَرَّدَةُ عَن كُلِّ مُحْدَثَاتِ الزَّائِغ فَضْلا عَن الجَاهِل.
الأحْكَامُ العِلْمِيَّةُ الْمُجَرَّدَةُ: هِي المُسْنَداتُ الثَّابِتَةُ مِنْ طَرِيْق الْمَعْرِفَة الْمَرعِيَّة والْمَصَادِر الشَّرْعِيَّة.
صِحَّةُ القُلُوْبِ والإيْمانِ وِقَايَةٌ مِنَ الضَّلالِ وَالعُدْوَان.
الْمُتَهَاوِنُوْن بِصِحَّةِ الْقُلُوْبِ وَالإيْمَانِ مُخَاطِرُوْن؛ فَهَوَانُهُمَا سَبَبٌ لِلِإِعْرَاضِ عَنِ الْحَقِّ الْمَصُوْن.
إنْكارُ الزَّائِغِين (كالحَشَوية) على “أهل الحَق” قائِم على التَّزْيِيْف؛ سِنامُه الغِواية بالتَّجْدِيف، وعِمادُه التَّأوِيل بالتَّحْرِيف.
يَعْمَد الزَّائِغِون إلى “فَصْل المُتَشابه” عن قَرائنِه المُبَيِّنة لمَذْهَبه الحَنِيْف؛ لِيَتَسنَّى لهم الفِتنة وحَشو مَذْهبهم السَّخِيف.
الْزَّيْغُ يَقُوْمُ عَلَى الْهَوَى، وَالْجَهْلُ قَائِمٌ عَلَى الْظُّنُوْن! وَالْزَّائِغُوْنَ وَالْجُهَّالُ أَوْلِيَاء مُنْكَرُوْن. فمَن يَتَوَلَّ الزائغِين والجُهَّالَ فَإنَّهُ مِنْهُم، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالذِينَ آمَنُوا فَإنَّه المُتَّبِع المَيْمُون.
آفة حزب السلفية العِلمية تتخطى اعتمادَ العُلوم الشخصية؛ فهم على طريقة سلَفهم: يحشُون جَهاَلتهم في مُتَشابهات المخالَفِين والنصُوص الشرعية.
يا بُنَي! فاحتَكِم لِما ﴿أَنزَل اللهُ ولا تَتَّبِع أهواءهم﴾ الرَّدِية، ﴿واحذَرهم أن يَفْتِنوك﴾ بأحوالهم عما ﴿أنزل الله﴾ من حُدُود عِلْمية.
اتِّقَاءُ الزَّيْغ والجَهَل والأدْعِيَاء: بِاتِّبَاع مَا يُعْرَفُ مِنَ الْعِلْم والْعُلَمَاء، واجْتِنَابِ جَهَالَة الظُّنُوْنِ والأهْوَاء.
يا بُنَي! ﴿فَلا يَصُدَّنَّك﴾ عَنِ الأُمُوْر المَعْرُوْفَة ﴿مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها﴾ فأنْكَرَها، ﴿واتَّبَعَ هَوَاه﴾ فَحَرَّفَها؛ ﴿فَتَرْدَى﴾.
أيُّها التابِع والمَفْتُون بدَعْوَى “صَلاح سلَفِيَّة الحشوية”، اعلَم أن القوْم يُلْبِسون عليك سوءَ فهمهم للمعروف والمُنكر بالحقوق الشرعية.
يا بُني! اتَّق سوء الظن والحَمِية، والتزم الحُدود العلمية! فاستَقم معَنا؛ نحن لا نَقُول علَى الله إلا الحَقَّ المُصدَّق ببَيِّنَة قُدسِية.
سُنَّةُ عِلْمِ الإنْسَان: أنْ يَعْتَقِد “صِحَّةَ مَذْهَبِه” فِي الاسْتِقامَة فَضْلا عَن الأدْيان، وخَطأَ المُخالفِين ولَو لجِهة الإحْسَان. ينما حَقّ العِلم والرحمن: أنْ يَتِّبع المَدعُو الدلِيلَ المُحْكَم ورواسِخ البَيان، ويجتنب الحمِيَّة والأحْوال الدَّنِيَّة ووسوسة الشيطان.
الْعُبَّادُ الْمُسْلِمُوْنَ: مُسْتَجِيْبُوْنَ وَمُصْطَفُوْنَ. فالمُسْتَجِيْبُون يَرْغَبُوْن ويَرْهَبُون، لكِنَّهم يَطْلُبُوْن الجَزاء بالعِبَادَة. والمُصْطَفُوْن لا يَمْهَرُوْن الجَزاءَ بالاسْتِجابة.
أَدِلَّةُ الْكِتَابِ مُحْكَماتٌ بِأَنْفُسِهِنَّ أَوْ بِتَصْدِيْقِ بَعْضِهِنَّ الْبَعْض فِي الْخِطَابِ أَو الْتَّحْقِيْق. فَالمُتَشَابِهات تَظْهَرُ بِشُبْهةِ الْمُسْتَدِلِّ الْمَبْنِيَّة عَلَى تَحْرِيْفِ الْصَّادِقِ أَو الانْحِرافِ عَنْ سَبِيْلِ التَّصْدِيْق.
يا بُني! إن رَمَضان نِعْمَة للمسلِمين؛ يَجِيْء بالرحمة والمغفرة والعِتق وقايَة للمؤمنين! فقابِله بالاستقامة، ولا تَتَّبع خُطوات الفاسِدين. في الخبر: « إذا جاء رمضان، فُتِحَت أبْوابُ الجَنة » للصالِحين « وغُلِّقَت أبواب النار » عن المُستجيبين « وصُفِّدت الشياطين » دون التائبين.
رَمَضَانُ رَسُوْلُ رَحْمَةٍ وَمَغْفِرَةٍ وعِتْقٍ لِلْبَرِيَّة! يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُوْنَ! تَعَرَّضُوا لِفُيُوْضِ رَمَضَانَ القُدْسِيَّة، وتأَسُّوا بِهَا في الأخْلاقِ والمُعَامَلَةِ الاجْتِماعِيَّة.
صَفَاءُ أَعْمَالِ الْعَابِدِ: فِيْ الْخَلاصِ، الَّذِي يَقُوْمُ عَلَى الإِتْقَانِ وَالْتَّقْوَى وَالإِخْلاصِ. فَالإتْقَانُ يُصَحِّحُ البُنْيَان، وَالْتَّقْوَى تُقَرِّبُه لِلرَّحْمَن، وَالإخْلاصُ يُحَلِّيْهِ بِالإِحْسَان.
مِنْ مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ: صَرْفُ الْعَبْدِ عَن الاسْتِغْفَارِ؛ بِذَرِيْعَةِ أُلْفَتِهِ لِلْذَّنْبِ وَاسْتِعْدَادِهِ لِلأوْبَة!
يا بني! اقْبَل مِن ربِّك “عَرْض الغُفْران”، وأَقْبِل عَلَيه في الوَقْت مُسْتَغفِرا (بالاسْتِغاثَة والاعْتِذار)؛ فذَلك مِن صِدْق التَّوْبة.
توحيد الإخلاص: قال اللهُ ﷻ: ﴿ قُل ﴾ أَيُّها العاقِلُ، لنَفْسِك إيْمَانًا، وبِنَفْسِكَ إسْلامًا: أَنَّ ﴿ هُوْ ﴾ واجِبُ الوُجُوْد سَرْمَدًا الرَّبُّ الحَقُّ، المُؤَثِّرُ لذَاتِه فِي الكَائِنات جَوْهَرًا وعَرَضًا، فَيَنْبَغِي أَنْ لا تَتَوَجَّهَ الوُجُوْهُ إلا إلَيْه تَعَبُّدًا: إنَّمَا هُوَ ﴿ اللهُ ﴾ الَّذِي لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى المَعْلُوْمَةِ مِنْ طَرِيْقِ الْوَحْيِ لا الآلِهَة التي سَمّاها الناسُ بالظُّنون والأهواء عَمدا أو جَهلا، وأَماراتُ الخَلْق قائمة فيها، وتَدُلّ على حُدُوثها وامتِناع إلَهِيتِها! كما تَدُل على أن الإلَه هُوَ الله؛ لأن الله ﴿ أحَدٌ ﴾ يَستَحِيل أنْ يكُوْن لَه مِثْل في نَفْسه فيُساوِيه أو يُشارِكه؛ فلَيْس كَمِثْله شَيء وَ ﴿ اللهُ الْصَّمَدُ ﴾ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ، فَلا يَفْتَقِرُ إِلَى شَيْءٍ فِي نَفْسِهِ أَوْ لِنَفْسِهِ بَيْنَما كُلُّ شَيء مِنَ الكائِنات مُقَوَّمٌ على الإطْلاق، والحَقّ: أنَّ اللهَ هُوَ القائِم علَيهم بنِعْمَته، فَما بِهم مِن نِعْمَة فمِنْه واللهُ ﴿ لَمْ يَلِدْ ﴾، فيَسْتَحِيْل أَنْ يَكُوْن بنَفْسِه عِلَّةً لشَيء! فَخَلْقُ الكَائِناتِ بَعْدَ أَنْ لَم تَكُن: قَدْ حَدَثَ بأَمْرِه كَمَا ﴿ وَلَمْ يُولَدْ ﴾، فَيَسْتَحِيْلُ أَنْ يَكُوْنَ مَعْلُوْلًا لِشَيْءٍ فِيْ نَفْسِهِ وَلِنَفْسِهِ فَلَيْسَ هُوَ مُقَدَّرًا فِيْ نَفْسِهِ، وَلَا يُقَدِّرُ الْمُحْدَثَاتِ لِنَفْسِهِ! ذَلِك ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ ﴾ اسْتِحَالَةً: ﴿ كُفُوًا ﴾ يُضَاهِيْهِ فَيَسْتَحِقَّ حُقُوْقَهُ ﴿ أَحَدٌ ﴾ فِيْ الْوُجُوْدِ ” لَهُ مُلْكُ السَّماوات والأرْض، ولَم يَتَّخِذْ ولَدًا، ولَم يَكُن لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْك، وخَلَق كُلَّ شَيْء فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا “.
الْمُخَاطَبُوَنَ نَوْعَان: 1/ مُؤْمِنُوْن؛ مُسْتَعِدُّوْنَ لاتِّبَاعِ الحَقِّ أَيْنَما وُجِدَ! فَهُمُ الْوَسَطِيُّوْن. /2 جاحِدُون: مُستَعِدُّون للإعْراض عن الحَقّ أَيْنَما وُجِد! فَهُم الظالِمون. قال ﷻ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُر عَن قَوم لا يُؤمِنون﴾.
ظَاهِرُ مَعْنَى الخِطَابِ مُقَيَّدٌ بِأَدِلَّةِ الكِتَابِ. فادِّعَاءُ “ظَاهِرٍ” بِالتَّحْرِيْفِ والانْحِرَافِ إلَى الظَّنِّ وَمَا تَهْوَى الأنْفُسُ: افْتِرَاءٌ عَلَى العِلْمِ وَالوَحْيِ المُقَدَّس.
ها هو يَرتحل رَمَضان، وقد بَرَّه المُستجِيْبُون بالاجتماع والاجتِهاد في طاعة الرحمن، بينما عَقَّه الغافِلُون في اتِّباع الهَوَى والشيْطان.
يا بُني! أنت معني بالمحسنين والمسيئين! فقُل: ربَّنا تقبّل من المطيعين، وتجاوز عن العاصين، وبارك لكُلِّ المؤمنين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
مِن تَلبيس الحشوية: ادِّعاء إيمانهم بنُصوص الخِطاب على ظاهرها المُبين! والحق: أن تلك الظواهر: إنما هي ما ظَهر لهم بناء على زَيغهم المهِين. فيُقال لهم: ما ظواهركم إلا فِرية ادَّعَيْتُموها أنتم وأسلافُكم! ما أنزل اللهُ بها مِن سُلطان؛ إن تتَّبعون إلا الظَّنَّ وما تَهوَى أنفسُكم.
سُلُوْكُ “الْتَّصَوُّفِ الإسْلامِيِّ” مَطْلَبٌ شَرْعِيٌّ لِلْتَّحَلِّي بِالإحْسَان، يَقُوْمُ عَلَى حِفْظِ الإرَادَةِ لِلْرَّحْمَن. يا بُنَي! قِ “الإرادَة الصَّافِيَة” مِنَ الهَوَان، واعْلَم أنَّ سَنَن السُّلُوْك وَسِيْلَة حَكِيْمة لا غايَة! فلا يَفْتِنَنَّك الشَّيْطان.
سَنَنُ الْتَّصَوُّف السُّلُوْكِيَّةِ: قُرُبَاتُهُ الْبِنْيَويَّةِ، وَآثَارُهُ الإكْرَامِيَّةِ.
وِقايَة الإرادَة: بحِفْظ الوجْهة العَلِيّة! فتُعظم القُرُباتُ ويُتوجَّه بها إلى رب البرية، وتُشكر الكرامات ويُجتَنب فيها الأهواء الدَّنية.
قُرُبَاتُ الْتَّصَوُّفِ الْبِنْيَويَّة: أَعْمَالُهُ المَشْرُوْعَة في تَسْلِيْك البَرِيَّة، وهِي: العِبَاداتُ وَرِيَاضَاتُها الشَّرْعِيَّة.
آثَارُ الْتَّصَوُّفِ الإكْرَامِيَّةِ: شَخْصِيَّة، وَكَوْنِيَّة. فَالآثَارُ الْشَّخْصِيَّة: أَعْرَاضٌ نَفْسِيَّةٌ وَبَدَنِيَّةٌ، تُحْدِثُ إصْلاحَاتٍ وَتَطْوِيْراتٍ ذَاتِيَّة. وَالآثَارُ الْكَوْنِيَّة: خَوَارِقٌ عَالَمِيَّةٌ، تَتَخَطَّى سُنَنَ الْكَوْنِ الْعَادِيَّة.
لَيْس لله ﷻ حاجَةٌ في الوَسَاطَة والوُسَطاء الشَّرْعِيِّين؛ وإنما قَدَّرها للخَلْق لِيُكَبِّروه على ما هَداهم، وليَكُونوا مِن المُحْسنِين. قَالَ اللهُ ﷻ: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إلَيهِ الوَسِيلَةَ ﴾، فَتَبَارَكَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
الْحَاجَةُ إلَى “الْوَسَاطَة الْشَّرْعِيَّة” كَوْنِيَّةٌ لا إِلَهِيَّة؛ فمِنْ الْسُنَنِ: الْتَّفَاضُلُ وَالْسُّخْرةُ وَالْسَّبَبِيَّةُ. تَمَايُزُ سُنَن الكَوْنِ مَبْنِيٌّ عَلَى الجِنْسِ والنُّوْع والأهْلِيَّة، المَوْجُوْدَة بالفِطْرَة أَوْ الكَسْبِ والهِبَة الرَّبَّانِيَّة.
الآيات الخارقة لعادَة السُّرعَة لا تُعارِض تقرير النَّظرِيّة النِّسْبِيّة؛ فالأصل: خرْق عادة المُعجَزِيْن، وجواز غياب المَعرفة الفيزيائية.
حُدوث آيات السُّرعة بنحو “الإسراء والمِعراج” يثبتها في العَقلانية! وفِيْزيائيًّا: يَجُوز وُجُود سُرعة أعْجل من الضوء لم تَقِف عليها نظرية.
آفَّة أهل العُلوم المادِّيَّة: قَصْر إثبات العِلم على حُدُود مَداركهم المخْبَرية! والواقع يَدحض ذلك؛ إذ يَلْزَم إثْبات الموجودات الخارجية.
أَصْلُ الثَّوَابِت العِلْمِيَّة: أنَّ كُلّ مُدْرَك ثَابِت ولَيْس كُلّ ثابِت مُدْرَك (أي: بالأنْظار التحلِيلِية أو التَّجارب الاخْتِبارية).
أيها المُتخلفون عن الدِّيانة أو الاستقامة المُحَمدية! اعلموا أن دوافعكم (سواء كانت إهمالا واستخفافا أو كفرا وجحودا): إنما هي فتنة دُنيوية. وقَد نَبَّأ اللهُ من أخبار المتخلفين الأخرَوِيَّة: أَن ﴿ يَوَدُّ الذِين كفَروا لو كانوا مُسلِمِين ﴾! فاستقيموا واخلعوا ثوب الغفلة والحمية.
المَذْهَبِيَّةُ والافْتِرَاقُ فِي الأحْكام عَلَى سَبِيْل النَّظَرِيَّة النِّسْبِيَّة: كاخْتِلاف المُرَاقِبِ لِلأحْداثِ الكَوْنِيَّة. فالتمذهب: صح، حيث جاز اختلاف مواقع المراقبين المحدودة؛ رحمة بالبرية! والتفرق: بطلَ، إذ وجب اتخاذ موقع مراقبة واحد لإدراك الأحكام المعنية.
الْعِلْمُ _ عَادَةً _ يُدْرَكُ بِالإبْصَار، بِطَرِيْقِ الإقْرَارِ أَوْ الاخْتِبَارِ أَوْ الأَنْظَار. يُدْرِكُ ” تَصَادُقَ ” طُرُقِ العِلْم الحُكَمَاءُ الشُّطَّار، بَيْنَما يَلْجأ الغافِلُون للإنْكار؛ لِنَحْو حَمِيَّة قَد أَغْشَت الأبْصَار.
عُلَمَاءُ الفُرُوْعِ المُتَطَفِّلِين _ فَضْلا عَن الأدْعِياء والمَغْرُوْرِيْن _: آفَّةٌ عَلَى البَاحِثِيْن عن الصَّواب والحَقِّ المُبِيْن.
يا بني! إذا سَألْت عن اليَقين، فاسأل العُلماءَ المُخلِصين (الأحْرار الحاكمين وِفق أصول العلم المَتين)، القائمين على منهج الأئمة المعتمدين.
يَنْتَفِعُ المَيْتُ على الإسْلام بثلاثَة أشْيَاء: فُتُوْح البَارِي، وعَمَله الجَارِي، وهِبَات الأحْيَاء. فالصحيح: انْتفاع المَيْت بكافَّة قُرُبات الأحْياء البدنية والمالية والقولية (كالقُرآن والدُّعاء)، خلافا لمن يخصص بعضها بالآراء أو الأهواء.
مَنَافِعُ الْمَيْت عَلَى الإسْلامِ صِنْفَان: الْفَتْحُ، وَالْثَّوَابُ. مَنافِعُ الفَتْح: هِيَ هِبَاتُ الأحْيَاءِ مُدْرَجَة فِي فُتُوْح البَارِي، وَمَنَافِعُ الْثَّوَابِ: هِيَ آثَارُ صَالِحِ عَمَلِهِ الْجَارِي.
الْعَقْلُ يَقْهَرُهُ الْهَوَى! فَمَن لَمْ يَتَّقْه أُغْشِيَ عَنِ الْصَّوَابِ مِنْ حَيْثُ يَظُنُّ إصَابَتَهُ فَضَلَّ وَغَوَى. الوِقاية مِن الهَوى بالعِقال، وهو حَبْل أحكام تُقيِّد المَسارَ على كُل حال! لذلك قال : «لا يؤمِن أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبعا لِما جئت به».
المؤمنون بصِفات الله ﷻ العَلِيَّة: 1/ أهل الحَق (المُستَقِيمون على السُّنة المُحمدية) الذين يُثْبتونها مُقدَّسَة! فتُخالِف صفات البَرِية. 2/ أهْلُ البَاطِل (الزائِغُوْن عَن السُّنَّة المُحَمَّدِيَّة) الَّذِيْن يُثْبِتُوْنَها مُخَصَّصَة! فَتُوَافِقُ صِفَات البَرِيَّة.
تَجَلِّيَاتُ الْحَقِّ لِلْبَرِيَّةِ: مُكَاشَفَاتٌ بِأَحْكَامٍ إِلَهِيَّةٍ مُحْكَمَةٍ بَأَسْمَاءٍ قُدْسِيَّة. تَجَلِّيَاتُ الْحَقِّ بِالْنِّسْبَةِ لِلْبَارِي شُؤُوْنٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَبِالْنِّسْبَةِ لِلْخَلْقِ: أَحْوَالٌ مَرْعِيَّة.
تَجَلِّي الحَقِّ بالسُّلْطان (المُعَبِّر عَنه البَعض بالاتِّحاد) عِند الصُّوْفية: شأن إلهِي يُهَيْمِن على الصُّوفي بأَحْكَامه القُدسِيَّة. ليس في “تجلي الاتحاد” وِحدَة نَفْسِيَّة! فمَن تأوَّلَه باتِّحاد الوُجُوْد: جاهِل بالرُّبُوْبِيَّة، ومَن أنْكَرَه: جاهل بالعُلوم العَلِيّة.
الْعُقُوْلُ مَقْطُوْعَةٌ عَنْ أُمُوْرِ الْحَضْرَةِ القُدْسِيَّةِ، فَتُعْلَمُ بِالْمُكَاشَفَةِ وَالْفَتْحِ بِجَمْعٍ وقِرَاءَةِ عَلِيَّة. اجتِهاد البرية مُنكَر في تأوِيل الأمُور القُدسِية؛ إذ هو تَطفُّل بتَعَدٍّ عن حَجْب أو تعجُّل على المَعْرفة افتتانا بأهواء وظنون دُنيَوِية.
الْعِلْمُ البَشَرِيُّ: عَقْلِيٌّ، وَإِيْحَائِيٌّ، وَدِيْنِيٌّ. الإسْلامُ قَدْ أَقَرَّ أَنْوَاعَ الْعِلْمِ الْبَشَرِيَّة، وَهَيْمَنَ عَلَيْهَا بِالْحِكْمَةِ ضِمْنَ حُدُوْدِهِ الْشَّرْعِيَّة.
عِلْمُ المُتَصَوِّف على المِلَّة الإسْلامِية: إرْشَاداتٌ قُدْسِيَّة، وأَعْمالُهُ: قُرُباتٌ شَرعِيَّة، وأَحْوَالُه مُنَاسَبَاتٌ خُلُقِيَّة.
فائِدَة التَّصَوُّف الْصَّالِح: تَزْكِيَّةُ الْنَّفْسِ عَنِ القَبَائِح، وَالْقِيَامُ عَلَيْهَا فِي عَمَل الْمَصَالِح.
مِنْ بِرِّ الْمُؤْمِنِيْن: أَنْ يَكُوْنُوا دُعَاةً فَاعِلِيْنَ وَعُلَمَاء مُبَيِّنِيْن، دُوْنَ تَطَفُّلٍ أَوْ تَكَلُّفٍ مَهِيْن.
يا بُنَي! ﴿ادْعُ إلى سَبِيْل رَبِّكَ بالحِكْمَة والمَوْعِظَة الحَسَنة، وَجَادِل﴾ المُخَالِفِيْن ﴿بالَّتِي هِي أَحْسَن﴾ الآيَة [النحل:125].
الأمَلُ نَوْعَان: أَمَلُ قَصْد، يَتَعَلَّقُ بِمُرَادٍ دَنِيٍّ فَيُصَدِّقُ ظَنَّ الشَّيْطَان، أَوْ بِعَلِيٍّ يُصَدِّقُ حِكْمَةَ الرَّحْمَن. وأمَلُ أَمَد (بمُدَّة الحَياة الدُّنْيا)، يَتَعَلَّقُ بغَفْلَةٍ فَيُضَيِّع العَمَلَ والإيْمَان، أَو بتُقَىً يَحْفَظُ الطَّاعَةَ والإحْسان.

الأمَلُ مُقَدِّمَةُ الأعْمَالِ، وَهُوَ: رَغْبَةٌ مَنُوْطَةٌ بِالأفْعَالِ، تُشْحَذُ بالذِّكْرِ وَتُنَكَّرُ بالإهْمَال. يَا بُنَيَّ! لا تَكُنْ فِيْ آمَالِكَ مُتَدَنٍّ، واعْلَمْ أَنَّ الأمَلَ الْمُنْكَرَ تَجَنٍّ، وَالْرَغْبَةَ بِلا عَمَلٍ تَمَنٍّ.

مِنْ دُرُوْس الهِجْرة النبَوِية: بيان فَضْل “الاعتِداد بالسُّنَن الكَونِية”، وأنَّه الأصْل في سُلُوك الأوْلِياء فَضْلا عن سائر البَرِيَّة.يا بُنَي! إنَّ السُّنَن الكَونِيَّة نِظامٌ مُحْكَم بالتَّجَلِّيات القُدْسِيَّة، فالاعْتِداد بِه مِن رُشْد العَقْل وإحْسانِ العُبُوْدِيَّة.

مُخالفة عادة “السُّنَن الكَونِية” لا تُعْرَف إلا بالأذُوْن القُدْسِية، فمن خالفها بدُوْنها: إنما يتَّبع المُتشابهات أو الوَساوس الشيطانية.يا بُنَي! إنَّما يُفَوِّضُ مَنْ عَقِل، ويَحْتَسِبُ مَنْ عَمِل، فَمَن تَخَلَّفَ عَن عَادَة في حَقٍّ دُوْن إذْن: إنَّما هُو زائِغ أو هَامِل.

مصيبة الأمة الإسلامية: في زعماء تستأثر السلطة الحاكمية، فتستبيح الفرقة الأممية! وشيوخ تستأثر السلطة الدينية، فتفتي بإباحة الحرمات الشرعية!المُستأثِرُون بالسُّلطة المُتَّسعة جُسَّار، والمُصادِرون للسلطة الشرعية أهلُ استكبار، والمُستبيحون للحُرُمات الشرعية مُحارِبون للجَبار.

مَكارِمُ الأخلاق بيْن المُسلمين: فَرْض حَثِيْث! ومَن اعتَبَر أن النِّزاع يُسقِطها، ويَتعدَّى إلى انتِهاك الحُرُمات: إنما هو مُفتر خَبِيْث.قال ﷺ: (إياكُم والظَّن؛ فإنه أكذَب الحديث! ولا تَحَسَّسُوا ولا تَجَسسوا ولا تحاسدوا ولا تدابَروا ولا تباغَضوا، وكونوا عِبادَ الله إخوانا).

التَّعْوِيل على “الرَّأْي المُمْكِن” لانتِهاك الحُرُمات: صِفَة شَيطانية، وإسْقاط حُرْمَة المُخالِف لِرأيِه المُمْكِن: صِفَة فِرْعَونِيَّة.

الرأي المُمكن: هو المَذهب المُحْتَمَل في فِقه الخِطاب! فالمَبنِي على المُتشابه: زيغ، أو على الغَفلة: فخطأ، بينما المبني على المُحكم: صواب.

أَقْبَحُ البِدَعِ الضَّلالِيَّة: التَّقَوُّلُ عَلَى الحَقِّ بِاسْم إثْبَاتِ البَيِّناتِ الدِّيْنِيَّة أو إقَامَةِ الأحْكَام الشَّرْعِيَّة!

يا بُني! لا تُقَيِّد دلالةَ الخِطاب وحُدُوْده بالمَفاهِيْم المَذْهَبِيَّة؛ فذلك يُفْضي إلى التقول علَى أحكاِمه وانتهاك حُدُوْده المَرعِية.

الحِكْمَةُ فِي تَشْبِيْه المُؤمِنِين بالْجَسَد: أنَّه ” كَيَانٌ واحِدٌ ” مَبْنِيٌّ مِنْ أَعْضَاء مُخْتَلِفة في النَّوْع والحَالِ والعَدَد.يا بني! لا تفرّق، فشأنك مُتَمّم مع الغَير؛ كما في خَبر: « المُؤمِن القَوِي خَيْرٌ وأحَب إلى الله مِن المؤمن الضَّعِيف، وفي كُلٍّ خَيْر ».

الاحتِيال علَى الشارِع لتَقْرِير الأهْواء والآراء: دَمَار؛ في الخبر: « فَمَن قَضَيتُ لَهُ بحَقِّ مُسْلِم، فإنَّما هِي قِطعَةٌ مِن النار ».المحتالون في طَلب الشرعية: زائغ يتَّبع المتشابهات لغاية نفْسية، وجاهل يُقيِّد الدلالة بمعارفه الظنية! كما في تسويغ انتهاك حُرمات البريَّة.

الْتَّقْوَى: خُلُقٌ يَعْصِم النَّفْسَ مِن المُؤاخَذات، بحِفْظ الأعمال المَعْرُوْفَة واجْتِنَاب المُنْكَرات.

التَّقْوَى عَامَّة: تَقُوْم علَى الحُقُوْق الشَّرْعِيَّة، فتَحْفَظ الطَّاعات! وتَامَّة: تقُوم على الحُقوق الخُلُقِيَّة، فتَحفَظ القُرُبات.

الخَضِر _قُدِّس سِرُّه_ ولِيٌّ، وقد أخطأ مَن رجَّح لقَرينة ﴿مافعَلْته عن أَمْري﴾ أنه نَبي؛ فالوحي المُقَيّد للأولياء أثبته الخطاب الشرعي. بَيِّنات قِصة الخَضِر _قُدِّس سِرُّه_ تُؤكِّد الوِلاية وتَنفي زعمَ نُبوَّته! والمَقصود من ذِكْر ولايتِه: بَيان الصواب، وإعمال دلالات قصته.

لَيَتَّقِيَن اللهَ أصحابُ المَنابِر الرَّمزِية والخطابيَّة، أو لَيَتَردَّين في نار يهوِي بها الغافلُ سَبعين خَريفا بنُطْق كَلِمة دَنِيَّة.

يا بُني! لا تَتَجَرَّأ علَى الأحْكام، ولا تَتَعَدَّ علَى ما وَسِعَه الإسلام، ولا تُؤذِ نفْسَك بسُوْء بَيانٍ أو تَتَبُّعٍ يُؤْذِي الكِرَام.

مَعاصِي البَشَرِيَّة: لَها آثارٌ تفاعُلِيَّة! وهِي: نَفْسِيَّة، تَسْتَدْعِي مَلامَةً تَربَوِيَّة! وشَرعِيَّة، تَستدعي مُحاسَبَة قَضائيَّة!المَعصِيَة النَّفْسِيَّة: تَخَلُّفٌ عَنِ الأحْكَامِ التَّخْيِيْرِيَّة! والمَعصِيَة الشَّرْعِيَّة: تَخَلُّفٌ عَنِ الأحْكَام الإلزَامِيَّة.

المخالَفات الشرعية:

1/ اجتِهادية: هي خطأ في حُكم المُؤَهل! فلا يُعتبر معصية إلا إذا فَسدت النية، رغم بطلان الحكم المَعني وآثاره الكَسبية.

2/ عَمَلِيَّة: هي تَخَلُّف عن صَغائر وكَبائر الأحكام الشَّرْعِية، سَواء فِي المَسائل العِلْمِيَّة أو الفِعْلِية! فيَستدعي مُحاسَبة قَضائية.

آثَارُ الْمُخَالَفَاتِ الْبَشَرِيَّةِ الْشَّخْصِيَّةِ:

1/ ذَاتِيَّة، تَعُوْدُ عَلَى نَفْسِ الْمُخَالِفِ بِتَبِعَاتِهَا الْسُّنِّيَّة.

2/ سُلُوْكِية، تَعُود على المخالِف _لضياع مطلوب_ بمشَقَّة إضافِيَّة، إما للاستِرداد أو التَّعويضِ (بمُكتَسَبات أو ابتِلاءات تَناسُبِيَّة).

حَيَاةُ الإنْسان الدُّنْيَوِية مُقَدَّرَة بالحِكْمَة الإلهِيَّة، فمُكْتَسَباته وحُظُوظُه مُوَزَّعَة على حَياته وِفْقَ تَجَلِّيات قُدْسِية.يا بُني! تخلُّفك عن الحُدُود يخرِق نُظُمَك الشخصية، فيَجلِب لك مَشَقة الإصلاح ويحرمك حظوظا أو درجات علِيَّة، وإلا فسُوء العاقِبة النهائية.

الدَّعوَة الإسلامِية: أُمِّيَّة! تَتَّسِع للاخْتِلاف المَشْرُوع والمُحْدَثات الفَرْعِية، وتُمَيِّز بيْن الأحكام الشَّرْعِية والمَذْهَبِية.يا بُنَي! لا يَغُرَّنَّك دَلِيْل أُوْلِي “الدعوة الإلْغائية”؛ فإنَّما هم يَتزينون به في مَعْرِض اتباع المُتشابه لافتتانهم أو لفتنة البرية.

دَعْوَة الإسلام التشرِيعِية: تَفْصِيلِية؛ تَعلَّقت بعَمل حاضِر، والمُكلَّف! وإجمالِية؛ تَتَعلق بعمل غائب، وفروع يجوز أن يُحْدِثها الخَلَف.لذلك قال مُحْيِي السُّنة الإمام الشافعي رضي الله عنه في حَد اتباع الخَلَف:” كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة، ولو لم يعمل به السّلف “اهـ

مُحْدَثُ الخَيْر المُسْتَنِدُ علَى دَلِيْل مُعْتَمَد: مَشْرُوْع (تَسْرِي عَلَيه أَحكامُ المَعْرُوف) ولو لم يَعْمَل بِه مِن السابقِين أحَد.وذلِك مُقْتَضَى خَبَر « السُّنَّة الحَسَنَة » ونَحْوِ حَدِيْث: « مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنا هَذا ما لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَد »[متفق عليه].

وَصْفُ الفارُوق بِدْعَتَه بالـ “أمْثَل”، يُبَيِّن أن نِسْبَة “إنكار البِدْعة الحَسَنة وفَضْلها” إلى السَّلَف والسُّنَّة: تَقَوُّل أَقْحَل. وقوله “نِعم البِدعة” عن فعل الناس بدعته الأمثل، يُقيَّد في أصول العلم: بيانُ دلالة خبر السنة على البدعة وفضلِ الحسنة بإجماع السَّلف الأول.

فَضْل “إحياء يوم المَولِد النبوي” تَقَرَّر بالسُّنَّة؛ لصيام الاثنين! ودلالته على أن “يوم المولد” مِيقات جامع لذِكر النعمة والفرح بالمِنة. ولذلك ثبتت سنة الإحياء الأسبوعية، ولغيره أن السنوية مشروعة! يا بُني، فأحيِه اتباعا للسنة الشرعية، وأعرِض عن المُنكرِين والأعمال المَمنوعة.

مَثَل الواقِف على خبر “البدعة الضلالة” لإنكار المُحدثات الحسنة وفضلها في الدين: كالواقف على آية ﴿ إن الإنسان لفي خسر ﴾ أو ﴿ ويل للمصلين ﴾. يا بُني! إنّ مُنكِر البِدعة الحَسنة مُتَقوِّل على الدين، والمُعرِض عنها لدَندَنة المنكر متبِع للزائغين، فاتَّقْهما والزَم سَبيلَ المؤمنين.

إن إنكار المُحْدَثات الشَّرْعِية في “سُنَّة إحْياء المَوْلِد النَّبَوي”؛ بذَرِيعة عَدم الفِعل أو النَّصِّ التفْصِيلي: غُلُوٌّ في الدِّيْن. إن كَمال وحِفظ الدِّيْن مُتَعلِّق بأحكامه الإجمالِية كالتفْصِيلية، فالمُحْدَث المُسْنَد إليها: له حكمها في بلاغ وشريعة السُّنة المُحَمدية.

إنَّ “إحْياءَ يوم المَوْلد النبَوِي” شِرْعَة رَبَّانِية، فإحْياؤه طاعَة إسلامية، والأعمال الخَيِّرَة المَقْصُوْدة لِحَقِّه قُرُبات شرعِية. ربنا إنا سمعنا فضل إحياء يوم المولد النبوي فأسلمنا مؤمنين، فاكتبنا من الشاهدين، وتقبل منا أعمالنا فيه وشفعنا في المفتونين ومصالح المسلمين.
أشَرُّ المُحدَثات الضالَّة المُضِلة للمسلمين: بِدعة “تَعطيل الشريعة”؛ بقَصْر أدلتها على وَقائع السُّنة، فضلا عن مُضاهاتها بوقائع السابقين! يا بني! لا يَغُرنك المُعَطِّلون بادعاء الاقتِداء بالوقائع السابقة أو النبوية؛ فوقائع السنة: تطبيقات بيانية تقوم على مبادئ الإسناد الشرعية.
خَلَقَ اللهُ ﷻ الزَّمَنَ مِقْدارا لأحداث الخَلْق في المَكان، وجعله شاهدا على أحوال الإنسان، فكانت أعمار الناس: مدة ابتلائهم للسلوك بإحسان.
يا بُني! إن وقت “رأس السنة الشمسية” قد جعله كثير من الناس ميقات مفاسد علمية وفعلية، فاحذر من مُشاركةٍ أو مُطالَعة تُصادِم الرسالة الإلهية.
إن “الأعمال المُستَنِدة”: مشروعة، ولها حُكم عَمَل المُسْنِد في المَآل! فالعَمل المُستنِد _ولو لم يَقَع سابقا_: سُنَّة، وليس بِدْعةَ ضَلال. دَليله: تشريع العمل بمقتضَى المستنَدات، والحث على سَن الحسنات، وإقرار الشارع المُطْلق لمُحدَثات، وتعليله السكوت بالعفو، والتَّرك بالرحمات.
تَقْرِيْرُ الْعِلْم (فُرُوْعًا أَوْ أُصُوْلا): إنَّما يَصِحُّ بِقِيَام الحُجَجِ والبَراهِيْن، لا بِما يَتَراءَى مِنْ نُفُوْس المُدَّعِيْن. يا بني! لا يَغُرنك الأدعياء ولو كانوا ظاهِرين؛ قال الله ﷻ ﴿وإن تُطِع أكثر مَن في الأرض﴾ أي الجاهلين ﴿يُضلوك عن سبيل الله﴾ أي “علم اليقين”.
يُطْلَقُ “اليَقِيْن” علَى “العِلْم” للإثْبَات، ويكون بَدَلا أَو مُضَافًا: فالبَدَل (اليَقِيْن): يَعْنِي الْعِلْم التَّامّ بالْشَّيْء. والمُضاف أنواع:
عِلم اليقين: هو العِلْم الحاصل بالاجتهاد الصحيح.
عَيْن اليقين: هو العِلم المَكْشُوف.
حَقّ اليقين: هو العِلم المُزَاوَل.
عِلْمُ اليَقِيْنِ فِي “أَحْكَام الدِّيْن” طَوْران: وَحْيُ الْقُرآن (لُغَةً، وهُوَ فِي الإسْلام: الكِتَاب وَالسُّنَّة)، وَفِقْهُ البَيَان. يا بني! يَحترمك؛ مَن التَزم البينات، وصرَّح بالنَّص والتأويل! ويُسَفهك؛ مَن اتبع الشبهات، وحشا فقهه على التنزيل! فالزَم الحق ودع الأباطيل.
اليَقِيْنُ عِنْدَ الْصُّوْفِيَّة: أَخْلاقُ الْمُتَصَوِّفِ الْكَسْبِيَّة، وَوَسِيْلَةُ التَّجَلِّيَاتِ اللَّدُنِّيَّة. اليَقِيْنُ الصُّوْفِي الخُلُقِي قِسْمان: اسْتِقْرارُ النُّوْر! وَعَلامَتُه: الاطْمِئْنان. اسْتِمْرارُ الْحُضُوْر! وَعَلامَتُهُ: الإحْسَان.
رُتَب أنوار التصوف اليقِينية: عِلْم اليقين (للمُدرَكات العلمية)، فعَين اليقين (في المُشاهَدات الغيبية)، فحَق اليقين (بالتجليات القُدسِية).
رُتب العِلْم اليقِيْنِيَّة مُتساوية بين أفراده الإضافية! فتتفاضل بالتعددية، ويكون أفضلها: اجتماعها المُساوي لـ”اليقين” في مَوضع البَدَلية.
الاختِلاف ثلاثة أنواع عِلْمية: التكذيب (الكُفْر بالبيِّنات)، والغَفلة (الانحِراف لشُبهات)، والمَذهبية (التنوع لِسِعة الدلالة والاحتمالات). يَتَرتب على التَّكذيب الفرقة العَقَدِية (الأُمِّية)، وعلى الغَفلة: الفرقة السُّلُوكية (الطائفِية)، وعلى المَذهبِية: الرَّحمة والأفْضَلِية.
شهد سيدنا رسول الله محمد ﷺ لمن شهد الشهادتين على الإجمال مؤمنا بالإسلام عند ربه، فمن أنكر إسلامه لقيود تأولها أو حشاها عليهما غافل كفَّار. قال ﷺ: «ما مِن أَحَد يَشهَدُ أَنْ لا إلَه إلا اللهُ وأنَّ محمدًا رسولُ الله صِدْقا مِن قَلْبه، إلا حَرَّمه اللهُ علَى النار» يعني: خُلودا.
إن “الشهادة الإسلامية” تُقَرِّر إسلامَ الشاهِد بحُدُودها الإجمالية! ويكون مَسؤولا عن التكاليف الشرعية، وناسخا لإسلامه بالأعمال الارتدادية.
اتِّكال المُسلم على “الشهادة” للنجاة مع تَضْييع تكاليفه محفوف بالأخطار؛ فالمُضَيع عرضة للافتتان وسوء الخاتمة، فضلا عن استحقاقه عذاب النار.
أَصْل انْحِراف الغَافِلِين: “مُفارَقة سَبِيْل التَّبْيِيْن” في فِقْه ألفاظ المُخاطِبِين، و “خَلْط صِيَغ الخِطاب بمُصطلَحات المُبَيِّنِين”. يا بُني! لا يَغُرَّنَّك رُجوع وتَمْرير الغافلين للخِطاب؛ فقد تقرر: وقف إدراك مطلبه على المُبَينات، ووُجوب اتباع المُبيِّنين لعِلْم الصواب.
الحَقُّ: أن المُخالِف يبقى غافلا ما دام بريئا من قصد تكذيب البيِّنات، ومُسلِما ما دام بريئا من الردة المقصودة أو اقتراف بَيِّن الارتدادات. يا بُني! لا تُؤذ المسلِم للرحمن، وفِرَّ من تكفيره كما تفرُّ من النيران؛ فإن الخطأ في حِفظ عُروة الإسلام تُقَى، بينما خطأ انتِهاكها عُدوان.
اسْتِحْقَاقُ “الحُكْم الشرْعِي” يترتب على “الاقتراف”، لا على الالتزام والاعتراف؛ في القرآن: ﴿أَن تَحْبَطَ أَعْمالُكم وأنتُم لا تَشعُرُون﴾. القَضَاء في “الحُكْم الشرْعِي” نَوعان: قضاء إنْسانِي، يَتَعلَّق ببَيِّن المَظاهِر! وقضاء رَبَّاني، يَتعَداه إلى الآثار والضمائر والسرائر.
الأعْمالُ: وَضْعِيَّة، تَتَعَلَّقُ أَحْكَامُها بالاقْتِراف المُبِيْن! أَوْ قَصْدِيَّة، فَتَتَوَقَّفُ أَحْكامُها علَى إرادَة المُقتَرِفِين. يَتَرَتَّب على التفْريق بين “الأعمال الوضعية والقصدية” في مُخالَفة الحَق: تَمييز المُلزَم مِنَ المُستثنَى مِنْ حُكم المُخالَفة، عند الخلق.
الْشُّبُهَاتُ لا تُسَاوِي الْمُحْكَمَاتِ! وَمَهْمَا تَخَيَّلَ الْزَّائغُوْنَ مُضَاهَاتَهَا تَبْقَى وَاهِنَةً كَبُيُوْتِ الْعَنَاكِبِ. يا بني! لا يَغُرنك غُلو متأخري الحشوية (أدْعِياء السلفية) في المُتشابه لافتتانهم، أو لنَفْي انحرافهم في الإلهيات؛ فالعِلم يكشفهم لكل طالب.
بِئْس العبدُ عبد نسَب إلى المَراجع الشرعية تقريرَ الشِّبه النفْسي للباري بالبرية، وعُيوب عَرَضِية قُدسية؛ متخيَّلا التنزيه لقُيود لَغْوية! يا بُني! إن شِبْهَ الخَلْق والعَيْبَ: نقِيْضَا الإلهية! فلا تَغتر باستدلال أو قُيُود إثباتية؛ فتَقرير الدلالة حشو، وقُيود التنزيه جاهِلية.
بِئْس العَبدُ: عَبْد أَثبَت “حُكْمَ المُتَشابَه عليه مِن الخِطاب” مُعارِضًا المُحْكَمات، وزَعَم أن المُنْكِرين عليه مُعَطِّلون للبَيِّنات! يا بني! لا يغرنك ادعاء المُشتبِه “إثبات الوارد” بحكمه، وأن “الإنكار تعطيل”؛ فمقتضى الوارد مرَده للمحكم الجليل، والمُنكَر بيانه لا التنزيل.
نُبوءة الوَحي بجاهِلية المُسلِمين: تُبَين “مفارقتهم سُبل العِلم في فِقه الدين”؛ سواء بالتطفل على التبيين أو الإعراض عن الأئمة المُعتَمدين. يا بني! لا يَغُرَّنك زَعمُ اعتماد العِلْم وعُمْدة الإمامة عند المُخالِفين؛ فالعلم يكشف انحرافهم المَهين، والعُمدة صِفة الأئمة المُستقيمين.
التمَيُّز والامتِياز وصفان للأمثال المُتفاوتين؛ فالتميز تنوع (بوُجود خَصائص إضافية في المُتميزين)، والامتياز تفوق (بحُسن تصرف المُمتازين).
أَسْبَابُ تَمَيُّزِ الْبَشَرِيَّةِ: الأَهْلِيَّةُ، وَالآلِيَّةُ، وَالْوِلايَةُ الْمَهْدِيَّة، وَالْهِبَةُ الإلَهِيَّة.

“ذِكْرُ المُبتَدِعَة بإيْجابِية فِتْنَة للرَّعِية”، لاسِيما إن كانوا دعاة للبِدْعة، فضْلا عن كونِهم أئمة أو يُغرَّر ببدعتهم بيْن البَرِية. يا بني! لا يَغُرَّنك الشياطينُ بالإحسان في ذِكْر المُبتدعين؛ فذلك: تَلبيس وغلو، فضلا عن كونه إساءة للمُنكِرين من الأئمة والعلماء الصالحين.
الإجْمَاعُ: اتِّفَاقُ حُكْمِ المُجْتَهِدِيْن المُعاصِرِيْن فِي الأمْر المُبِيْن! وهُو مُنْبَثق من الوَحْي كمَصْدَر مُحْكم لأحكام الدِّيْن. يا بني! لا يغرنك مُنْكِرٌ لحُجية إجماع المسلمين، ولا متأخرٌ عنهم ينقُضُه بفقه تراءى له فيما اشتبه عليه من نصوص الدين، والزم سبيل المؤمنين.
الْغَفْلَةُ عَنِ الْحُجَّةِ الْشَّرْعِيَّة لَعْنَةُ الْكَذِبِ وَخَتْمُ الْزَّيْغِ وَمُصِيْبَةُ العَمِّيَّة. يا بني! أهل الفِرَق مقتنعون بمذاهبهم ويرون فيها تابعية، وكذلك كان أهل الجاهِلِية! فاسْمع وأبصِر واعقِل؛ لعلك تُلْحَق بالفِرقة المَهدِيَّة.
الْغَفْلَةُ عَنِ الْفَوَارِقِ فِتْنَةُ الْمُفَارِقِ (الْجَاهِلِ وَالْمُعْجَبِ وَالْمَارِق). يا بني! الفَهم سُنة العاقلِين، وكل عاقل مُعَد لفهم التبيِين، لكن ليس كل فهم فِقه ومُبِين! فاتَّبِع المُبيِّنين، وأولاهم الأئمة المُعتمدين.
الْغَفْلَةُ عَنْ حِكْمَةِ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ (الإلَهِيَّةِ) فِتْنَةُ الْمُغْتَرِّيْنَ بِالْظُّنُوْنِ والأَهْوَاءِ الْنَّفْسِيَّةِ. يا بني! لا تغتر بالأحوال المُعارِضَة لِليَقين؛ فإنها من أسباب “مشقة استقامة المُتّبِعين” و “إعاقة نفوذ الحكمة” مَناط تحقيق مصالح المكلفين.
الْغَفْلَةُ عَنْ “عِلاقَةِ الْعَقْلِ بِالْنَّقْلِ” فِتْنَةُ الْمُستَضْعَفِيْنَ وَغِرَّةُ الْضَّالِّيْنَ. العَقْل والنَّقْل مُتَّفِقان! فالتَّعارُض بَيْنهما إنما يَقَع لِعارِضِ ظَن أو هَوَى أو وسْوَسة شَيطان، وهُو المُنكَرُ عِنْد أَهْل الإيمان.
الْغَفْلَةُ عَنْ الفَرْقِ بَيْن الإبْداعِ والابْتِدَاعِ فِي العُلُوم (لاسِيَّما الدِّيْن) فِتْنَةُ المُتَطَفِّلِيْن وشُبْهَة الزَّائِغِين. يا بُنَي! الإبْداع بَيانٌ مَعْرُوْف مُفَضَّل، فلا يَغُرَّنَّك المَفْتُونُون بإنكار حُدُوثه أو شُبُهات حوْل عدم وُقُوعه في الرَّعِيل الأول.
الْغَفْلَةُ عَنْ الْمَسْؤُوْلِيَّةِ فِتْنَةُ الْمُفْرِطِيْنَ والْمُفَرِّطِيْنَ بِالأُمُوْرِ الْمَعْنِيَّةِ. يا بُنَي! لا يَغُرَّنَّك المُنحَرِفون بالدَّعاوَى والأعذار التي يَعْتَمِدُونها لتَسْوِيْغ الإخْلال؛ فَكُلُّ حُكْم خالَفَ الحِكْمَةَ ضَلال.
الْغَفْلَةُ عَنْ الْفَرْقِ بَيْنَ “البَلاغِ” وَ “الفَهْمِ” وَ “الفِقْهِ” في التَّبْيِيْن، آفَّةُ المُضَلَّلِيْنَ وَشُبْهَةُ الزَّائِغِيْن. يا بُنَي! لا يَغُرَّنَّك اسْتِدْلالُ المُخَالِفِيْنَ بخَبَرٍ عَنِ الصَّادِقِيْن، فالدَّلالَة الشَّرْعِية لا تَثْبُت إلا بالفِقه المُبِيْن.
الأدلة الشرعية: إجمالية وتفصيلية!
الأدلة الإجمالية: هي النُّصوص السَّمعِية المُتعلقة بالمبادئ العِلْمية، والدلالة على الأحكام الكُلِّيّة. الأدلة التَّفصيلية: هي النُّصُوص السَّمْعِية المُتَعَلِّقة بالمَسائل المَعنِية، ودلالتِها على أحكامها الجُزْئية؛ وِفْق الدلالة الإجمالِية.
النُّصُوصُ السَّمْعِية تَحمِل بَيِّناتِها المَعْنِية، ويَحتَمِل مُعظَمُها مُنْفَصِلا شُبْهةَ الغافِلِين المُنكَرة بالمُحْكمات الشَّرْعِية. الْمُحْكمَاتُ الْشَّرْعِيَّةُ: نُصُوْصٌ سَمْعِيَّةٌ نَصِّيَّةٌ، وَمُقَرَّرَاتٌ بَيَانِيَّةٌ قَطْعِيَّةٌ.
مَنْهَجُ “أَهْل الْحَقِّ” يَقُوْمُ عَلَى التَّوْفِيْق؛ بِتَصْدِيْق الأَدِلَّة الْشَّرْعِيَّة بَعْضُهَا بَعْضًا فِي تَقْرِيْر البَيَانَاتِ. مَنَاهِجُ “الْمُخَالِفِيْن لِلْحَقِّ” تَقُوْمُ عَلَى الْتَّلْفِيْق؛ بِاتِّبَاعِ الْهَوَى وَالْمُتَشَابَه وَالْحَشْوِ فِي الْمُسْتَنَدَاتِ.
الْعَادَةُ فَاتِنَةٌ. يَا بُنَيَّ! احْفَظِ الْحُقُوْقَ مَعَ الْعَادَاتِ، فَلا تَغُرَّنَّك أَحْوَالُهَا فَتُضَيِّعَ الْمَسْؤُوْلِيَّات.
الْسُّنَّةُ دَائِمَةٌ. يَا بُنَيَّ! اتَّقِ الْحُقُوْقَ مَعَ الأفْعَال، وَلا تَغُرَّنَّك أَحْوَالُ التَّهَتُّكِ فَتَغْفَل عَنِ الْمَآل.
فَضْلُ شَهْرِ رَجَب ثَابِتٌ فِي أَصْدَق الكَلِم؛ قال الله ﷻ: ﴿ إنَّ عِدَّة الشُّهُور عِنْد الله اثْنا عَشر شهرا .. منها أَرْبَعَة حُرُم ﴾. وقال سيدُنا رسول الله محمد ﷺ: « شعبان شهر “يغفل الناس عنه” بين “رجب” ورمضان »[صحيح، النسائي]، فأثبت شِرعَة الاجتِهاد فيه بالسُّنن الحِسان.
فِقْهُ الْلَّفْظِ (المُبِيْن لِلْمَقَاصِدِ الْمَعْنِيَّة) مُقَيَّدٌ بِقَرائِنِهِ الْبَيَانِيَّة. الْقَرَائِنُ البَيَانِيَّة: المَعَانِي اللُّغَوِيَّة، وَالسِّيَاقَاتُ الذَّاتِيَّة، وَالأذْكَارُ السَّمْعِيَّة، وَالحُدُوْدُ العِلْمِيَّة.
الْصَّفَاءُ قُرْبَةُ الْمُرِيْدِيْنَ الْصُّلَحَاءِ، وَخُلُقُ الْمُرَادِيْن الأوْلِيَاءِ. الْصَّفَاءُ يَجْلِبُ الْسَّعَادَةَ وَيَدْرَأ الْشَّقَاءِ! يُيَسِّرُ الْهُدَى، وَيَقِي مِنْ ضَلالِ الآرَاءِ وفِتْنَةِ والْبَلاءِ.
الْمَعلُوْمَاتُ الْنَّافِعَةُ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْعَالِمِيْنَ، فَكَتْمُهَا ظُلْمٌ مُبِيْنٌ. يا بُنَي! إذا فُتِح عَليْك بعِلْم نافِع فبَلِّغ المَعنِيِّين؛ فذلك من حُقُوق الحِفْظ والعِمَارة والدِّيْن، لاسيما إن كنت من المُكَلَّفِين.
ضَلالاتُ بِدْعَة “إنْكار التَّوَسُّل بالصُّلَحَاءِ” يَجْمَعها: الافْتِراءُ، والالتِوَاءُ، والإسْوَاءُ (تَشْبِيْهُ الصُّلَحاء بالشُّرَكاء). لقد ثَبت فَضل التوسل بالصلحاء، بينما كل دليلٍ ذَم التوسلَ خاص بالشركاء! فالاشتباه لإنكاره زيغ، وإلحاقه بالمذموم جهل، وتشبيه مسائله ازدراء.
أَدِلَّة “التَّوَسُّل بالصُّلَحاء” ثَبَتَت بالإصْدار (في القَوْل والفِعل والإقْرار)! وأَصْلُها المُجْمل: آية ﴿ابْتَغُوا إلَيه الوَسِيلَة﴾. حقيقة ما تشابه على الزائغين من الأسانِيد: التحديد (باليقين والتوحيد)، وما التووا فيه: التبعيد أو التأييد! وما أحدثوه (كالتقييد) ضلال أكيد.
طُرُق “التوَسُّل بالصُّلَحاء” نوعان: تَوسل قوْلِي: هو ذِكْر الوسِيلة في الطَّلَب، ويَقع بالتوسل بالشيء (الطلب به) وتوْسِيله (الطلب بطلبه). تَوَسُّل فِعْلِي: هُوَ مُبَاشَرَة الوَسِيْلَة في الطَّلَب، ويَقَع باستِقْبال الشَّيْء أو مُجاوَرَته أو مُلامَسَته أو استِعْماله للْطَّلَب.
شِرْعَةُ “التَّوَسُّلِ بالْصُّلَحَاء”: سُنَّةٌ عَلْيَاء؛ حِكْمَتُها البَيْضَاءُ: الإبْدَاء، والإِدْنَاء، والجَدَاء. 
‏قال الله ﷻ: ﴿ نَرفَعُ دَرجات مَن نَشاء إنّ رَبَّك حَكِيم عَلِيم ﴾[الأنعام:83]، ﴿ قُل إنّ الفَضل بِيَد الله يُؤتِيه مَن يَشاء ﴾[آل عمران:73].
رِحْلَة “الإسْراء والمِعْراج” مُعْجِزَة حَقِيقية، وَقَعَت لمُناسَبَة الظُّرُوفِ الشَّخْصِية والدعَوية، واشْتَمَلَت على خَصائص مُحَمَّدِية. 
‏من دلالاتِها العَلِية: إمكانُ وفائدة تصريف السُّرعات الزمنية، واتِّصال الحياة البرزخية، وإثبات التراتُب والسَّببية، وفَضْل الصلاة الشرعية. 
أمانُ الإيمان بالله ﷻ للبَرِية: حِفْظ الفِكْر في مُتَعَلَّقات الصِّفات الإلهية؛ لمُخالَفة النَّفْس القُدسِية، وعَجْزِ الأبْصار الكَوْنِية. 
‏الحُجَج العَقلِية والنَّقلية اللاهُوتية مَنصُوبة للدَّلالة على ثُبوت الله ﷻ “إله البرية”! فتتصل بثوابت الوحدانية، وتنقطع عن إدراك الماهية. 
شَعْبَان: شَهْرُ الفُرْقَان! شَهْرٌ أَحَبَّهُ سَيِّدُنَا رَسُوْلُ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ وَنَدَبَ فِيْهِ الإحْسَان. 
‏يَا بُنَي! اتَّقِ الْغَفْلَة فِي شَعْبَان، فَاسْتَمْسِكْ بِالْعُرْوَةِ الوُثْقَى لِلرَّحْمَن، اجْتَهِدْ بِالْبِرِّ وَجاهِد الْعِصْيَان. 
ليلة النصف من شعبان: ليلة الفَرْق المَحْفُوف بالغُفران! ليلة مُباركة بجَلاء القرآن القُدْسي لسيدنا رسول الله محمد ﷺ؛ كما في آيات الدُّخان. 
‏وفي صحيح البَيان: «يَطَّلِعُ الله على عِباده [حينها] فيَغفِرُ لجميع خلْقه إلا لمُشرك أو مُشاحِن» في العصيان. فسارعوا بالمُوقِيّات الحِسان. 
“دُعَاءُ الكِتَابَة” المُتَّخَذُ لَيْلَة النِّصْف مِن شَعبان ثابِت عن صحابَةٍ أخْيار، ولَه حُكْم المَرْفُوع لاشْتِماله على نَبأ الآثَار. 
‏وإنَّما اتُّخِذَ حِيْنَها لمُوافَقَتِه سُنَّة المُخْتار ﷺ، ومُقْتَضَى “ذِكْر الفَرْق” الحَاثِّ علَى طَلَب الرَّحْمَة بالأقْدار. 
الْتَّذْكِيْرُ يَقْتَضِي التَّدْبِيْر؛ قَالَ اللهُ ﷻ: ﴿ وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾[القَصَص:51]. 
‏يَا بُنَي! اتَّقِ التَّغْرِيْر! فَاصْبِرْ علَى التَّبْرِيْر، وَلا يَفْتِنَنَّكَ الشَّيَاطِيْنُ، وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ. 
فِتْنَةُ “طَلَب البَرِيَّة” يَقُوْمُ علَى الجَهْل بأَحْكام الصِّفات القُدسِية، والاغْتِرار بالأحْوال النَّفْسِية والوَساوِس الشَّيْطانِية. 
‏يا بُنَي! إن وُرُوْد الطلب دَعوة رَبانِية، تَتَّسِع لسُؤال مُخلَصِي ومُخلِصِي البَرِيَّة، فادْعُ اللهَ ﷻ وأنْت مُوقِنٌ بالإجابَة العَلِية. 

آفَّة مُنْكِرِي “التَّوْصِيْف السَّلْبِي” في المَراجِع الشرْعِية: الافْتِتان بأحوالِهم في فَهم ما تَشابَه عليهم مِن مُسْتنَداته الدِّينية. 
‏التوْصِيْف السَّلْبي الكَريم لا يَخْرِم الأخلاقَ السَّمِية؛ يُبيِّن لحِكمةٍ أحوال الأشياء المَعنية! فليس سَبًّا ولا افتراءَ نُعُوت دَنِية. 
لا تُعْرَفُ الْحَقِيْقَةُ إِلا بِالاسْتِقَامَةِ عَلَى الْطَّرِيْقَة. 
‏يَا بُنَيَّ! لا يَغُرَّنَّكَ حَدِيْثٌ مُنْحَرِفٌ عَنِ الطَّرِيْق، فَمَقَامُهُ الإثْمٌ أوْ الكُفْرَانُ وَإنْ تُوُهِّمَ فِيْهِ التَّحْقِيْق. 
العَقْلُ صِفَة ناسُوْتِيَّة، تتعلق بالمَعلومات، وتُعالِجها وِفْق المَعارِف والأهْلِيّة! صَلاحها بالحِكْمَة وفَسادُها بالفِتْنة الظَنِّيّة. 
النَّفْسُ صِفَة ناسُوْتِيَّة، تَتَعَلَّق بالشَّهوات، وتَنْجَذِب إلى المَصادر الشَّهِيَّة! صلاحها بالزكاة وفَسَادُها بالحُرِّيَّة الهوائية. 
الْدُّنْيَا كَغَيَابَةِ الْجُبِّ لِلإنْسَان، وَعَقْلُهُ وَنَّفْسُهُ جَنَاحَان، يُحَلِّقَان بِالْقِيَم لِلْخَلاصِ وَالأمَان. 
‏قال الله ﷻ: ﴿ إنَّ الإنسانَ لَفِي خُسْر ۞ إلا الذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وتَوَاصَوْا بالحَقِّ وتَواصَوا بالصَّبْر ﴾ [العصر:2-3].
هَنِيْئًا لِلْمُؤْمِنِيْنَ برَمَضَان؛ شَهْرُ سَلامٍ وهُدًى وَبَيَان، يَجِيْءُ بِالْخَيْرِ والْبَرَكَةِ مِنَ الْرَّحْمَن. 
‏يَا بُنَيَّ! قَابِلْ شَهْرَ رَمَضَانَ بِالأخْلاقِ الْحِسَان! تَحَرَّ الْتُّقَى وَالْشُّكْرَان، وَلا يَفْتِنَنَّكَ غَرَرُ الْعُدْوَان. 
الْرَّحْمَةُ: صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْقُصُوْرِ، عَلَى وَجْهِ الْجَبْر. 
‏يا بُنَي! عَالِجْ تَقصِيْرَكَ ولا يَغُرَّنَّك بِهِ لِلرَّحْمَةِ غَرُوْر؛ فبِالإصْرار تَتَعَرَّض لسُلْطان صِفات المُؤاخَذَة يَوْم النَّشْر. 
شَرْطُ رَحْمَةِ الْمُكَلَّفِيْنَ: الْوَلاءُ! وحُظُوْظُ الْمَرْحُوْمِيْنَ بِقَدْرِ الإسْوَاءِ والْصَّفَاء. 
‏وقُصُوْرُهم المَجْبُوْر: خَلْقِي، هُو العَجْزُ الفِطْرِي عِنْدَ المُسْتَحِقِّيْن! وخُلُقِي، هُو التَّقْصِيْر العَرَضِي عِنْد المُوالِيْن. 
الْمَغْفِرَةُ صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعِصْيَانِ عَلَى وَجْهِ الْصَّفْح. 
‏يا بُنَي! اعلَم أن أَقَلّ الاستغفار الإقْرار، وأوسَطه الاسْتِنْصار، وأتمّه الإبْرار! فاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِك ولا يَصُدَّنَّك عَنْه كَفَّار. 
آفَّةُ العُصَاةِ فِي الاسْتِغْفَار: الْجَهْلُ بِأَحْكامِهِ، والْغَفْلَةُ عَمَّا لِلْمَعَاصِي مِن أَخْطَار! فَذَلِك مَزَلَّتهُم لِلإصْرار. 
‏الْمُخَالَفَةُ تَحْمِلُ الأَخْطَار: فَتُؤْثِرُ فِيْ الْعَاجِل الإضْرَار، وَفِي الآجِلِ الإخْسَار. 
أوَّلُ دَرْس اختَبرَته البَشَريةُ: آفَّة المَعصِيَة الكوْنِيَّة؛ فتُصِيْب العاصي بآثارها الذَّاتِيَّة، في مَعْزِل عَن حال الأحكام الشرعية. 
‏لَقَدْ أُصِيْبَ الْبَشَرُ بآثَارِ الْعِصْيَان (الْبَسِيْطِ) فِي أَكْلِ الْثَّمَر، رَغَمَ أَنَّ الله ﷻ قَدْ تَابَ وَغَفَر. 
شجرة آدم عليه السلام حملت مادَّة يَنْتج عن إصابتها للبَشر حَياة العَناصِر الدنيَوِية، فلما ذاق منها أُصِيب وأصيبَت به في صُلبه الذُّرِّية. 
‏مَثَلُ الْمُصِيْبَة الآدَمِيَّة: مَثَلُ مُصِيْبَة الطَّاهِرَيْن (كالعِنَب والْخَل)؛ يَنْتج عن تلاقِيْهمَا النَّجَاسَةُ الخَمْرِيَّة. 
“العِتْقُ مِن النَّار” فَيْضٌ يتَعَلَّق بالدَّنَاءَةِ عَلَى وَجْهِ البَرَاءَة. 
‏الدَّناءة: آثار أَرْضَيَّة تُصِيْب النُّفُوْسَ باقتراف الأسْباب الدُّنْيَوِيَّة، وآثار عُدْوانِيَّة تُصِيبها بانتهاك الحُرُمات الشَّرعِية. 
أَهْلُ النَّار صِنْفَان: مُخالِفُوْن: أَصَابُوا المُخالَفاتِ الشَّرعِية مَع تَوْحِيْد الرَّحمَن! ومُتَخَلِّفُون: أَعْرَضُوا عَن الإيْمَان. 
‏عَذَابُ أَهْلِ النَّارِ صِنْفَان: عَذَابُ بَراءَة؛ لِلتَّنْزِيْه مِنَ الأدْران! وَعَذابُ دَنَاءَة؛ لِلإهَانَةِ عَلَى الْكُفْران. 
أَوَّل دَرْس خَبِرَتْه البَشَرِية: آفَّة العُدْوان (العِصْيان الغَلِيْظ) الجَزائِيَّة؛ فَجُزِي إبلِيْس لِعَدَم سُجُوْده لَعْنَة أَبَدِيّة. 
‏يَا بُنَيَّ! سَارِع فِيْ مُعالَجَة عُدْوانَك بِالاسْتِعْفاء النَّصْح؛ فالْعَفْوُ: صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْعُدْوَانِ عَلَى وَجْهِ الصَّفْح. 
نص القرآن على الكفر صفة لمخلدي النار، وعذاب وصفح الفجار! فاشتبه التحاق المُعذبين بالكفار، وردت إشارات أكدتها السنة الشبهةَ بخروجهم أَطهار. 
‏ذَهبَ أهلُ الحَق: إلى نَجاة المُخالِفِين دُوْن المُتَخلِّفين! بينما اتَّبع المُفارِقون الشبهةَ، فذهبوا إلى التسوية بينهم أو مع المُحسِنين! 
يَرْتَحِلُ رَمَضَانُ بالصَّالحِيْنَ فخُوْرٌ، وفِي الْمُقَصِّرِيْنَ مَقْهُوْرٌ، وَعَلَى الغَافِلِيْنَ شَاهِدٌ وَقُوْرٌ. 
‏صِيَامٌ مَشْكُوْرٌ، وَقِيَامٌ مَبْرُوْرٌ، وَنَفَقَةٌ طَهُوْرٌ، وَعِيْدٌ مَسْرُوْرٌ. 
السُّنة: إتْباع رَمَضان بعد الفِطر: بصيام ست من شوال، والصحيح: أن الحفاظ على ذلك، وفعله بعد إتمام رمضان (بصيام الفائت) شَرط لنَيل الأفضال. 
‏قال سيدُنا رسُول الله محمد صلى الله عليه وآله وسلم: « مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوّال، كَانَ كَصِيَامِ الدّهْر »[مسلم].
يَصِحُّ تَشْرِيْكُ الأعْمَال (الْمُتَوافِقَة مَوْضُوْعِيًّا أَوْ الْمُتَداخِلَة ذاتِيًّا) بِالْنِّيَّةِ، مَا لَمْ تَثْبُت الْخُصُوْصِيَّة. 
قَالَ سَيِّدُنَا رَسُولُ اللهِ مُحَمَّدٌ ﷺ: « إنَّما الأعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى »؛ بِالإطْلاق. 
الْسِّتُّ مِن شَوَّال جَائِزَةُ أَهْل رَمَضَان؛ جَعَلَهَا اللهُ ﷻ مُكَافَأةً تُحَقِّقُ لِلْمُسْتَجِيْبِيْنَ ضَرُوْرَاتِ صِيَامِ الزَّمَان. 
يا بُنَي! اقْبَلْ مِنَ الله ﷻ جَوائِزَه المَرْضِيَّة، وأَدِّ تَكالِيْفَها شاكِرا لأنْعُمِه العَلِيَّة؛ عَسَى أَنْ تَلْقاه بنَفْس زَكِيَّة. 
الْشُكْرُ صِفَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْخَيْرِ عَلَى وَجْهِ الامْتِنَان. 
‏يَا بُنَيَّ! اعْلَمْ أَنَّ أَقَلَّ الشُّكْرِ: إقْرارُ اللِّسَان، وَأَوْسَطهُ مَعَ اطْمِئْنان الجَنَان، وَأَتَمّهُ مَعَ إِبْرَار الأرْكَان. 
الشُكْرُ يَقُوْمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَان: الْخَيِّرُ، والْمُخَيَّرُ، والخَيْرُ، والْشُّكْرَان. 
‏شَرْطُ الْشُّكْرَان: إِرَادَةُ الإحْسَان. 
شِرعة الصفات الإلهية: إدراك ثبوتها أحدية؛ والتعبد: بإثبات النَّقلية صمدية نزيهة عن مِثل الشُّؤون الكَونية، والتقرب بها وفق الحدود الشرعية. 
‏كَمَالُ الصِّفَات الإلَهِيَّة فِي الأَحَدِيَّة! فَكَمَالُ الصِّفَاتِ الكَوْنِيَّة مُنَافٍ لِلإلَهِيَّة؛ لأنَّ سِمَاتهَا خَلْقِيَّة. 
خِطاب الصِّفات الإلَهية: قِراءة تَعَبُّدِية! فاتِّصاف الله ﷻ بمَقرُوئها: كوْنُه مُتَمكِّنا مِن مُقْتَضَياتِها وِفْق الماهِيَّة القُدْسِية. 
‏الاشْتِراكات الواقِعَة بَيْن الصِّفات الإلَهِيَّة والكَوْنِية: عِلْمِية، غايَتُها: الهِدايَة إلى المَعْرِفة، لا إلى التماثُل فِي الماهِية. 
دَلِيْلُ ضَلال الحَشَوِيَّة ومَعْشَرهِم: بَراءَةُ العَقْل مِنْ فِكْرهم، والنَّقْل من ذِكْرهم! وشَهَادَة الواقِع عَلَى نُبُوْءَة هَرْجِهْم. 
‏أَعْظَم مُوْبِقات الحشوية في تَزيِين مَذهَبهم: الانْتِساب إلى السَّلف وانتِحال النسْبة اسما لحزبهم؛ فيَغُشُّوْن الناسَ بسَلفِيَّة فِقهِهم! 
الناس في طَلب العِلْم:
‏عاقِل، فيدرِك الحُكم بِنَفسه؛ لتَخَوُّله تَوفِيْق الدلائل! أو بأَهله؛ لتَميِيزه الزائغِين من المُهتَدِين الأفاضِل.
‏جَاهِلٌ، فَيَزْعُم الْحُكْمَ بِشُبْهَتِه؛ لانْحِرافِهِ عَن الوَسَائِل! أوْ باتِّبَاع الهَوَى؛ لطَلَبِه الدُّنْيَا أَوْ فِتْنَتِه بِغَافِل.
نُوْرُ العِلْمِ بِمُوافَقَةِ الْحَق! وَضَوْؤُهُ مُشِعٌّ بالْفِطْرَةِ، وَقَدْرِ سَلامَتِها فِي العِبَاد. 
‏ظُلْمَةُ الْجَهْلِ بِمُوافَقَةِ الْخَلْق! وَظَلامُهُ سَائِدٌ بِإصْرارِ الْمَرْءِ عَلَى الْفَسَاد. 
الْجَهَلُ يَقَعُ لِقِلَّةٍ أَوْ عِلَّةٍ أَوْ ذِلَّةٍ. 
‏جَهْل القِلة: في عَدم العِلْم بغَير المَطْلُوب، والعِلة: بالمَطلوب! بينما الذِّلة: في مُخالَفة العِلْم؛ بادِّعاء الحُكْم وِفْقَ العُيُوْب. 
الجَهْلُ: جَهْلُ لِيْنٍ عَادِيٍّ؛ يَتَعَلَّقُ بالمَنْدُوْب! ومهِيْنٌ إذْلالِيٌّ، بَسِيْط أو مُرَكَّب أو جاهِلِي؛ يَتَعَلَّقُ بالمَطْلُوْب. 
‏عِلْمُ الْمَنْدُوْب مَرْغُوْب، فَمَنْ تَطَفَّلَ عَلَيْه؛ لاغْتِرارٍ أَوْ احْتِرَازٍ: لَحِقَ بِالْمَعْيُوْبِ. 
معاني “المَذهب” لغوِية وعِلمية: فاللغوية بفتح اللام آراء جاهِلية! وبضمها شخصية، هي ومتشابهاتها شبهة الزائغين في ادّعاء النسبية، كالسلفية! 
‏ومَعانِي “المَذْهَب” العِلْمِيَّة: الأحكام المَنْهَجِية؛ باعتِماد الشَّخْصِ رَأيَه وِفْقَ مَبادئ مَعْنِية، الأصْل
فيها:كونها نِظامِيَّة. 

الْحَقُّ: عِلْمٌ مُبِيْنٌ؛ يَسْتَنِدُ عَلَى تَوْفِيْقِ مُحْكَمَاتِ الْعِلْمِ وَالْمُعْلِمِيْنَ، وَيُسْنِدُ البَيَانَ الْمَتِيْنٍ. 
نَهْجُ الإسْلامِ الْعِلْمِيُّ: قِيَامُ الْسَّمْعِ عَلَى الْعَقْل السَّوِيِّ، والبَراءَةُ مِنْ تَحْرِيْفِه لِشُبْهَةٍ أو خُلُقٍ جَاهِلِيّ. 
‏قال الله ﷻ: ﴿قُلْ هَذِه سَبِيلِي أَدْعُو إلى الله، علَى بَصِيرَة أَنا ومَن اتَّبَعَنِي، وسُبْحانَ الله وما أنا منَ المُشْرِكِين ﴾[يوسف:108].
بَصِيْرَة دَعْوَة الإسْلام مُوافِقَة لأحْوال الأنام، فتَشْتَمِل علَى بيِّناتٍ كافِيَة للمَعْنِيِّيْن (سَواء كانُوا
مُخْتَصِّيْن أو عَوام). 
دَلِيْل العَوام على ضلال المُدَّعِين: الاختلاف المُبين؛ بمُخالفتهم المُحْكَمات العِلْمِيَّة، وتَخَلُّف
تقْرِيْرهم عن الصِّراط السَّوِيَّة. 
بيان عَقلانِية الخِطاب العام: مُقَيَّد بعُموم التَّعقُّل المُقَدَّر لصِدق رسالة الإسلام، وخصوص فقه
الأحكام للأعلام، وتكليف الاتباع للعوام. 

التَّلَقِّي يُسَبِّبُ التَّرَقِّي، وَالتَّرَقِّي يُوَسِّعُ الْتَّلَقِّي. 
سَبِيْل المَعْلُومَة الخَفِيَّة: التَّرْقِيَة العِلْمِيَّة، والمُكاشَفَة التَّعْرِيْفِية! وشَرْطها: الأهْلِيَّة، والهِدايَة الرَّبَّانِية. 
عَمَلٌ مَبْرُوْرٌ، وَذَنْبٌ مَغْفُوْرٌ، وَعِيْدٌ مَسْرُوْرٌ. 
تَرِكَةُ سَيِّدِنَا رَسُوْلِ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ لِلْمُؤْمِنِيْنَ: «الْذِّكْرَ» لِلْتَّعَلُّمِ، وَ «الآلَ» لِلْتَّكَرُّمِ! 
‏يَا بُنَي! إنَّ «القُرآنَ» رَأْسُ البَيِّنَات، و «الآلَ» رأسُ المَكْرَمات! فلا يَصُدَّنَّك عن صُحبَتِهما غافِلٌ رُبمايَستند على متشابهات. 
فَضْلُ آلِ سَيِّدِنَا رَسُوْلِ اللهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ثَابِتٌ بِالْوَهْبِ وَزَائِدٌ بِالْكَسْبِ. 
آلُ سَيدنا رَسُول الله مُحَمد ﷺ: نَسَبِيُّون ونِسْبِيُّون ومَحْسُوبُون! كُلهم فاضِلُون، لكِن الأشراف: هُم النِّسبِيون (الحَسَنَيْنِيُّون). 
إنَّ الحُكْم بالشِّرْك على “التوَسُّل بالصُّلَحاء” أَوْلَى بالوَصْمَة الشِّرْكِيَّة؛ لأنه اتِّباع للهَوَى في
مُعارَضَة البَيِّنات الشرعية. 
دَلالَة الهِجْرة النبوية على “حكمة الأسباب الكونية”، تُذَكِّر بجُرْم الزائغين في “إنكار التَّوَسُّل بالصُّلَحاء” (أفْضَل الأسباب الشرعية). 
مَثَلُ الزَّائِغِيْنَ فِيْ الإِعْراضِ عَنْ مُحْكِمَاتِ بَيَانِ المُتَشَابِهَاتِ: كَمَثَلِ المُعْرِضِ عَنْ مُحْكِمَاتِ قُرْآنِ الآيَاتِ. 

‏أَصْلُ التَّأْوِيْلُ: البَيَانُ العِلْمِيُّ المُوافِقِ للدَّلِيْل! فَأَنْكَرَ التَّحْرِيفَ المُبَيِّن بالتَّذْلِيْل، وفارَقَ التَّعْطِيْل. 

‏كَفَى بِالْزَّائِغِيْنَ إِثْمًا: إِنْكَارُ الْتَّأْوِيْل وَقَدْ فَضَّلَهُ الْتَّنْزِيْلُ. 
‏بَيَانُ مُسْتَنَدَات الأَنَام: بالتَّفْسِيْر (وَالأَصْلُ: تَقَيُّدُهُ بِالكَلام)، أَو التَّأْوِيْل (وَالأَصْلُ: تَعَدِّيْه إلى الأَحْكام). 
‏أَصْل العِلْم: الإدْراك البَصَرِي بالشيْء، وأَصْل المَعْرِفَة: التَّحَقُّق النَّفْسي في الشيء، وأَصل الفِطْرة: الدِّراية الذَّاتِية للشيء. 
‏الْبَيِّنَاتُ الْعَقْلِيَّة آيَاتٌ رَبَّانِيَّةٌ وَأَدِلَّةٌ شَرْعِيَّةٌ! مَنْ أَنْكَرَهَا فَقَدْ رَدَّ الْبَيَانَاتِ الْدِّيْنِيَّةِ. 
‏سَبِيْلُ اتِّبَاعِ الْحَقِّ مَبْنِيٌّ عَلَى ثَلاثَةِ أَرْكَان: صِحَّةُ الْجَنَانِ، وَالإِيْمَانِ، وَالإِحْسَانِ. 
‏الْمَعْلُوْمَةُ: بَيِّنَةٌ بمَشْهُوْدٍ أَوْ شَهَادَةٌ لِمَوْجُوْدٍ! وَالْبَيِّنَةُ: حُكْمُ عَيَانٍ قَائِمٌ بِالْجَنَانِ. 
‏حُجَّةُ الاسْتِدْلالِ فِيْ مُوَافَقَةِ الْحَقِّ وَاعْتِبَارِ الْحَال. 
‏الشَّرِيْعَةُ الإسْلامِيَّةُ تَعَبُّدِيَّةٌ (تَحْفَظ حُقُوْقَ المُؤْمِنِيْنَ الدِّيْنِيَّة)، وَنِظَامِيَّةٌ (تَحْفَظ حُقُوْقَ البَرِيَّة). 
‏أَصْلُ الْحُرِّيَّةِ: الْطَّلاقَةُ فِيْ الْحُقُوْقِ الْمَرْعِيَّةِ. 

‏أَصْلُ الْمُسَاوَاةِ: الْعَدَالَةُ (بِحِفْظِ الْحُقُوْقِ المَرْعِيَّة) فِي الْكَائِنَاتِ. 
‏الْعُبُوْدِيَّة: خُضُوْعٌ لِلْمِلَكِيَّة، وَالْرِّقُّ: خُضُوْعٌ لِتَمَلُّكِيَّة! فَالعَبْدُ حُرٌّ، وَالْرَّقِيْقُ مَسْلُوْبُ الحُرِّيَّة. 
‏تُسْلَبُ الْحُرِّيَّةُ بِالْعُدْوَان، سَوَاءٌ بِالاسْتِحْوَاذِ الْنَّفْسِيِّ أَوْ الْفِكْرِيِّ (كَغِوَايَةٍ بِبُهْتَان). 
مَثَل الإسلام بعد الشرائع السابقة في السُّنة الرَّبانِية: كمَرحلة نهاية الدراسات الأكاديمية؛ تَوَّج السابقَ، وكَفَى المُتَطلبات العَصْرية. 
‏يا أهل الكتب السماوية! لا يفتِننكم عن الإسلام مُستكبرٌ بجاهلية؛ فقد ثبتت نِسبته الإلهية: فقامت الحُجج القطعية، وتزداد مع التطورات العلمية. 
‏الأمَانُ مَعْقُوْدٌ بِالإيْمَان (المَبْنِيّ عَلَى مُحْكَماتِ البَيَان)! وإنَّه فِيْ فِقْهِ المُتَشَابِهَاتِ: يُمَثِّلُ بَيْضَة القَبَّانِ. 
‏إحياء يوم المَولِد النَّبَوي هُدىً؛ بَيِّنَته: المُستنَدات الشرعية! وإنكاره ضَلال؛ غِوايته: شُبهاتٌ عَطَّلت الشريعة وحَكَّمت الجاهِلِيَّة! 
‏آفَّة الضالِّين في مُحْدَثات الفُرُوْع والمُسْنَدات الشَّرْعِية: مُخالَفة الحُدُود العِلمية، والافتِتان بالشُّبْهة عن الأحكام المَعنِيَّة. 

‏مُقتضَى “التصرفات التشريعية” مُقَيَّد بالحُدُود الفقهية! فلا تَرُد أمثالَها إلا ببينة علمية، ولا أثر لسبق المُقتضِي على المحدَثات الشرعية. 
ربنا افتَح لنا في هذا اليوم المُنوَّر بمَولد أدِيْبك محمد صلى الله عليه وآله وسلم من رحمتك، ربنا وابسُط علينا بفَضْل الفرحِين به عندك من خيرك. 
السُّنَّةُ النَّبَوية أُمُّ البِدعة الشَّرعية، وكِلتيهما مقصودة بالاتباع! و “البِدعة الهَوائية” شيطانية، وهي المَقصودة بنَكارَة الابتِداع. 
‏مُتَشابهات “عمُوم إنكار البِدَع” مُردُودة بخُصُوص الهَوائية، فاعتمادها _فضْلا عن شُبْهة “فَضْل الأولين”_ لإنكار المُمكن تَحرِيف وجاهِلِية.