الخميس 11 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 26 نوفمبر 2020 مـ

العارف بالله الإمام أبو الحسن الشاذلي رضي الله عنه

نسبه:

السَّيِّدُ الإِمامُ أبو الحَسَنِ عَلِيّ بْنُ عبدِ اللهِ بْنِ عبدِ الجَبَّارِ بن يوسف، وينتهي نسبه إلى إِدْرِيسَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ بن الحسنِ بن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ، الْحَسَنِيُّ الإِدْرِيسِيُّ الشَّاذلِيُّ الهذلي الضرير الزاهد نـزيل الإسكندرية شيخ الطَّائِفَةِ الشَّاذلِيَّةِ، نسبة إلى شَاذِلَة قرية من إفريقية، قرب تونس.
مولده: وُلِدَ رَضِيَ اللهُ تَعالَى عنه في سنة 591هـ، ويُقالُ: سنة 593 هـ، بِقَرْيَةِ غُمَارَةَ مِنْ قُرَى إِفْرِيقيَّةَ بالقُرْبِ مِن سَبْتَةَ بالمغرب، ونشأ في بني زَروِيل.
وصفه رضي الله عنه :

قال الشيخ أبو العزائم ماضي تلميذ الشاذلي وخادمه: كانت صفته رضى الله عنه، آدم اللون، نحيف الجسم، طويل القامة، خفيف العارضين، وكان فصيح اللسان، عذب الكلام. اهـ
مشايخه: تلقى علوم القرآن والحديث على يد شيوخ بلدته، ثم اتجه بعد ذلك إلى مدينة فاس وسلك طريق التصوف على يد الصوفي الكبير: عبد الله بن أبى الحسن بن حرازم وهو تلميذ سيدى أبى مدين. بعد ذلك توجه لمدينة تونس وتلقى علوم الشريعة وتفقه على مذهب الإمام مالك ودرس علوم الفقه والأدب. وصحب الشيخَ نجم الدين ابن الأصفهاني نزيل الحرم وابن مشيش وغيرهما.

لقاؤه بالمرشد الكامل:
سافر الشيخ أبو الحسن الشاذلي إلى العراق ثم عاد إلى بلده والتقى بعبد السلام بن مشيش إمام أهل المغرب، يقول سيدي أبو الحسن الشاذلي: لما دخلت العراق اجتمعت بالشيخ الصالح أبي الفتح الواسطي فما رأيت بالعراق مثله، وكنت أطلب القطب، فقال لي: ((تطلب القطب بالعراق وهو في بلادك، ارجع إلى بلادك تجده)) فرجعت إلى المغرب إلى أن اجتمعت بأستاذي الشيخ الولي العارف الصّديق القطب الغوث أبي محمد عبد السلام بن مشيش الشريف الحسني .

قال الشيخ أبو الحسن الشاذلي: لما قدمت عليه وهو ساكن مغارة برباطة في رأس الجبل اغتسلت في عين في أسفل الجبل وطلعت عليه، فلما رآني قال: مرحبًا بعلي بن عبد الله بن عبد الجبار، فذكر نسبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذني منه الدهش، فأقمت عنده أيامًا إلى أن فتح الله على بصيرتي .

وبعد أن انتهت فترة إقامة سيدي أبي الحسن عند شيخه سيدي عبد السلام بن مشيش قال له شيخه وهو يودعه: يا علىّ ارتحل إلى إفريقيا واسكن بها بلدا تسمى (شَاذِلَةَ )، وبعد ذلك تنتقل إلى مدينة تونس، ويؤتى عليك من قبل السلطنة، وبعد ذلك تنتقل إلى أرض المشرق وبها ترث القطابة.

فقال أبو الحسن لأستاذه، بعدما تهيَّآ للرحيل: أوصني. قال الشيخ عبد السلام: يا علىّ، الله الله، والناس الناس، نــزِّه لسانك عن ذكرهم، وقلبك عن التمايل من قِبَلهم، وعليك بحفظ الجوارح، وأداء الفرائض، وقد تمت ولاية الله عندك، ولا تذكرهم إلا بواجب حق الله عليك وقد تم ورعك، وقل: اللهم ارحمني من ذكرهم، ومن العوارض من قِبَلهم، ونجنى من شرهم، وأغنني بخيرك عن خيرهم، وتولّني بالخصوصية من بينهم؛ إنك على كل شيء قدير.اهـ

من تلاميذه:
ومن أشهر تلاميذه الذين ورثوا علمه أحمد أبو العباس الـمُرسي (ت سنة 686هـ ) ومن تلاميذ الـمرسي ياقوت العرش المتوفى بالإسكندرية (ت سنة 707 هـ)، ومن تلاميذ ياقوت العرش ابن عطاء الله السَّكَنْدَرِيُّ (ت سنة 709 هـ)،ـ وغيرهم.

وحضر عليه العز ابن عبد السلام وابن دقيق العيد وعبد العظيم المنذري وابن الصلاح وابن الحاجب، وجمال الدين عصفور، ونبيه الدين ابن عوف، ومحي الدين سراقة، والعلم ياسين تلميذ ابن العربي، وغيرهم.
من مواعظه:

” من لم يزدد بعلمه وعمله افتقارا إلى ربه، وتواضعا لخلقه، فهو هالك” .
” صلاح السرائر من صحة البصائر، وحسن العمل بالبواطن لا بالظواهر”.
” طوبى لمن كابد هواه وكذب مناه”.
” عجبت لمن يجهل نفسه كيف يعرف ربه” .
” · نعم العبد من خالف هواه، وأقبل على طاعة مولاه “.
” حرام على كل ذي عقلٍ مغلوب بالشهوات أن ينتفع بالحكمة “.
” أهل الله وخاصته : هم قوم جذبهم عن الشر وأصوله ، واستعملهم للخير وفروعه ، وحبب إليهم الخلوات ، وفتح لهم سبيل المناجاة ، فتعرف إليهم فعرفوه ، وتحبب إليهم فأحبوه ، وهداهم السبيل إليه فسلكوه ،فهم به وله ، لا يدعهم لغيره ،ولا يحجبون عنه ، بل هم محجوبون به عن غيره ، لا يعرفون سواه ، ولا يحبون إلا إياه ، أولئك الذين هداهم الله ، وأولئك هم أولو الألباب “.
أيام محنته:
انْتَقَلَ أبو الحسن إلى شاذلة، ورأى التفاف الناس حوله، فعزم أن يذهب إلى جبل زغوان في محيط شاذلة، حيث تفرغ للعبادة والمجاهدة دهرا طويلا، حتى انتقل إلى تُونُسَ، فالتف عليه جماعة من الفضلاء، ثم كثر المريدون وأخذوا يزدادون يوما بعد يوم، إلى أن اجتمع عليه خلق كثير، فدب الحسد في قلب رجل يقال له ابن البراء وهو في منصب قاضٍ، فوشى به عند السلطان، ولكن الله تعالى حماه. ثم عزم الشيخ السفر لأداء الحج، وخلال سفره سيمكث في مصر ولكن هذا ابن البراء أرسل رسالة إلى السلطان هناك: أن هذا الواصل إليكم شوش علينا بلادنا وكذلك يفعل في بلادكم، فأمر السلطان بأن يعتقل في الإسكندرية، فأقام أبو الحسن فيها أياما ثم خرج من غير أن يعلم به أحد من جنود الوالي، وتوجه إلى السلطان في القاهرة، واستأذن عليه، فقال السلطان: كيف وقد أمرنا باعتقاله بالإسكندرية، فأدخل على السلطان والقضاة والأمراء، فعرف السلطان ومن معه حقيقة الإمام الشاذلي، لما رأوا من كراماته، وكتب السلطان إلى الوالي في الإسكندرية في هذا. ثم أقام الشاذلي رضي الله عنه عند السلطان في القلعة أياما، إلى أن طلع إلى الحج. ثم رجع إلى مدينة تونس، واستمر فيها داعيا ومرشدا، وفي هذه الأثناء قدم إلى تونس الشيخ أبو العباس المرسي، فلما اجتمع به الشيخ ورآه، قال: ما ردني لتونس إلا هذا الشاب، – وهذا الشاب وهو أبو العباس لازم الشيخ ولم يفارقه إلى أن توفي الشيخ فكان خليفته بعده- واستمر الإمام الشاذلي في تونس إلى أن سافر إلى الديار المصرية، فوصل إلى الإسكندرية، وسكن فيها وتزوج، وولد له أولاد..
ومن جملة ما حصل للإمام الجليل أبي الحسن الشاذلي من الفتن أن صوّب المجسم ابن تيمية الحراني سهمه إليه، فرده عليه، كما قال الشيخ عبد الوهاب الشعراني في الطبقات الكبرى وغيرُه.

وجاء في كتاب ( نور الأبصار في مناقب آل بيت النبي المختار صلى الله عليه وسلم )، للشيخ مؤمن بن حسن الشِّبْلَنْجِي “ص244”: أن أهل المغرب نفوه وكتبوا إلى نائب الإسكندرية أنه زنديق فاحذروه، فآذاه أهل الإسكندرية، فلما ظهرت كراماته اعتقدوه.اهـ
ثناء العلماء عليه:
كان الشيخ الإمام قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة يرى أنه في بركة الشيخ أبي الحسن الشاذلي في مصر، وكان يفتخر بصحبته كما في كتاب ( المفاخر العلية ).

وقال الحافظ السيوطي (ت911هـ) في “حسن المحاضرة” عند ذكر من كان بمصر من الصلحاء والزهاد والصوفية ما نصه: الشيخ أبو الحسن الشاذلي شيخ الطائفة الشاذلية هو الشريف تقي الدين علي بن عبد الله عبد الجبار، قال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله من الشاذلي .اهـ.

قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في ” طبقات الأولياء”: علي أبو الحسن الشاذلي السيد الشريف من ذرية محمد بن الحسن، زعيم الطائفة الشاذلية نسبة إلى شاذلة قرية بإفريقية نشأ ببلده فاشتغل بالعلوم الشرعية حتى أتقنها وصار يناظر عليها مع كونه ضريرًا ثم سلك منهاج التصوف وجد واجتهد حتى ظهر صلاحه وخيره وطار في فضاء الفضائل طيره، وحمد في طريق القوم سراه وسيره نظم فرقق ولطف وتكلم على الناس فقرط الأسماع وشنف وطاف وجال ولقي الرجال وقدم إلى إسكندرية من المغرب وصار يلازم ثغرها من الفجر إلى المغرب وينتفع الناس بحديثه الحسن وكلامه المطرب وتحول إلى الديار المصرية وأظهر فيها طريقته المرضية ونشر سيرته السرية وله أحزاب محفوظة …..وحج مرارًا ومات قاصدًا الحج في طريقه، قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله منه، ومع ذلك آذوه وأخرجوه بجماعته من المغرب وكتبوا إلى نائب إسكندرية أنه يقدم عليكم مغربي زنديق وقد أخرجناه من بلدنا فاحذروه فدخل إسكندرية فآذوه فظهرت له كرامات أوجبت اعتقاده… مات رحمه الله تعالى بصحراء عيذاب قاصدًا للحج أواخر ذي القعدة ودفن هناك. انتهى ملخصًا.

وقال الفقيه الشافعي المشهور سراج الدين عمر بن علي المصري المعروف بابن الملقن (804 هـ) في كتابه طبقات الأولياء في ترجمة الإمام أبي الحسن الشاذلي رضي الله عنه: إنه علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف أبو الحسن الهذلي الشاذلي الضرير الزاهد نزيل الإسكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية، انتسب في بعض مصنفاته إلى الحسن بن علي بن أبي طالب فقال بعد يوسف المذكور بن يوشع بن برد بن بطال بن أحمد بن محمد بن عيسى بن محمد بن الحسن بن علي بن أبي طالب، كان كبير المقدار عالي المقام، صحب الشيخ نجم الدين بن الأصفهاني نزيل الحرم ومن أصحابه الشيخ أبو العباس المرسي .اهـ.
وقال المؤرخ صلاح الدين الصفدي في كتابه ( نكت الهميان ): إن المترجَم هو علي بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف أبو الحسن الشاذلي بالشين والذال المعجمتين وبينهما ألف وفي الآخر لام، وشاذلة قرية بإفريقية، المغربي الزاهد نزيل الإسكندرية وشيخ الطائفة الشاذلية، وقد انتسب في بعض مصنفاته إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وهو رجل كبير القدر كثير الكلام عالي المقام له نظم ونثر، وكان الشاذلي ضريرًا وحج مرّات وتوفي رحمه الله تعالى بصحراء عيذاب قاصدَ الحج فدفن هناك في أول ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة .اهـ.

وفاته:

حج مرات وتُوُفـِّيَ بِصَحْرَاءِ عَيْذَابَ في “حُمَيْتَرَة” ويقال أَيضًا “حُمَيْتَرَا بالأَلف” من الصعيد، قاصدا الحج فدفن هناك في شَهْرِ ذِي القَعْدَةِ سنة ست وخمسين وستمائة 656 هـ.

وذكر ابن بطوطة في رحلته: عن ياقوت العرش عن شيخه أبى العباس الـمرسى أن أبا الحسن الشاذلى كان يحج كل سنة، فلما كان فى آخر سنة خرج فيها قال لخادمه: استصحب فأسا وقفة وحنوطا، فقال له: لماذا؟ قال:” حُمَيْتَرَا سوفَ تَرَى “، فلما بلغ حميترا اغتسل الشيخ وصلى ركعتين فقبضه الله في آخر سجدة ودفن هناك. اهـ

وفي درة الأسرار:” وبات تلك الليلة متوجها إلى الله تعالى ذاكرا يسمعه أصحابه وهو يقول: إلـهي إلـهي، فلما كان السحر سكن، فظننا أنه نام، فحركناه فوجدناه ميتا “.اهـ