الأربعاء 22 ذو الحجة 1441 هـ الموافق 12 أغسطس 2020 مـ

العارف بالله تعالى الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه

نسبه الشريف:
هو السيد الباز الأشهب الشيخ الكامل والجهبذ الواصل خزينة المعارف ومرجع كل قطب وعارف ذو المقامات العالية والقدم الراسخة والتمكن التام علم الشرق أبو صالح السيد محي الدين عبد القادر الكيلاني بن السيد أبي صالح موسى بن السيد عبد الله بن السيد يحيى الزاهد بن السيد محمد بن السيد داود بن السيد موسى بن السيد عبد الله أبي المكارم بن السيد موسى الجون بن السيد عبد الله الكامل المحض بن السيد الحسن المثنى بن السيد الإمام الحسن السبط بن أمير المؤمنين سيدنا ومولانا علي بن أبي طالب زوج السيدة البتول فاطمة الزهراء بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهما فبينه وبين بضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد عشر أبا.
وذكر هذا النسب السخاوي في نتيجة التحقيق والحافظ شمس الدين الذهبي في تاريخه الكبير الجامع للأعيان وسبط ابن الجوزي في مرآة الزمان ونور الدين الشطنوبي في بهجته والعسقلاني في غبطته وغيرهم من الأعيان.
أما نسبه من جهة أمه فيرجع لسيدنا الحسين بن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ.
مولده ونشأته:
ولد العارف بالله تعالى الشيخ عبد القادر الجيلاني في” نيف ” وهي قصبة من جيلان سنة 470ه، تقرأ بالجيم العربية كما تقرأ بالكاف الفارسية فيقال لها: جيلان أو كيلان ، وهي اسم لبلاد كثيرة من وراء طبرستان ، ليس فيها مدن كبيرة وانما هي قرى ومروج بين الجبال.
ولاتزال كيلان محتفظة باسمها القديم وهي ولاية ايرانية تقع في جبال البروز الممتدة من الشرق الى الغرب موازية للساحل الجنوبي من بحر قزوين.
ثناء العلماء عليه:
قال الإمام النووي : ” ما علمنا فيما بلغنا من التفات الناقلين وكرامات الأولياء أكثر مما وصل إلينا من كرامات القطب شيخ بغداد محيي الدين عبد القادر الجيلاني، كان شيخ السادة الشافعية والسادة الحنابلة ببغداد وانتهت إليه رياسة العلم في وقته, وتخرج بصحبته غير واحد من الأكابر وانتهى إليه أكثر أعيان مشايخ العراق وتتلمذ له خلق لا يحصون عدداً من أرباب المقامات الرفيعة, وانعقد علية إجماع المشايخ والعلماء بالتبجيل والإعظام, والرجوع إلى قولة والمصير إلى حكمه, وأُهرع إليه أهل السلوك – التصوف – من كل فج عميق. وكان جميل الصفات شريف الأخلاق كامل الأدب والمروءة كثير التواضع دائم البشر وافر العلم والعقل شديد الاقتفاء لكلام الشرع وأحكامه معظما لأهل العلم مُكرِّماً لأرباب الدين والسنة, مبغضاً لأهل البدع والأهواء محبا لمريدي الحق مع دوام المجاهد ولزوم المراقبة إلى الموت. وكان له كلام عال في علوم المعارف شديد الغضب إذا انتهكت محارم الله سبحانه وتعالى سخي الكف كريم النفس على أجمل طريقة. وبالجملة لم يكن في زمنه مثله”.
قال الإمام العز بن عبد السلام : إنه لم تتواتر كرامات أحد من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر فإن كراماته نقلت بالتواتر.
قال الذهبي : الشيخ عبد القادر الشيخ الإمام العالم الزاهد العارف القدوة، شيخ الإسلام، علم الأولياء، محيي الدين، أبو محمد، عبد القادر بن أبي صالح عبد الله ابن جنكي دوست الجيلي الحنبلي، شيخ بغداد.
قال أبو أسعد عبد الكريم السمعاني: هو إمام الحنابلة وشيخهم في عصره فقيه صالح، كثير الذكر دائم الفكر, وهو شديد الخشية, مجاب الدعوة، أقرب الناس للحق، ولا يرد سائلا ولو بأحد ثوبيه.
قال الإمام ابن حجر العسقلاني الكناني : كان الشيخ عبد القادر متمسكاً بقوانين الشريعة, يدعو إليها وينفر عن مخالفتها ويشغل الناس فيها مع تمسكه بالعبادة والمجاهدة ومزج ذلك بمخالطة الشاغل عنها غالبا كالأزواج والأولاد, ومن كان هذا سبيله كان أكمل من غيره لأنها صفة صاحب الشريعة صلى الله علية وسلم.
قال ابن رجب الحنبلي : عبد القادر بن أبي صالح الجيلي ثم البغدادي, الزاهد شيخ العصر وقدوة العارفين وسلطان المشايخ وسيد أهل الطريقة, محيي الدين ظهر للناس, وحصل له القبول التام, وانتصر أهل السنة الشريفة بظهوره, وانخذل أهل البدع والأهواء, واشتهرت أحواله وأقواله وكراماته ومكاشفاته, وجاءته الفتاوى من سائر الأقطار, وهابه الخلفاء والوزراء والملوك فمن دونهم.
قال الحافظ ابن كثير : الشيخ عبد القادر الجيلي، كان فيه تزهد كثير وله أحوال صالحة ومكاشفات.
قال الإمام اليافعي : قطب الأولياء الكرام، شيخ المسلمين والإسلام ركن الشريعة وعلم الطريقة, شيخ الشيوخ, قدوة الأولياء العارفين الأكابر أبو محمد عبد القادر بن أبي صالح الجيلي قدس سره ونور ضريحه, تحلى بحلي العلوم الشرعية وتجمل بتيجان الفنون الدينية, وتزود بأحسن الآداب وأشرف الأخلاق, قام بنص الكتاب والسنة خطيبا على الأشهاد, ودعا الخلق إلى الله سبحانه وتعالى فأسرعوا إلى الانقياد, وأبرز جواهر التوحيد من بحار علوم تلاطمت أمواجها, وأبرأ النفوس من أسقامها وشفى الخواطر من أوهامها وكم رد إلى الله عاصياً, تتلمذ له خلق كثير من الفقهاء.
قال الإمام الشعراني : طريقته التوحيد وصفاً وحكما وحالا وتحقيقه الشرع ظاهرا وباطناً.
قال الإمام الشيخ أحمد الرفاعي : الشيخ عبد القادر من يستطيع وصف مناقبه, ومن يبلغ مبلغة, ذاك رجل بحر الشريعة عن يمينه, وبحر الحقيقة عن يساره من أيهما شاء اقترف, لا ثاني له في وقتنا هذا.

قال ابن السمعاني عنه: إمام الحنابلة وشيخهم في عصره، فقيه صالح، ديِّن خيِّر، كثير الذكر، دائم الفكر، سريع الدمعة.
قال عنه محيي الدين ابن عربي: وبلغني أن عبد القادر الجيلي كان عدلاً قطب وقته.
من أقواله:
مريدو الدنيا فيهم كثرة، ومريدو الآخرة فيهم قلة، ومريدو الحق عز وجل الصادقون في إرادته أقل من كل قليل. هم في القلة والعدم كالكبريت الأحمر. هُم آحاد أفراد في الشُّذوذِ والندور”. وكذلك المشايخ الكمل قلة من قِلة من قِلة.
من أراد الفلاح فليصر أرضاً تحت أقدام المشايخ. ما صفة هؤلاء الشيوخ؟ هم التاركون للدنيا والخَلْق، المودِّعون لما تحت العرش إلى الثّرى، الذين تركوا الأشياء وودَّعوها وداع من لا يعود إليها قطُّ. ودّعوا الخلق كلّهم، ونفوسهم من جملتهم، ووجدوا وجودهم مع ربهم عز وجل في جميع أحوالهم.
كل من يطلب محبة الحق عز وجل مع وجود نفسه فهو في هوَس وهذيان إذا عاديتَ نفسك في حبِّ الله كان جوابُك منه أن يصلحها لك ، ويلهمها الطمأنينة ، فتكون طوعُك وخادمةٌ لك .
نفسك داهيتك ،ظلمَتُكَ ، حجابُك ، بُعدك ، قيدك ، طردك ، شؤمك ، تحيّل في الخلاص منها وقد تخلّصتَ من كل شرٍ وبدعة .
التوبة بلا إخلاص كالضرب على الحديد البارد بلا كير ولا نار ، أترك نفسك في كير المجاهدات ، وأشعل عليها نار الصبر ، واضربها بمطارق الرضا ، فيذهب خُبثها وتطمئن ، ويبقى منها الصفا ، فحينئذ يصلح أن يصاغ منها إناءٌ يترك بين يدي الملِك ، فيملأه حِكَمَا وعلما .

كراماته:
ذكر الشيخ عز الدين بن عبد السلام شيخ الشافعية أنه لم تتواتر كرامات أحد من المشايخ إلا الشيخ عبد القادر , فإن كراماته نقلت بالتواتر .
وجاء في كتاب ( سير أعلام النبلاء : ( قرأـ بخط الحافظ سيف الدين بن المجد : سمعت محمد بن محمود المراتبي , سمعت الشيخ أبا بكر العماد رحمه الله يقول : كنت قرأت في أصول الدين فأوقع عندي شكاً , فقلت : حتى أمضي إلى مجلس الشيخ عبد القادر فقد ذُكر أنه يتكلم على الخواطر , فمضيت إليه وهو يتكلم , فقال : اعتقادنا اعتقاد السلف الصالح والصحابة , فقلت في نفسي : هذا قاله اتفاقاً , فتكلم ثم التفت إلى ناحيتي فأعاده , فقلت : الواعظ قد يلتفت , فالتفت إليَّ ثالثة وقال : يا أبا بكر , فأعاد القول نفسه , ثم قال : قم قد جاء أبوك . وكان أبي غائباً , فقمت مبادراً
وجاء كتاب ” سير أعلام النبلاء” : ( قال الجبائي : كنت أسمع الحلية ـ أي حلية الأولياء ) لأبي نُعيم ـ على ابن ناصر فرقَّ قلبي وقلت : اشتهيت لو انقطعت للعبادة , ومضيت فصليت خلف الشيخ عبد القادر , فلما جلسنا نظر إلي وقال : إذا أردت الانقطاع فلا تنقطع حتى تتفقه وتجالس الشيوخ وتتأدَّب ) .
وفي المصدر السابق أيضاً : ( قال أبو البقاء العكبري : سمعت يحيي بن نجاح الأديب يقول : قلت في نفسي أريد أن أحصي كم يقصُّ الشيخ عبد القادر شعر تائب , فحضرت المجلس ومعي خيط , وضعته تحت ثيابي , فكلما قص شعراً عقدت عقدة تحت ثيابي من الخيط , وأنا في آخر الناس , وإذا به يقول : أنا أحل وأنت تعقد !! ) .
وفيه أيضاً ( قال أحمد بن ظفر بن هبيرة : سألت جدي أن أزور الشيخ عبد القادر فأعطاني مبلغاً من الذهب لأعطيه , فلما نزل عن المنبر سلّمت عليه وتحرجت من دفع الذهب إليه في ذلك الجمع , فقال هات ما معك ولا عليك من الناس , وسلَّم على الوزير ) ، وفي رواية كتاب ( قلائد الجواهر ) أنه قال : ( أمسك ما معك من الذهب , وسلَّم على جدك الوزير وقل له, لا حاجة لعبد القادر فيما أرسلت فأردده إلى مستحقيه ) .
وجاء في كتاب ( قلائد الجواهر ) لمحمد بن يحيي التادفي : ( قال أبو الفرج بن الحمامي : كنت كثيراً ما أسمع عن الشيخ عبد القادر أشياء أستبعد وقوعها وأنكرها , وكنت بحسب ذلك أتشوُّق إلى لقائه , واتفق لي أني مضيت إلى باب “الأزج” لحاجة كانت لي هناك فلما عدت مررت بمدرسته والمؤذن يقيم الصلاة , فتنبهت بالإقامة على ما كان في نفسي , وقلت : أصلي العصر وأسلّم على الشيخ , وذهب عني أنني على غير وضوء , فصلى بنا العصر, فلما فرغ من الصلاة والدعاء , أقبل عليّ وقال: أي بني لو قدّمتني بالقصد على حاجتك لقُضيت لك, ولكن الغفلة شاملة لك بحيث قد صليت على غير وضوء . وقد سهوت عن ذلك , قال : فتداخلني العجب بحاله مما أدهشني وأذهل عقلي … ومن حينئذ لازمت صحبته وتعلقت بمحبته وخدمته ) .
وفي المصدر السابق : ( قال الشيخ عبدالله محمد بن أبي الغنائم الحسيني : اجتمع يوماً في شهر الله المحرم في رباط الشيخ من الرواق بالحلبة , من الزوار له نحو من ثلثمائة رجل , فخرج رضي الله عنه من داخل الدار عجلاً وصاح بالناس : أسرعوا إليّ أسرعوا إليّ , فأسرعوا إليه حتى لم يبق في الرواق أحد , فسقط السقف وسلم الناس ) .
وفي المصدر السابق : ( قلائد الجواهر ) ( قال أبو المظفر شمس الدين يوسف بن قز علي بن عبدالله التركي العوفي البغدادي الحنفي سبط ابن الجوزي : قال لي خاصبك ـ اسم رجل تركي ـ : كان الشيخ عبد القادر يجلس يوم الأحد , فبتُّ مهتماً بحضور مجلسه , فاتفق أني احتلمت وكانت ليلة باردة فقلت : ما أفوِّت مجلسه , وإذ انقضى اغتسلت , فجئت إلى المدرسة والشيخ على المنبر , فساعة ما وقعت عينه عليّ قال : تحضر مجلسنا وأنت جنب وتحتج بالبرد , رضي الله عنه وأرضاه ) .

وجاء في كتاب ( قلائد الجواهر ) : ( قال الشيخ أبو العباس الخضر الحسين الموصلي : كنا ليلة في مدرسة شيخنا الشيخ محيي الدين عبد الله رضي الله عنه ببغداد فجاءه الإمام المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن الإمام المقتفي لأمر الله أبو عبد الله محمد العباسي فسلَّم عليه و استوصاه ووضع بين يديه مالاً في عشرة أكياس يحملها عشرة من الخدم فقال الشيخ رضي الله عنه : لا حاجة لي فيها فأبى إلا أن يقبلها وألح عليه المسألة قال : فأخذ الشيخ رضي الله عنه كيساً في يمينه و آخر في شماله وعصرهما بيده فسالا دماً و قال الشيخ : يا أبا المظفر ما تستحي من الله تعالى أن تأخذ دم الناس و تقابلني به قال : فغشي عليه , فقال الشيخ رضي الله عنه وحق الله لولا حرمة اتصاله برسول الله صلى الله عليه وسلم لتركت الدم يجري إلى بيته ) .
وفي المصدر السابق :قال الصالح أبو العباس أحمد بن محمد بن أحمد القرشي البغدادي : ركب الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يوماً وأتى إلى جامع المنصوري ثم رجع إلى مدرسته وكشف الطرحة عن وجهه وألقى بيده من على جبينه عقرباً فسعت على الأرض , وقال لها : موتي بإذن الله تعالى . فماتت مكانها , ثم قال يا أحمد إن هذه ضربتني من الجامع إلى هنا ستين مرة ) .
وفي المصدر السابق ( قلائد الجواهر) قال الحجر حامد الخراني الخطيب : دخلت على الشيخ عبد القادر رحمة الله عليه بمدرسته ببغداد وجلست عنده على سجادة لي فنظر إلي وقال : يا حامد لتجلسن على بساط الملوك . فلما رجعت إلى حران جبرني السلطان نور الدين الشهيد على ملازمته , وقربني وأجلسني على بساطه وولاني الأوقاف . فكنت أتذكر كلام الشيخ رضي الله عنه .
وفاته:
توفي الإمام الجيلاني ليلة السبت 10 ربيع الثاني سنة 561 هـ، جهزه وصلي عليه ولده عبد الوهّاب في جماعة من حضر من أولاده وأصحابه، ثم دفن في رواق مدرسته، ولم يفتح باب المدرسة حتى علا النهار وهرع الناس للصلاة على قبره وزيارته، وبلغ تسعين سنة من عمره.