الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق 18 سبتمبر 2020 مـ

العارف بالله الشيخ محمد بهاء الدين نقشبند رضي الله عنه

 

اسمه ومولده:

الشيخ المعروفُ بِمحمَّد بهاء الدين البخارِيّ وهو حسيني من كبار العلماء الصوفية، ولد في شهر المحرم سنة 717 هـ .

السلسة النقشبندية:

     قال حضرة الشيخ طارق بن محمد السعدي :”   أخذ إمامُ الطريقة: سيدي حضرة الشيخ محمد بهاء الدين ( شاه نقشبند ) الخلافةَ في الطَّريقةَ عن سيدي الشيخ أمير كُلال، وهو عن سيدي الشيخ محمد بابا السمَّاسي، وهو عن سيدي الشيخ علي الرامِيْتَنِي، وهو عن سيدي الشيخ محمود الإنجير فغنوي، وهو عن سيدي الشيخ عارف الرَّيوكَِري، وهو عن سيدي الشيخ عبد الخالق الغُجْدَواني، وهو عن سيدي الشيخ يوسف الهَمْداني، وهو عن سيدي الشيخ الفضيل بن محمد الطوسي الفارْمَدِي، وهو عن شيخين:

     أحدهما: سيدي الشيخ أبي الحَسَن علي بن أبي جعفر الخرقاني، وهو عن سيدي الشيخ أبي يزيد البسطامي، وهو عن سيدي الشيخ الإمام جعفر الصادق، وهو عن جدِّه سيدي الشيخ قاسم بن محمد بن أبي بكر الصِّديق، وهو عن الصحابي الجليل سيدي الشيخ سلمان الفارسي، وهو عن خليفة سيدنا   رسول   الله محمد  سيدي الشيخ أبي بكر الصِّديق الأكبر، وهو عن سيد السادات، نبع الخير والبركات، أعظم المخلوقات: سيدنا   رسول   الله محمد .

وهذه الطريق، تسمَّى: ( السلسة الصّدِّيقيَّة )، وهي المشهورة بين مشايخ الطريق .

     ثانيهما: سيدي الشيخ أبي القاسم الكركاني، وهو عن سيدي الشيخ أبي عثمان المَغْرِبِي، وهو عن سيدي الشيخ أبي علي الكاتب، وهو عن سيدي الشيخ أبي علي الرُّوْذَبَارِيُّ، وهو عن سيد الطائفة الصوفيَّة: حضرة الإمام الشيخ أبي القاسم الجنيد بن محمد الخَزَّاز، وهو عن خاله سيدي الشيخ سَرِيّ السَّقَطِي، وهو عن سيدي الشيخ معروف الكرخي، وهو عن شيخين:

     الأول: عن سيدي الشيخ الإمام علي الرضا، وهو عن والده سيدي الشيخ موسى الكاظم، وهو عن والده سيدي الإمام الشيخ جعفر الصادق، وهو عن والده سيدي الشيخ محمد الباقر، وهو عن والده سيدي الإمام الشيخ علي زين العابدين، وهو عن والده سيِّد الشهداء سيدي الشيخ الحُسين، وهو عن والده سيدي أمير المؤمنين مولانا الإمام الشيخ علي بن أبي طالب  ، وهو عن سيد السادات، نبع الخير والبركات، أعظم المخلوقات: سيدنا   رسول   الله محمد .

وهذه الطريق، حتى سيدي الشيخ الفارْمَدِي ، تسمى ( سلسة الذّهب )؛ لاتصالها بساداتنا آل البيت الأطهار .

     الثانية: عن سيدي الشيخ داود الطائي، وهو عن سيدي الشيخ حبيب العجمي، وهو عن سيدي الإمام الشيخ الحَسَن البصري، وهو عن سيدي أمير المؤمنين مولانا الإمام الشيخ علي بن أبي طالب ، وهو عن سيد السادات، نبع الخير والبركات، أعظم المخلوقات: سيدنا   رسول   الله محمد .  “انتهى [ المنة:  25 – 27 ]

حياته:

ولمعرفة جانب من بداية حياته في التصوف والسلوك نقل لنا محمد آمين الكردي في كتابه” تهذيب المواهب السرمدية في أجلاء السادة النقشبندية ” حكاية الشيخ بهاء الدين أحمد بن محمد النقشبندي رواية حياته، فقال:

     قال قدس الله سره: [ أرسلني جدي وكان سني وقتئذ نحو ثماني عشرة سنة إلى سمّاس لخدمة العارف الكبير والمرشد الشهير الشيخ محمد بابا السماسي باستدعاء منه لي، فلما نلت الحصول إليه لم يأت وقت الغروب إلا وقد وجدت بركته بنفس سكينة وخشوعا وتضرعا ورجوعا، ثم إني قمت وقت السحر فتوضأت وأتيت المسجد الذي فيه أصحابه فأحرمت بالصلاة فلما سجدت دعوت الله تعالى وتضرعت إليه كثيرا، فمر على لساني في أثناء دعائي:” إلهي أعطني قوة على تحمل البلاء ومحنة المحبة”، ثم إني صليت الفجر مع الشيخ قدس الله سره فلما انصرف من الصلاة التفت إليّ وذكر لي كل ما صدر مني على طريق الكشف، ثم قال لي: “يا ولدي ينبغي أن تقول في دعائك: إلهي أعط هذا العبد الضعيف ما فيه رضاك، فإن الله تعالى لا يرضى أن يكون عبده في بلاء، وإن ابتلى حبيبه على مقتضى حكمته، يعطيه قوة على تحمله ويعطله على حكمته، فلا ينبغي للعبد أن يختار البلاء، فإنه ينافي مقام الأدب.”].[6]

     وقال قُدِّس سره لما توفي الشيخ محمد بابا السماسي أخذني جدي إلى سمرقند فكان كلما سمع برجل صالح من أهل الله حملني إليه وسأله لي فكانت تنالني بركتهم، ثم أتى بي إلى بخارى وزوجني بها. وكانت إقامتي في قصر العارفان ومن العناية الإلهية بي أني وصلت إلى قلنسوة العزيزان في تلك الأوقات فحسنت أحوالي وقويت آمالي إلى من حظيت بصحبة السيد أمير كلال قدس سره وأخبرني بأن الشيخ محمد بابا السماسي قدس سره أوصاه بي وقال له: [لا تأل جهدا بتربية ولدي محمد بهاء الدين ولا بالشفقة عليه ولست مني في حل إن قصرت في ذلك] فقال له قدس سره: [إن أنا قصرت في هذه الوصية فلست برجل] ثم وفى وعده.[7]

     وزاد الشيخ يوسف بن إسماعيل النبهاني في كتابه ” جامع كرمات الأولياء” عن الشيخ بهاء الدين النقشبندي: قال قدس الله سره:[ مبدأ يقظتي وتوبتي أني كنت جالسا مع صاحب لي في الخلوة، فبينما أنا ملتفت إليه أكلمه إذ سمعت قائلا يقول لي أما آن لك أن تعرض عن الكل وتتوجه إلى حضرتنا. فحصل لي من سماع هذا الكلام حال العظيم وخرجت مسرعا من ذلك البيت لا يقر لي قرار وكان قريبا منه ماء فاغتسلت منه وغسلت ثيابي، وفي تلك حالة من الإنابة صليت ركعتين طالما مضت علي أعوام وأنا أتمنى أن أصلي مثلهما فلم أتمكن من ذلك].[8]

     وقال قدس الله سره:[ قيل لي في بداية الجذبة: كيف تدخل في هذا الطريق؟ فقلت على أن يكون كل ما أقوله وأريد فقيل لي: كل ما نحن نقول له يجب أن يفعل، فقلت: لا أطيق ذلك بل إن كان كل ما أقوله يصير أضع قدمي في هذا الطريق وإلا فلا وتكرر ذلك مرتين ثم تركوني ونفسي خمسة عشر يوما فحصل لي يأس عظيم ثم بعد ذلك قيل لي: إن الذي تريده يكون فقلت أريد طريقة كل من دخلها تشرف بمقام الوصول].[9]

     وقال رضي الله عنه:[ كنت أوائلَ السلوك وغلبة الحال عديم القرار، أدور الليل في نواحي بخارى وأزور القبور فزرت ليلة ضريح الشيخ محمد بن واسع فوجدت عنده سراجا وفيه دهن واف وفتيلة طويلة غير أن الفتيلة تحتاج إلى تحريك قليل حتى يخرج الدهن وتجدد نورها فما لبست أن وقعت الإشارة إليّ بالتوجه إلى زيارة ضريح الشيخ أحمد الأجفريولي، فلما وصلت إليه إذا بسراج هنالك مسرج كذلك، وإذا أنا برجلين قد أتيا، فربطا على وسطي سيفين وأركباني حمارا ووجهاه إلى جهة ضريح الشيخ مزداخن قدس الله سره، فلما وصلناه، رأيت ثَمَّ سراجا كاللذين قبله فنزلت وجلست متوجها إلى نحو القبلة فوقع لي في ذلك التوجه غيبة فرأيت في تلك الغيبة أن الجدار القبل القبلي قد انصدع وظهرت دكة عالية عليها رجل عظيم المقدار قد أسبل أمامه ستر، وحول الدكة جماعة فيهم الشيخ محمد بابا السماسي فقلت في نفسي من هذا الرجل العظيم ومن حوله؟ فقال لي أحدهم: أما الرجل العظيم فهو الشيخ عبد الخالق الغجدواني، وأما الجماعة فهم خلفاؤه، وجعل يشير إلى كل واحد منهم، ويقول: هذا الشيخ أحمد الصديق، وهذا الشيخ أولياء الكبير، وهذا الشيخ عارف الربوكري، وهذا الشيخ محمود الأنجيري نقولي، وهذا الشيخ علي الراميني، ولما بلغ إلى الشيخ محمد بابا السماسي، قال: وهذا قد رأيته في حال حياته وهو شيخك، وقد أعطاك قلنسوة، أفتعرفه؟ فقلت نعم، وكان قد أتى على قصة قلنسوة حين من الدهر فنسيتها، ثم قال وهي في بيتك وقد رفع الله عنك ببركتها بلاء عظيما قد كان حل بك، فقال لي الجماعة: اصغ بسمعك، فإن حضرة الشيخ الكبير يريد أن يتلو عليك ما ليس لك عنه غنى في سلوك طريق الحق. فسألتهم أن أسلم عليه، فأزاحوا ذلك الستر فسلمت عليه، فبدأ يتكلم على ما يتعلق بأحوال السلوك أوله ووسطه ومنتهاه إلى أن قال: وأما تلك السرج التي رأيتها على تلك الكيفية، فإنما هي لك بشارة وإشارة إلى أن لك استعدادا تاما وقابلية  لهذا الطريق، غير أنه ينبغي تحريق فتيلة الاستعداد حتى تقوى الأنوار وتظهر الأسرار، فأد القابلية حقها تبلغ الأوطار، وعليك بالاستقامة والثبات على جادة الشريعة المطهرة في جميع الأحوال والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ بالعزيمة والبعد عن الرخصة والبدعة، وأن تجعل قبلتك أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وتفحص عن أخباره وآثاره، وأحوال أصحابه العظام، ثم بالغ بالتحريض والحث على ذلك، ولما أن أتم كلامه، قال لي خليفته: وآية صدق هذه الواقعة أن تذهب غدا عند مولانا شمس الدين الأنيقوتي وتخبره بأنه ما يدعيه فلان التركي على السقاء هو صحيح والحق مع التركي وأنت تساعد السقاء، فإن أنكر السقاء صحة هذه الدعوة فقل له عندي شاهدان: الأول أنك يا سقاء عطشان، فهو يعرف معنى هذه الكلمة، والثاني أنك أتيت امرأة أجنبية فحملت منك فسعيت بإسقاط الحمل ودفنته في الموضع الفلاني تحت كرمة، ثم قال فإذا بلغت هذه الرسالة لمولانا شمس الدين، فخذ في اليوم الثاني ثلاث حبات من زبيب واذهب إلى نسف لخدمة السيد كلال، وستجد في المحل الفلاني من الطريق شيخا يعطيك رغيفا حارا فخذه منه، ولا تكلمه وامض في طريقتك، فتمر على قافلة إذا جاوزتها استقبلك فارس فانصحه، فإنه ستكون توبته على يدك، وخذ معك قلنسوة العزيزان إلى السيد كلال، ثم بعد ذلك حركوني فرجعت إلى نفسي. فلما أصحبت ذهبت إلى منزلي في زيورتون وسألت أهلي عن القلنسوة، فآتوني بها وقالوا إن لها في ذلك الموضع مدة مديدة، فلما رأيتها أتاني حال عظيم وبكاء شديد، فأخذتها وتوجهت ساعتئذ إلى أبنيكية قرية من قرى بخاري، فأتيت مسجد مولانا شمس الدين فصليت معه الصبح، ثم بلغته ما أرسلت به إليه، فتحير وكان السقاء ثم حاضرا، فأنكر صحة دعوى التركي، فأقمت عليه البينة السابقة فكذب أمر الفاحشة فذهب جماعة ممن في المسجد إلى ذلك الموضع فحفروه فوجدوا السقط مدفونا فيه، فطفق السقاء يعتذر، وبكى مولانا شمس الدين وجماعة المسجد، وحصل لهما أحوال عظيمة، ثم عزمت في اليوم الثاني على التوجه إلى نسف من الطريق الذي عينوه لي في الواقعة، وأخذت معي ثلاث حبات من زبيب، فبلغ مولانا توجهي فأرسل إلي ولا طفني كثيرا وقال: إني أرى آلام الطلب قد استولت عليك، وآثرت بك لوعة الحصول على الوصول وشفاؤك عندنا فأقم لنؤدي حق تربيتك ونبلغك أقصى بغيتك على مقتضى علو همتك، فرأيتني أقول له: أنا ولد غيركم ولو جعلتم ثدي التربية في فيّ لا أقبله، فسكت وأذن لي بالسفر، فتحزمت بحزام لي وأمرت شخصين أن يشداه من الطرفين ليكون في غاية الإحكام وسرت، فلما وصلت المكان الذي ذكر لي لقيت فيه شيخا فأعطاني رغيفا حارا فأخذته ولم أكلمه، ومضيت، فإذا أنا بقافلة، فسألني أهلها من أين أتيت؟ فقلت لهم: من أنبكية، قالوا: متى خرجت منها؟ فقلت لهم: وقت طلوع الشمس وكان ذلك عند الضحى، فعجبوا من ذلك، وقالوا إن بين القرية وهذا المحل أربعة فراسخ، ونحن خرجنا أول الليل، ثم بارحتهم وسرت فما نشبت أن استقبلني فارس، فحينما وصلت إليه سلمت عليه فقال لي: من أنت فإني أجدني خائفا منك؟ فقلت له: أنا الذي تكون توبتك على يديه، فتحول بالحال عن فرسه، وأظهر كمال التواضع والتضرع وتاب، وكان معه أحمال من خمر فأهرقها كلها، ثم جاوزته وقد دخلت حدود نسف فقصدت مقام السيد أمير كلال، فلما تشرفت برؤيته وضعت القلنسوة بين يديه، فسكت برهة طويلة، ثم قال هذه القلنسوة العزيزان؟ فقلت له نعم، فقال: صدر الأمر بأن تحفظ ضمن عشرة أغشية، فأخذتها وفعلت كما أمر، وبعد ذلك، لقنني الذكر بالنفي والإثبات خفية، وأمرني بالاشتغال به، فتبعته على ذلك، ولكوني أمرت في الواقعة بالأخذ بالعزيمة، لم أذكر بالجهر، ثم لازمت العلماء لاقتباس أنوار العلوم الشرعية منهم، واقتفاء آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وقراءة أحاديث الشريفة، والبحث عن أخلاقه وأحوال الصحابة الكرام والعمل بها كما أمرت، فوجدت لذلك تأثيرا تاما ونفعا عظيما، وكل ما تكلم به الشيخ عبد الخالق الغجدواني مر عليّ وظهرت لي نتيجة كل أمر في وقته].

 وفاته:

توفي رضي الله عنه ليلة الإثنين الثالث من شهر ربيع الأول سنة 791 هـ، وعمره أربع وسبعون سنة ودفن في بستانه.