الأحد 14 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 29 نوفمبر 2020 مـ

قصة أصحاب الأخدود

وهي قصة فتى آمن فصبر وثبت، فآمنت معه قريته. ورد ذكر القصة في سورة البروج (4-9)، وورد تفصيلها في صحيح الإمام مسلم رحمه الله كان الفتى غلاما نبيها قبل إيمانه. وكان مَلِكُ القرية التي يسكن فيها يَدّعي الإلهية، ويَستعين بساحر وعندما تقدّم العمر بالساحر، طلب من الملك أن يبعث له غلاما يعلّمه السحر ليحلّ محله بعد موته. فاختار هذا الغلام، وأرسله للساحر.

فكان الغلام يذهب للساحر ليتعلم منه، وكان في طريقه راهب، فجلس معه مرة وأعجبه كلامه. فصار يجلس مع الراهب في كل مرة يتوجه فيها إلى الساحر.

وكان الساحر يضربه إن لم يحضر. فشكى ذلك للراهب. فقال له الراهب: إذا خشيت الساحر فقل “حبسني أهلي”، وإذا خشيت أهلك فقل “حبسني الساحر” وبينما هو في طريقه أحد الأيام، فإذا بحيوان ضخم يسدّ طريق الناس. فقال الغلام في نفسه: اليوم أعلم أيهم أفضل، الساحر أم الراهب فأخذ حجرا وقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذا الحيوان بهذا الحجر حتى يمضي الناس، ثم رماه به فقلته! ومضى الناس فتوجه الغلام للراهب وأخبره بما حدث. فقال له الراهب: يا بني، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى، فإذا ابتليت فلا تدلّ عليّ.

وصار الغلام بإذن الله سبحانه وتعالى: يُبْرِئ الأَكْمَهَ والأَبْرَصَ، ويُعَالِج الناسَ من جميع الأمراض فسمع به أحد جلساء الملك، وكان قد فَقَدَ بصره. فجمع هدايا كثيرة وتوجه بها للغلام، وقال له: أعطيك جميع هذه الهداية إن شفيتني.

فأجابه الغلام: أنا لا أشفي أحدا، إنما الله تعالى يشفي، فإن آمنت بالله دعوت الله فشفاك. فآمن جليسُ الملك، فشفاه الغلامُ بإذن الله تعالى فذهب وقعد بجوار الملك كعادته قبل أن يفقد بصره. فقال له الملك: من ردّ عليك بصرك؟ فأجاب الجليس بثقة المؤمن: ربّي فغضب الملك وقال: ولك رب غيري؟ فأجابه دون تردد: ربّي وربك الله. فثار الملك، وأمر بتعذيبه واستجوابه. فلم يزالوا يعذّبونه حتى دلّ على الغلام فأمر الملك بإحضار الغلام. ثم قال له مخاطبا: يا بني، لقد بلغت من السحر مبلغا عظيما، حتى أصبحت تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل كذا وكذا فقال الغلام: إني لا أشفي أحدا، إنما يشفي الله تعالى. فأمر الملك بتعذيبه. فعذّبوه حتى دلّ على الراهب.

فأُحضر الراهب وقيل له: ارجع عن دينك، فرفض الراهب الرجوع. فأحضروا منشارا، ووضعوه على مفرق رأسه، ثم نُشِرَ فوقع نصفين ثم أُحضر جليسُ الملك، وقيل له: ارجع عن دينك، فرفض، ففعلوا به كما فعلوا بالراهب ثم أُحضر الغلام وقيل له: ارجع عن دينك، فرفض. فأمر الملك بأخذه إلى قِمة جبل، وتخييره هناك: فإما أن يترك دينه، أو أن يُرْدُوه من قمة الجبل فأخذ الجنود الغلام، وصعدوا به الجبل. فدعا الغلام ربه: اللهم اكفنيهم بما شئت. فاهتزّ الجبل وسقط الجنود. ورجع الغلام ماشيا إلى الملك فقال الملك للغلام: أين من كان معك من الجنود؟ فأجاب الغلام: لقد كفاني إياهم اللهُ تعالى فأمر الملك جنودا آخرين بحمل الغلام في سفينة، والذهاب به إلى وسط البحر، ثم تخييره هناك: بالرجوع عن دينه، أو إلقاءه في البحر فذهب الجنود به في البحر لتخييره. فدعى الغلام ربَّه عز وجل: اللهم اكفنيهم بما شئت. فانقلبت بهم السفينة، وغرق من كان عليها إلا الغلام ثم رجع الغلامُ إلى الملك. فسأله الملك باستغراب: أين من كان معك من الجنود؟ فأجاب الغلام: كفاني إياهم ربي الله تعالى ثم قال الغلام للملك: إنك لن تستطيع قتلي حتى تفعل ما آمرك به. فقال له الملك: ما هو؟ قال الغلام: تجمع الناس في مكان واحد، وتصلبني على جذع، ثم تأخذ سهما من كنانتي، وتقول “بسم الله رب الغلام” ثم ترميني، فإن فعلت ذلك قتلتني ففرح الملك بذلك، وأمر بجمع الناس، وصلب الفتى أمامهم، ثم أخذ سهما من كنانته ووضعه في القوس، وقال: “بسم الله ربّ الغلام”، ثم رماه فقتله فصرخ الناس:” آمنا بالله ربّ الغلام “. فهرع أصحاب الملك إليه، وقالوا: أرأيت ما كنت تخشاه! لقد وقع؛ لقد آمن الناس بالله رب الغلام فأمر الملك بحفر شقّ في الأرض، وإشعال النار فيها. ثم أمر جنوده بتخيير الناس: فإما الرجوع عن الإيمان، أو إلقائهم في النار ففعل الجنود ذلك، حتى جاء دور امرأة ومعها رضيعها، فخافت أن تُرمى في النار. فأنطَقَ الله طفلها الرضيع، فقال لها: يا أماه اصبري؛ فإنك على الحق.