الأحد 14 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 29 نوفمبر 2020 مـ

قصة مسائل في التوحيد:

يحكى: أن وفداً من الملحدين جاء إلى بغداد لمناقشة علماء المسلمين في الله جل جلاله، فطلبوا الشيخ حماد ( شيخ الإمام أبي حنيفة _ رضي الله عنهما _ )، وبينما هم والناس في انتظاره، إذ جاء الإمام أبو حنيفة، فحيى الحاضرين وقال:” إن الشيخ أكبر من أن يحضر هذا الاجتماع، وقد اختار أصغر تلامذته ليردّ على أسئلتكم “.

وما أن أخذ الإمام في مكانه في المجلس مع الوفد، حتى انهالت عليه الأسئلة:

قالوا: في أيّ سنةٍ ولدَ ربّك؟

فقال: الله لم يولد؛ وإلا كان له أبوان، ولم يلِد؛ وإلا كان له أولاد، والقرآن واضح في وصفه ومُحدَّد: { لم يلد ولم يولد }[الإخلاص:3].

قالوا: في أي سنة وُجِد ربّك؟

فقال: الله موجود قبل التاريخ والأزمنة والدّهور؛ لا أوّل لوجوده.

قالوا: نريد منك إعطاءنا في الجواب أمثلة من خلال الواقع المحسوس؟

فقال لهم: ماذا قبل الأربعة؟

قالوا: ثلاثة.

فقال: وماذا قبل الثلاثة؟

قالوا: اثنان.

فقال: وماذا قبل الاثنين؟

قالوا: الواحد؟

فقال: وماذا قبل الواحد؟

قالوا: لا شيء قبله.

فقال لهم: إذا كان الواحد الحسابي لا شيء قبله، فما بالكم بالواحد الحقيقي ( وهو الله ).

قالوا له: في أي جهة يتجه ربك؟

فقال لهم: لو أحضرتم مصباحاً في مكانٍ مظلم، ففي أي جهة يتجه النور؟

قالوا: يتجه في جميع الجهات.

فقال لهم: إذا كان هذا حال النور الصناعي هكذا، فما بالكم بنور السماوات والأرض؟[1]

قالوا: عَرِّفنا شيئاً عن ذات ربّك: أهي صلبة كالحديد، أم هي سائلة كالماء، أم هي غازية كالدخان والبخار؟

فقال لهم: هلا جلستم بجوار مريض مشرف على النزع الأخير؟

قالوا: جلسنا.

فقال: هل يكلمكم بعدما أسكته الموت؟

قالوا: كلا.

فقال: كان قبل الموت يتكلم، فصار بعد الموت ساكنا! وكان يتحرك فإذا به متجمداً! فما الذي غيّر حاله؟

قالوا: خروج روحه من جسده.

فقال: أخرجت روحه؟!

قالوا: نعم.

فقال: صِفوا لي هذه الروح: أهي صلبة كالحديد، أم هي سائلة كالماء، أم هي غازية كالدخان والبخار؟

قالوا: لا نعرف شيئاً عنها.

فقال لهم: إذا كانت الروح _ وهي مخلوقة _ لا يمكنكم الوصول إلى كنهها، أفتريدون مني أن أصف لكم الذّات الإلهيَّة؟!!

قالوا: في أي مكان ربك موجود؟

فقال لهم: لو أحضرتم كأساً مملوءة بحليب طازج، فهل في هذا الحليب من سمن؟

قالوا: نعم.

فقال: وأين يوجد السمن في الحليب؟

قالوا: ليس له مكان خاص، بل هو شائع في كل جزئيات الحليب.

فقال لهم: إذا كان الشيء المخلوق ( وهو السمن ) ليس له مكان خاص، أفتطلبون أن يكون للذات الإلهيّة مكان دون مكان؟ إن ذلك لعجيب!![2]

قالوا: إذا كانت كل الأمور مقدرة قبل أن يخلق الكون، فما صناعة ربك؟

فقال لهم: أمور يبديها، يرفع أقواماً ويخفض آخرين ..

قالوا: إذا كان لدخول الجنة أول، فكيف لا يكون لها آخر ونهاية، بل أهلها خالدون فيها؟

فقال لهم: الأرقام الحسابية لها أول وليس لها نهاية.

قالوا له: كيف نأكل في الجنة، ثم لا نتبول ولا نتغوط؟!

فقال لهم: أنا وأنتم وكل مخلوق، مكث في بطن أمه تسعة أشهر يتغذى من دماء أمه، ولا يتبول ولا يتغوط.

قالوا له: كيف يتأتى أن تزداد خيرات الجنة بالإنفاق منها، ولا يمكن أن تنتهي أو تنفد؟

فقال لهم: العلمُ كلما أنفقت منه ازداد ولم ينقص. [ موقع: دار الجنيد ]

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] – هذا من باب إقامة الحجة بالتقريب، والمقصود: إثبات موجود من غير أن يكون في جهة، وليس المقصود أن الله جل جلاله في كل الجهات.

[2] – هذا مثل السابق، والمقصود منه: إثبات موجود من غير أن يكون في مكان، وليس المقصود أن الله جل جلاله في كل مكان.