الأحد 14 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 29 نوفمبر 2020 مـ

قصة حفظ الكلام:

يحكى: عن عبد الله بن المبارك : خرجتُ حاجّاً إلى بيت الله الحرام، وزيارة‎ ‎قبر نبيه ‎.

فبينما أنا في بعض الطريق إذ أنا بسَوَادٍ،‎ ‎فتَمَيَّزْتُ ذاك فإذا هي عجوز، عليها درع ٌ من صفوف، وخمارٌ من ‏صوف‎ . فقلت: السلام عليك ورحمة الله وبركاته.

فقالت: { سلامٌ قولاً من رب رحيم }.

فقلت لها: يرحمك الله، ما تصنعين في هذا المكان؟‎

قالت: { ‎ومن يُضلل اللهُ فلا هاديَ له }‎.

فقلت لها: أين تريدين؟‎

قالت: { سبحان‎ ‎الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى }‎.

فقلت لها: أنت‎ ‎منذ كم في هذا الموضع‎؟

قالت: { ثلاث ليالٍ سويّاً }‎.

فقلت: ما أرى‎ ‎معك طعامًا تأكلين‎؟

قالت: { هو يطعمني ويسقين‎ }.

فقلت: فبأي شيء‎ ‎تتوضئين؟‎

قالت: { فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا صعيدًا طيبا }.

فقلت‎ ‎لها: إن معي طعامًا، فهل لك في الأكل؟‎

قالت: { ثم أتموا الصيام إلى الليل‎ }.

فقلت: ليس هذا شهر رمضان‎؟

فقالت: { ومن تطوعَ خيرًا فإن اللهَ شاكرٌ‎ ‎عليم‎ }.

فقلت: قد أبيحَ لنا الإفطار في السفر‎؟

فقالت: { وأن تصوموا‎ ‎خير لكم إن كنتم تعلمون‎ }.

فقلت: لم لا تكلمينني مثلما أكلمك؟‎

قالت‎: { ‎ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد‎ }.

فقلت: فمن أي الناس أنتِ؟‎

قالت: { ولا تَقْفُ ما ليس لك به علم إن السمعَ والبصرَ والفؤادَ كل‎ ‎أولئك كان عنه مسؤولا‎ }.

فقلت: قد أخطأتُ فاجعليني في حِلٍ‎؟

قالت‎: { ‎لا تثريبَ عليكم اليوم يغفر الله لكم‎ }.

فقلت: فهل لكِ أن أحملك على ناقتي‎ ‎هذه فتدركي القافلة؟‎

فقالت: { وما تفعلوا من خير يعلمه الله‎ }.

فأنختُ ناقتي‎، فقالت: { قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم‎ }.

فغضضتُ بصري عنها‎، وقلت لها: اركبي‎.

فلما أرادت أن‎ ‎تركب نفرَت الناقة فمزقت ثيابها‎! فقالت: { وما أصابكم من‎ ‎مصيبة فبما كسبت أيديكم‎ }.

فقلت لها: اصبري حتى أَعْقِلها‎.

فقالت‎: { ‎ففهمناها سليمان‎ }.

فعقلتُ الناقة‎، وقلت لها: اركبي‎.

فلما‎ ‎ركبت قالت: { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون‎ }.

فأخذتُ بزمام الناقة وجعلت أسرع وأصيح‎، فقالت: { واقصد في‎ ‎مشيك واغضض من صوتك‎ }.

فجعلتُ أمشي رويدًا رويدًا وأترنم بالشعر‎، فقالت: { فاقرءوا ما تيسر من القرآن‎ }.

فقلت لها: لقد أوتيتِ خيرًا‎ ‎كثيرا‎؟

فقالت: { وما يذكر إلا أولوا الألباب‎ }.

فلما مشيتُ بها‎ ‎قليلاً‎، قلتُ: ألكِ زوج؟‎

قالت‎: ‎{ يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا‎ ‎عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‎ }.

فسكتُّ ولم أكلمها حتى أدركت بها القافلة‎، فقلت لها: هذه القافلة، فمن لك فيها؟‎

فقالت: { المال والبنون زينة‎ ‎الحياة الدنيا‎ }.

فعلمتُ أن لها أولادًا‎، فقلت: وما شأنهم في‎ ‎الحج؟‎

قالت: { وعلامات وبالنجم يهتدون‎ }.

فعلمتُ أنهم أدلاء الركب‎ ، فقصدتُ بها القباب والعمارات‎، فقلت: هذه القباب، فمن لك فيها؟‎

قالت: { واتخذ الله إبراهيم خليلا }، { وكلم الله موسى تكليما }، { يا يحيى‎ ‎خذ الكتاب بقوة }‎.

فناديتُ: يا إبراهيم، يا موسى، يا يحيى‎، فإذا أنا‎ ‎بشبان كأنهم الأقمار قد أقبلوا.

فلما استقر بهم الجلوس‎ قالت:‏‎ { فابعثوا‏‎ ‎أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعامًا فليأتكم برزق منه‎ }.

فمضى أحدهم فاشترى طعامًا فقدمه بين يديّ‎.

فقالت: { ‏‎كلوا واشربوا‏‎ ‎هنيئـًا بما أسلفتم في الأيام الخالية‎ }.

فقلتُ: الآن طعامكم عليّ حرام حتى‎ ‎تخبروني بأمرها‎.

فقالوا: هذه أمّنا منذ أربعين سنة لم تتكلم إلا بالقرآن؛ ‎مخافة أن تزلَّ فيسخط عليها الرحمن، فسبحان القادر على ما ‏يشاء.

فقلتُ‎: ‎ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. [ موقع: دار الجنيد ]‎ ‎