الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق 18 سبتمبر 2020 مـ

قصة عبادة سيدنا أبي هريرة رضي الله عنه:

يحكى: عن شقيق البلخي ، أنه قال: خرجت حاجاً في سنة تسع وأربعين ومئة، فنزلت القادسيّة، فبينما أنا أنظر إلى الناس وزينتهم وكثرتهم، نظرت فتى حسن الوجه، فوق ثيابه ثوب صوف، مشتملاً بشملة، وفي رجليه نعلان، وقد جلس منفرداً ..

فقلت في نفسي: هذا الفتى من الصّوفيّة، يريد أن يكون كلا على الناس في طريقهم، واللهِ لأمضينَّ إليه، ولأوبِّخَنَّه، فدنوت منه.

فلما رآني مقبلاً قال: يا شقيق، { اجتنبوا كثيراً من الظنّ؛ إن بعض الظنّ إثم }.

وتركني ومضى!

فقلت في نفسي: إن هذا لأمر عظيم، قد تكلّم على ما في نفسي، ونطق باسمي! ما هذا إلا عبد صالح، لألحقنّه، ولأسألنّه أن يحللني.

فأسرعت في أثره فلم ألحقه، وغاب عن عيني، فلما نزلنا واقصة، إذا به يصلي وأعضاؤه تضطرب، ودموعه تجري! فقلت: هذا صاحبي، أمضي إليه وأستحلّه.

فصبرت حتى جلس، وأقبلت نحوه.

فلما رآني مقبلاً قال: يا شقيق، إقرأ { وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى }.

ثم تركني ومضى.

فقلت: إن هذا الفتى لَمِنَ الأبدال؛ قد تكلم على سِرّي مرتين.

فلما نزلنا إلى منى، إذا بالفتى قائم على البئر وبيده ركوة _ يريد أن يستقي _، فسقطت الركوة من يده في البئر _ وأنا أنظر إليه _، فرأيته قد رمق السماء، وسمعته يقول:”

أنت ربي إذا ظمئت من الما *** ء وقوتي إذا أردت الطعـاما

اللهم أنت تعلم يا إلهي وسيدي مالي سواها، لا تعدمني إياها “.

فوالله لقد رأيت البئرَ وقد ارتفع ماؤه، فمد يده وأخذ الركوة، وملأها ماءً، وتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب من رمل، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويحرّكه ويشرب!

فأقبلت إليه، وسلمت عليه، فردّ عليّ السلام.

فقلت: أطعمني من فضل الله ما أنعك الله تعالى به عليك؟

فقال: يا شقيق، لم تزل نعمة الله علينا ظاهرة وباطنة، فأحسن ظنك بربّك.

ثم ناولني الركوة، فشربت منها، فإذا سويق وسكّر، فوالله ما شربت قطّ ألذّ منه ولا أطيب منه ريحاً، فشبعت ورويت، وأقمت أياماً لا أشتهي طعاماً ولا شراباً.

ثم لم أره حتى دخلنا مكة، فرأيته ليلة في جنب قبة الشراب، في نصف الليل، يصلي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما رأى الفجر جلس في مصلاه يُسَبّح، ثم قام فصلى، فلما سلم من صلاة الصبح طاف بالبيت سبعا، وخرج، فتبعته، فإذا له حاشية وأموال، وهو على خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس من حوله يُسلمون عليه!!

فقلت لبعض من رأيته بالقرب منه: من هذا الفتى؟!

فقال: هذا موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب .

فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب والشواهد إلا لمثل هذا السيّد.