الأحد 3 صفر 1442 هـ الموافق 20 سبتمبر 2020 مـ

قصة تائب مشتاق ..:

يحكى: عن مالك بن دينار ، أنه قال: رأيت في بعض الأيام شاباً عليه آثار الدعاء ونورُ الإجابه، ودموعُه تتساقط على وجهه، فعرفته _ وكنت أعهده بالبصرة ذا نِعمة _، فبكيت لما رأيت من حالِه على تلك الصّفة، وبكى الآخر لما رآني، وبدأني بالسلام، وقال: يا مالك، بالله عليك إلا ذكرتني في وقت خلواتك، وسألت الله لي التوبة والمغفرة، لعلّه يرحمني ويغفر لي.

ثم أنشأ يقول:

وعرّض بذكري حين تسمع زينب *** وقُل ليس يخلو ساعة منك باله

عسـاها إذا ما مرّ ذِكرِي بسمعها *** تقول: فلان عندكم كيف حاله؟

ثم ولّى ودموعُه تستبق.

فلما دخلت أشهر الحجّ، توجهت إلى مكّة، فبينما أنا في المسجد الحرام، إذ رأيت حلقةً يجتمع الناسُ إليها، وإذا بفتى يتضرّع وقد قطع على الناس طوافهم بكثرة بكائه، فوقفت عليه أنظر مع الناس إليه، فإذا هو الرجل صاحبي، فسُررت به وسلمت عليه، وقلت له: الحمد لله الذي أبدلك بخوفك أمنا، وأعطاك ما تتمنى.

فأنشد يقول:

فساروا بلا خوفٍ إلى خيفِ أمنهم *** فلمـا أناخوا في منـى بلغوا المُنَى

تمنـوا فأعطاهم مُناهـم وصانهم *** بتوبته الخلصـا عن الفُحشِ والخنا

وسامح عن كلّ الذّنوب التي جرت *** وما اجترح العبدُ المسيءُ وما جنى

أدار عليهـم سـاقيَ القوم خمـرة *** فنادوا مَن السـاقي؟ فقـال لهم: أنا

أنـا الله فادعوني، أنـا الله ربكم *** ليَ المجـدُ والعلياءُ والمُلك والسنا

ثم قلت له: بالله عليك، أطلعني على أمرِك كيف كان؟

فقال: ما كان إلا خيراً، دعاني بفضله فأجبته، وأعطاني كل ما منه طلبتُه، وأنشأ يقول:

ولمـا دعاني قلت: أهلا ومرحبـاً *** بوصلِك مـا أحلى هواكَ وأعذبـا

وحقّك أنت السؤلُ والقصدُ والمُنى *** وإن لامني فيـك العَذُولُ وأطنبـا

فقلبي مـا اشـتاقَ الأراك لأجله *** ولا أرضَ نعمان ولا الحيفَ أو قبا

كذاك النقـا والبان والجزع واللوا *** بهم إن حـدا الحادي وغنى وأطربا

وإن عرَضوا يوما بسعدى وزينب *** فما اشتقت سعدى لا ولا رمتُ زينبا

لئن ذكرت تلك المنازل سـادتي *** فقصدي دون الكـلّ ساكنة الخبـا

ثم عاد إلى طوافه وتركني ومضى، فلم أره، ولم أجد له خبراً.