الثلاثاء 9 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 24 نوفمبر 2020 مـ

قصة طلب الموعظة:

يحكى: عن أبي عامر الواعظ  قال: بينا أنا جالس بمسجد رسول الله ، إذ جاءني غلام أسود برقعة، فقرأتها فإذا فيها:

” أسعدك الله يا أخي بمسامرة الفكرة، ونعمك بمؤانسة العبرة، وأفردك بحب الخلوة، وأيقظك من الغفلة. يا أبا عامر، أنا أخ من إخوانك، بلغني قدومك فسررت بذلك، واشتقت إلى رؤيتك ومجالستك وسماع محادثتك، وبي من الشوق ما لو كان فوقي لأظلني، ولو كان تحتي لأقلني، سألتك بالذي حباك بالبلاغة إلا ما ألخقتني جناح التوصل بزيارتك، والسلام “.

فقمت مع الرسول حتى أتى بي إلى قباء، فأنزلني منزلاً رحيبا خربا، وقال: قف ههنا حتى أستأذن لك، فوقفت، فخرج إليّ وقال لي: لج. فدخلت، فإذا بيت مفرد في الخربة، له باب من جريد النخل، وإذا بشيخ قاعد مستقبل القبلة ( تخاله من الوَلَه مكروباً، ومن الخشية محزونا، قد ظهرت في وجهه أحزانه، وذهبت من البكاء عيناه، ومرضت أجفانه )، فسلّمت عليه.

فردّ عليّ السلام _ وإذا به أعمى، مقعد، مسقام _، فقال:” يا أبا عامر، غسل الله تعالى من أدران الذنوب قلبَك، لم يزل قلبي إليك تواقاً، وإلى استماع الموعظة منك مشتاقاً، وبي جرح نغل، قد أعيا الواعظين دواؤه، وأعجز المتطبّبين شفاؤه، وقد بلغني نفع مراهمك للجراح والآلام، فبادر رحمك الله في إيقاع الترياق، ولو كان مرّ المذاق؛ فإني ممن يصبر على ألم الدواء رجاء الشّفاء “؟

فنظرت إلى منظرٍ بهَرَني، وسمعت كلاماً أفظعني، ففكرت طويلا، وتأتى لي من الكلام، وسهل من صعوبته ما راق للأفهام، وحصل به للسامع المُرام، فقلت: يا شيخ، إرم ببصر قلبك في ملكوت السّماء، وأجلّ سمع معرفتك في سكان الأرجاء، وانقل حقيقة إيمانك إلى جنة المأوى فترى فيها ما أعد الله تعالى للأولياء، ثم تشرف على نار لظى، فترى ما أعد الله فيها للأشقياء، فشتّان ما بين الدارين، ليس الفريقان في الموت سواء.

فأنَّ أنّة، وصاح صيحة، وزفر زفرة، والتوى وبكى حتى أروى الثرى، وقال:” يا أبا عامر، وقع والله دواؤك على دائي، وأرجو أن يكون عندك شفائي، زدني يرحمك الله “؟

فقلت: يا شيخ، إن الله تعالى عالم بسريرتك، مطلع على حقيقة ضميرك، شاهدك في خلوتك حيث كنت عند استتارك من خلقه ومبارزته.

فصاح صيحة كصيحته الأولى، ثم قال:” مَن لفقري؟ من لفاقتي؟ من لذنبي؟ من لخطيئتي؟ أنت يا مولاي، وإليك مُنقَلبي ومثواي “، ثم خرّ ميتا رحمه الله.

فخرجت لي جارية عليها مدرعة من صوف، وخمار من صوف، قد ذهب السجود بجبهتها وأنفها، وتورّمت لطول القيام قدماها، واصفرّ لونها، فقالت:” أحسنت والله يا حادي قلوب العارفين، ومثير أشجان غليل المحزونين، لا نسي لك هذا المقام ربُّ العالمين؛ هذا الشيخ والدي، مبتلى بالسّقم منذ عشرين سنة ( صلى حتى أقعِد، وبكى حتى عمي )، وكان يتمناك على الله تعالى ويقول: حضرت مجلس أبي عامر فأحيا موات فكري، وطرد وسن نومي، فإن سمعته ثانيا قتلني. فجزاك الله من واعظ خيراً، ومتعك من حكمته بما أعطاك “.

ثم أكبّت على أبيها تقبّل بين عينيه وتبكي وتقول:” يا أبتي، يا أبتاه، يا من أعماه البكاء على ذنبه، يا أبتي يا أبتاه، يا من قتله ذكر وعيد ربه، يا أبتي يا أبتاه، يا حليف الحرقة والبكاء، يا أبتي يا أبتاه، يا جليس الابتهال والدعاء، يا أبتي يا أبتاه، يا صريع المذكّرين والخطباء، يا أبتي يا أبتاه، يا قتيل الوعاظ والحكماء “.

فأجبتها فقلت: أيتها الباكية الحيرى، والنائحة الثكلى، إن أباك نحبهُ قد قضى، وورد دار الجزاء، وعاين كل ما عمل وعليه يُحصى، في كتاب عند ربّ لا يضلّ ولا ينسى؛ فمحسن فله الزلفى، ومسيء فوارد دار من أساء.

فصاحت الجارية كصيحة أبيها، وجعلت ترشح عرقاً، ثم ماتت، رحمهما الله تعالى.

فصلينا عليهما ودفناهما، وسألت عنهما؟ فقيل لي: هما من ولد الحسين بن علي بن أبي طالب ، فما زلت جزعا مما جنيت عليهما، حتى رأيتهما في المنام وعليهما حلتان خضراوان!

فقلت: مرحبا بكما، وأهلا وسهلاً، فما زلت حذرا مما وعظتكما به، فما صنع الله بكما؟

فقال الشيخ:”

أنت شريكي في الذي نلته *** مسـتأهلاً ذلك أبـا عامر

وكـل من أيقظ ذا غفـلة *** فنصف مـا يُعطـاه للآمر

مَن رد عبدا مذنباً كان كمن *** راقـب ربّ العـزّة القاهر

واجتمعنا في دار عدن وفي *** جـوار ربّ سـيد غـافر

يا أبا عامر، وردت على رب كريم راض غير غضبان، فأسكنني الجنان وزوجني من الحور والحسان، فاحرص _ يا أبا عامر _ أن تكثر من الاستغفار في كل وقت، وفي الليل عند الأسحار، تجاور الربّ الغفار “.