الأحد 3 صفر 1442 هـ الموافق 20 سبتمبر 2020 مـ

قصة الدُّنيا والآخِرَة:

يُحكى: أن مالك بن دِينار رضي الله عنه كان يوماً ماشياً في أزِقَّة البَصْرَة، فإذا هو بجارية من جواري الملوك راكبة ومعها الخَدَم، فلما رآها مالك نادى: أيتها الجارية، أيبيعك مولاك؟

فقالت: كيف يا شيخ؟!!

قال: قلت أيبيعك مولاك؟

قالت: ولو باعني، أكان مثلك يشتريني؟!

قال: نعم، وخيراً منك.

فضحكت، وأمرت به أن يُحمل إلى دارها، فحُمِلَ، فدخلت إلى مولاها فأخبرته، فضحك وأمر أن يُدْخَلَ به إليه، فأدخِلَ، فألقيت له الهَيبةُ في قلب السّيِّد، فقال: ما حاجتك؟

فقال: بعني جاريتك؟

قال: أوتطيق أداء ثمنها؟!

قال: قيمتها عندي نواتان مُسَوِّسَتان.

فضحكوا وقالوا: كيف كان ثمنها عندك هذا؟!!

قال: لكثرة عيوبها.

قال: وما عيوبها؟!!

قال: إن لم تتعطَّر ذَفِرَت، وإن لم تستك بخِرَت، وإن لم تمتشط وتدَّهن قملت وشَعَثت، وإن عمرت عن قليل هَرِمت، ذات حيض وبولٍ وأقذار، وحزن وغمٍّ وأكدار، ولعلها لا تودّك إلا لنفسِها، ولا تحبّك إلا لتنعّمها، لا تفي بعهدك، ولا تصدق في ودِّك، ولا تخلف عليها أحداً بعدك إلا أرادته مثلَك!!

وأنا أجِد بِدُونِ ما سألت في جاريتك منَ الثَّمَن جاريَةً خُلِقت من سلالة الكافور والمِسك والزَّعفران والجوهر والنور، لو مُزِجَ بريقها أجاج لطاب، ولو دُعي بكلامها ميّتٌ لأجاب، ولو بدا مِعصمها للشمس لأظلمت دونه وكُسِفَت، ولو بدا في الظلمات لأنارت به وأشرَقَت، ولو واجهت الآفاق بحليها وحللها لتعطّرت بها وتزخرفت؛ نشأت في رياض المسك والزعفران، وقضبان الياقوت والمرجان، وقصرت في خِيام النَّعيم، وغذيت بماء التّسنيم، لا تخلف عهدها، ولا تُبدّل ودّها.

فأيهما أحق بدفع الثَّمَن؟

قال الرجل: الذي وصَفت.

قال: فإنها الموجودة الثمن، القريبة الخطب في كل زمن.

قال: فما ثمنها _ رحمك الله _؟!

قال: اليسير المبذول لنيل الخطير المأمول، أن تتفرّغ في ليلك ساعة فتصلي ركعتين تخلصهما لربّك، وأن تضع طعامك فتذكر جائعك فتؤثره لله عز وجل على شهوتك، وأن ترفع عن الطريق حجراً أو قذراً، وأن تقطع أيامك بالبلغة والقِلّة، وترفع همك عن دار الغرور والغفلة، فتعيش في الدنيا بعِزِّ القَناعة، وتأتي إلى موقف الكرامة أمناً غداً، وتنزل في الجنة دار النعيم في جوار الملك الكريم مخلّداً.

فقال الرجل: يا جارية، أما سَمِعت ما قال شيخنا هذا؟!

قالت: نعم.

قال: أفصدق أم كَذِب؟

قالت: بل صِدق وبِرٌّ ونصح.

قال: فأنت إذن حُرَّة لِوجه الله تعالى، وضيعة كذا وكذا صدقة عليك، وأنتم أيها الخدام أحرار، وضيعة كذا وكذا لكم، وهذه الدار بما فيها صدقة مع جميع مالي في سبيل الله تعالى. ثم مَدَّ يدَه إلى سَترٍ خَشِنٍ كان على بعض أبوابه فاجتذَبَه، وخلع جميع ما كان عليه واستتر به.

فقالت الجارية: لا عيشَ لي بعدك يا مولاي، فرمت بكِسوتها ولبست ثوباً خَشِناً وخرجت معه.

فودَّعهما مالك بن دينار ودعا لهما، وأخذا طريقاً غيره، فتعبّدا جميعاً. “انتهى

———————

فحقيقة الدنيا: النَّقْصَ والعيب، وحقيقة الآخرة: الكمال والتمام، ومن هذا يتجلى قول الله تبارك وتعالى: { وفَرِحوا بالحياة الدّنيا وما الحياة الدنيا في الآخرة إلا متاع }، لذلك :” الدّنيا ريحُ الآخرة، وهي خسيسَةٌ وتلك الفاخِرة، فلا تكن كالجائع يَشْتَغِلُ بِشَمِّ الطعام عن الأكلِ حتى يقَعَ على مناخرَه. “انتهى، وقال في التنبيه على هذا كلمات جامعة أخرى يوجد بعضها في صفحة ( الحكمة السعدية )، فالحمد لله رب العالمين.