الثلاثاء 9 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 24 نوفمبر 2020 مـ

قصة الجهاد في سبيل الله:

يُحكي: أن الشيخ عبد الواحد بن زيد قال:” بينما نَحن ذات يوم في مجلسنا هذا، قد تَهيّأنا للخروج إلى الغزو، وقد أمرت أصحابي أن يتهيئوا لقراءة آيتين، فقرأ رجل في مجلسنا: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة }، فقام غلام في مقدار خمس عشرة سنة أو نحو ذلك، وقد مات أبوه وورثه مالاً كثيراً، فقال: يا شيخ عبد الواحد بن زيد، ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة )؟

فقلت: نعم يا حبيبي؟!!

فقال: إني أُشْهِدُك أني قد بعت نفسي ومالي بأن لي الجنة.

فقلت له: إن حدَّ السيف أشدّ من ذلك، وأنت صبيّ، وأنا أخاف أن لا تصبر وتعجز عن ذلك.

فقال: يا عبد الواحد، أبايع الله تعالى بالجنة، ثمَّ أعجز أنا؟‍! أُشْهِد اللهَ أني قد بايعته.

قال الشيخ عبد الواحد: فتقاصرت إلينا أنفسنا، وقلنا: صبيٌّ يعقل ونحن لا نعقل.

فخرج من ماله كله، وتصدَّق به إلا فرسه وسلاحه ونفقته. ولمَّا كان يوم الخروج، كان أول من طلع علينا، فقال: السلام عليك يا شيخ عبد الواحد.

فقلت: وعليك السلام، ربح البيع.

ثم سِرنا وهو معنا، يصوم النهار ويقوم الليل، ويخدمنا ويخدم دوابنا، ويحرسنا إذا نِمْنا، حتّى إذا انتهينا إلى دار الروم، فبينما نحن كذلك، إذا به قد أقبل وهو ينادي: وَاشَوْقَاه إلى العَيْنَاء المُرْضِيَة.

فقال أصحابي: لعله وُسْوِس لهذا الصبيّ واختلط عقله؟‍!

فقلت: حبيبي، وما هذه العيناء المُرْضِيَة؟‍!

فقال: إني غفوت غفوة، فرأيت كأنه أتاني آتٍ، فقال لي: اذهب إلى العيناء المُرْضِيَة.

فهُجِم بي على روضة فيها نَهَرٌ من ماء غير آسن، وإذا على شطّ النهر جوارٍ عليهن من الحلي والحلل ما لا أقدر أن أصفه!!

فلما رأينني استبشرن بي، وقلن: هذا زوج العيناء المُرْضِيَة.

فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المُرْضِيَة؟

فقلن: نحن خدمها وإماؤها، امضِ أمامك.

فمضيت أمامي، فإذا أنا بنهرٍ من لبن لم يتغيّر طعمه، في روضةٍ فيها من كلِّ زينة، فيها جوارٍ لمَّا رأيتهن افْتُتِنْت بحسنهن وجمالهن!!

فلما رأينني استبشرن بي وقلن: هذا والله زوج العيناء المُرْضِيَة.

فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المُرْضِيَة؟

فقلن: يا ولي الله، نحن خدمها وإماؤها، فتقدّم أمامك.

فتقدّمت، فإذا أنا بنهر من خمرة لذّة للشاربين، وعلى شطّ الوادي جَوار أَنْسَيْنَني من خلَّفت!!

فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المُرْضِيَة؟

فقلن: لا، نحن خدمها وإماؤها، امضِ أمامك.

فمضيت، فإذا أنا بنهرٍ من عسل مصفى، وجَوار عليهن من النور والجمال ما أنساني ما خلَّفت!!

فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المُرْضِيَة؟

فقلن: يا ولي الله، نحن خدمها وإماؤها، فامضِ أمامك.

فمضيت أمامي، فوصلت إلى خيمة من دُرَّة بيضاء، وعلى باب الخيمة جارية عليها من الحُلِيّ والحُلَل ما لا أقدر أن أصفه!!

فلما رأتني استبشرت، ونادت من في الخيمة: أيتها العيناء المُرْضِيَة، هذا بَعْلُك قد قَدِم، فدنوت من الخيمة ودخلت، فإذا هي قاعدة على سرير من ذهب، مكلّل بالدُّرِّ والياقوت! فلمّا رأيتها افتُتنت بها وهي تقول: مرحباً بك يا ولي الرحمن، قد دنا لك القدوم علينا.

فذهبت لأعتنقها، فقالت: مهلاً، فإنه لم يأن لك أن تعانقني؛ لأن فيك روح الحياة، وأنت تفطر الليلة عندنا إن شاء الله تعالى.

قال: فانتبهت يا شيخ عبد الواحد ولا صبر لي عنها.

قال الشيخ عبد الواحد: فما انقطع كلامنا حتى ارتفعت لنا سرية من العدوّ، فحمل الغلام عليهم، فعددت تسعة من العدو قتلهم وكان هو العاشر.

فمررت به، وهو يتشحط في دمه، وهو يضحك ملء فيه حتى فارق الدنيا. “انتهى