الثلاثاء 9 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 24 نوفمبر 2020 مـ

قصة المحبة:

يُحكى: أن الشيخ ذا النون المصري رضي الله عنه قال:” وُصِف لي رجل من السَّادة باليمن ( قد بَرَزَ على الخائفين، وسَمَا على المُجتهدين، بسيما بين الناس معروف، وباللب والحِكمة والتواضع والخشوع موصوف ) فخرجت حاجّاً إلى بيت الله الحرام، فلمَّا قَضَيت الحجَّ قصدت زيارته؛ لأسْمَع من كلامه وأنتَفع بموعظته، أنا وأناس كانوا معي يطلبون ما أطلب من البَرَكة، وكان معنا شابّ عليه سيما الصالحين ومَنْظَر الخائفين، وكان مُصْفرّ الوجه من غير سَقَم، أعْمَشَ العَينينِ من غير رمد، يُحِبّ الخِلوةَ، ويأنَس بالوِحدة، تراه كأنه قريب عهدٍ بمُصيبة!!

وكنا نعذله على أن يرفق بنفسه فلا يُجيب قولنا وعَذْلنا، ولا يزداد إلا مُجاهدة واجتهاداً، ولسان حاله يقول:

أيهـا العاذلون في الحـبّ مَهلاً *** حاشَ لي عن هـواه أن أتَسـلى

كيف أسلو وقـد تزايد وَجـدي *** وتـبـدَّلـت بعــد عِـزّي ذُلا

قِيل تبلى، فقلت تبلى عظـامي *** وسط لحـدِى وحُبّكـم ليس يبلى

حبكم قـد شـربتُهُ في فـؤادي *** في قديم الزمـان مُـذ كنت طفلا

ولم يزل ذلك الشاب في جملتنا حتى انتهى معنا إلى اليمن، وسألنا عن منزل الشيخ، فأرشِدْنا إليه، فطرقنا الباب، فخرج إلينا كأنما يخبر عن أهل القُبور، فجلسنا إليه، فبدأه الشابّ بالسلام والكلام، فصافحه وأبدى له البِشرَ والترحيب من دوننا، وسلمنا كلنا عليه.

ثم تقدَّم إليه الشابّ وقال: يا سيدي، إن الله قد جعلك وأمثالك أطباء لأسْقام القلوب، ومعالجين لأوجاع الذّنوب، وبي جرح قد نَغَل، وداء قد استمكن وأعضل، فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل؟

فأنشد الشيخ هذه الأبيات:

إنَّ داء القلـوب داء عـظيــم *** كيف لي بالخلاص من داء ذنبـي

هل طبيب مناصـح لـي فإنـي *** أعْجَـزَ الخلـقَ والأطبّـاءَ طبِّي

آه واخجلتي ويـا طول حـزني *** من وقوفـي إذا وقفــت لربـي

وانقطاع الجـواب مني، ولِـمَ لا *** وبلائي قد جـلَّ عن كـلّ خطب

فقال الشاب للشيخ: فإن رأيت أن تتلطف بي ببعض مراهمك فافعل؟

فقال له الشيخ: سَل عمَّا بدا لك؟

فقال: ما علامة الخوف من الله تعالى؟

قال: أن يُؤمنك خوفُ الله من كل خوفٍ غير خوفه.

فانتفض الفَتى جزعاً، ثم خرَّ مغشياً عليه ساعة، فلما أفاق قال: رحمك الله، متى يتيقَّن العبد خوفه من الله؟

قال: إذا أنزل نفسَه من الدنيا منزلةَ العَليل السَّقيم فهو مُحْتَمٍ من أكل الطعام مخافة طول السّقام، وتَصَبَّر على مَضض الدواء مخافة طول الضَّنا.

فصاح الشابّ صيحةً ظننا أن روحه قد خرجت، ثم قال: يرحمك الله، ما علامة المحبَّة لله تعالى؟

فقال: يا حبيبي، إن درجة المحبة لله رفيعة.

فقال الشاب: أحِبّ أن تصفها لي؟

فقال: يا حبيبي، إن المحبين لله تعالى شُقَّ لهم عن قلوبهم، فأبصروا بنور القلوب إلى جلال عظَمَة الإله المحبوب، فصارت أرواحهم روحانيّة، وقلوبُهم حجبيَّة، وعقولهم سماويَّة، تسرح بين صفوف الملائكة الكرام، وتشاهد تلك الأمور باليقين والعَيان، فعَبَدوه بمَبلَغ استطاعتهم له، لا طمعاً في جنَّته ولا خوفاً من ناره (ح1).

فشهق الشاب شهقةً، فمات رحمة الله تعالى عليه، فجعل الشيخ يُقبِّله ويبكي ويقول: هذا تضرُّع الخائفين، هذه درجة المُحبِّين، هذه روح حنَّت فأنَّت، فسمعت فاشتاقت، فشهقت فماتت “اهـ

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(ح1) :” وشواهد عبادة الله تعالى لذاته، وبيان علو مقام أهل هذا الفعل في الشرع لا تكاد تحصى، ولكن لما كان من سنة الله تعالى حجبَ أعدائه عن تلك المقامات، وعدم رؤية عمي البصيرة تلك الأمور الجليلة، لاح بعض المبتدعة المارقين بأعلام الإنكار والنكير على ذلك، رغم أنهم يتلون نحو قول مولاي الله تعالى: { واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يُريدون وجهه }!! “انتهى