الثلاثاء 9 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 24 نوفمبر 2020 مـ

قصة التقوى:

يُحكى: أن امرأة ركبت في سفينة مع ابنها الصغير، فلما صارت السفينة في وسط البحر، عصفت بها ريحٌ فغرقت وجميع من فيها، ولم ينج أحد منهم غير المرأة وابنها في حُجرها على لوح، ورجلٌ على لوح آخر، فلما أضاء الصبح، نظر الرجل إلى المرأة، وجعل يدفع الماء بيديه حتى لصق بها واستوى معها على اللوح، ثم جعل يراودها عن نفسها، فقالت له: يا عبد الله، أما تخاف الله تعالى؟ .. أما تخاف الله تعالى؟ .. نحن في بليّة لا نرج الخلاص منها بطاعته، فكيف بمعصيته؟؟

فقال لها: دَعِ عني هذا، فوالله لا بد لي من هذا الأمر.

فلما قال هذا عمدت المرأة إلى طفلها في حجرها فقرصته قرصةً، فاستيقظ وبكى. فقالت له: يا عبد الله، دعني أنوِّم هذا، ويكون من الأمر ما قدره الله علينا.

فلم يلتفت هذا لكلامها، بل مد يده إلى الطفل، ورمى به في البحر، فاشتد خوف المرأة التقيّة، فقالت: ( يا من يحول بين المرء وقلبه .. يا من يحول بين المرء وقلبه .. حل بيني وبين هذا الرجل بحولك وقوتك إنك على كل شيءٍ قدير ).

فما استتمّت كلماتها ودعائها، حتى ظهرت دابة من دواب البحر، ففتحت فاها، والتقمت الرجل، وغاصت به في البحر، وعصمها الله منه بحوله وقوته. ثم ما زالت الأمواج تدفعها بعد ذلك حتى بلغت جزيرة، فقالت المرأة في نفسها: آكل من بقلها وأشرب من مائها حتى يأتي الله بأمره، فلا فرج لي إلا منه.

فمكثت أربعة أيام، فلما كان اليوم الخامس، لاحت لها سفينة في البحر على بعدٍ، فعلت على تلٍ وأشارت إليهم بثوبٍ كان عليها، فخرج إليها منهم ثلاثة نفرٍ في زورق، فركبت معهم فلما دخلت السفينة الكبرى، إذا بالطفل الذي رما به الأسود في البحر عند رجل منهم، فلم تتمالك أن ارتمت على طفلها وقبلت بين عينيه، وقالت: هذا والله ولدي.

فقال لها أهل السفينة: مجنونة أنت، أم اختل عقلك؟

فقالت: والله ما أنا مجنونة ولا اختل عقلي، ولكن جرى من الأمر ما هو كذا وكذا، وذكرت لهم القصة إلى آخرها.

فلما سمعوا منها ذلك، أطرقوا رؤوسهم وقالوا: يا جارية، قد أخبرتينا بأمر تعجبنا منه، ونحن أيضاً نُخبركِ بأمرٍ تتعجبين منه:

بينما نحن نجري بريحٍ طيبة، إذا بدابة قد اعترضتنا ووقفت أمامنا، وهذا الطفل على ظهرها وإذا منادٍ ينادي: إن لم تأخذوا هذا الطفل من ظهرها وإلا هلكتم، فصعد واحدٌ منا على ظهرها وأخذ الطفل، فلما دخل به في السفينة غاصت الدابة في البحر.

وقد تعجبنا من هذا، ومما أخبرتينا به، وقد عاهدنا الله تعالى أن لا يرانا على معصيةٍ بعد هذا اليوم، فتابوا عن آخرهم. “انتهى