الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق 18 سبتمبر 2020 مـ

العارف بالله محمد الباقر رضي الله عنه

نسبه:

اسمه: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب القرشي الهاشمي، أبو جعفر الباقر، وأمه أم عبد الله بنت الحسين بن علي وهو تابعي جليل كبير القدر … من أعلام هذه الأمة علما وعملا وسيادة وشرفا. (البداية والنهاية لابن كثير).
وقال عنه في موضع آخر: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب كان أبوه علي زين العابدين وجده الحسين قتلا شهيدين بالعراق، وسمي الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم، كان ذاكرا خاشعا صابرا وكان من سلالة النبوة رفيع النسب عالي الحسب. اهـ.
مولده:
ولـد سيدنا محمد الباقر بالمدينة المنورة في ثالث صفر سنة سبعه وخمسين من الهجرة قبل قتل جده الحسين بثلاث سنين.
فضله وعبادته:
حكى مولاه أفلح قال: حججت مع أبي جعفر محمد الباقر فلما دخل المسجد ونظر البيت بكى فقلت: بأبي أنت وأمي إن الناس ينظرون إليك فلو خفضت صوتك قليلا، فقال: ويحك يا أفلح ولم لا أرفع صوتي بالبكاء لعل الله ينظر إلي برحمة منه فأفوز بها غدا، ثم طاف بالبيت وجاء حتى ركع خلف المقام فلما فرغ إذا موضع سجوده مبتل من دموع عينيه.
وروى عنه ابن جعفر قال: كان أبي يقول في جوف الليل في تضرعه: أمرتني فلم أأتمر، ونهيتني فلم أنزجر، فها أنا عبدك بين يديك مقر لا أعتذر.
قال خالد بن الهيثم: قال أبو جعفر محمد الباقر: ما اغرورقت عين من خشية الله تعالى إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فإن سالت على الخدين دموعه لم يزهق وجهه قتر ولا زلة، ما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة فإن الله تعالى يكفر بها بحور الخطايا.
حكت سلمى مولاة أبي جعفر أنه كان يدخل عليه بعض إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم في بعض الأحيان ويعطيهم الدراهم؛ قال: فكنت أكلمه في ذلك لكثرة عياله وتوسط حاله فيقول: يا سلمى ما حسنة الدنيا إلا صلة الإخوان والمعارف، فكان يصل بالخمسمائة درهم وبالستمائة درهم إلى ألف درهم.
قال صاحب الإرشاد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن والحسين من علم الدين والسنن وعلم القرءان والسير وفنون الأدب ما ظهر عند أبي جعفر الباقر.
وروى عن معالم الدين بقايا الصحابة ووجوه التابعين وسارت بذكر علومه الأخبار وأنشدت في مدائحه الأشعار.
وكان نقش خاتمه: رب لا تذرني فردا، ونقل الثعلبي في تفسيره أن الباقر نقش في خاتمه هذه الكلمات:
ظني بالله حسن وبالوصي ذي المنن
وبالنبي المؤتمن وبالحسين والحسن
فائدتان: الأولى: روى الزهري قال: حج هشام بن عبدالملك فدخل المسجد الحرام متوكئا على سالم مولاه ومحمد بن علي في المسجد فقال له سالم: يا أمير المؤمنين هذا محمد بن علي بن الحسين في المسجد المفتون به أهل العراق فقال: اذهب إليه وقل له: يقول لك أمير المؤمنين ما الذي يأكلونه الناس ويشربونه إلى أن يفصل بينهم يوم القيامة؟ فقال له: قل له يحشر الناس على مثل قرص من نقي فيها أنهار متفجرة يأكلون ويشربون منها حتى يفرغون من الحساب. قال فلما سمع هشام ذلك رأى أنه قد ظفر به فقال: الله أكبر ارجع إليه فقل له: ما أشغلهم عن الأكل والشرب يومئذ؟ فقال محمد: قل له: هم في النار أشغل، و لم يشغلوا إن قالوا: أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله، فسكت هشام ولم يرجع كلاما.

الثانية: روي أن العلاء بن عمرو بن عبيد قدم على الإمام محمد صاحب الترجمة رضي الله عنه يمتحنه فقال له: جعلت فداك ما معنى قوله تعالى: { أولم ير الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا رتقا ففتقنا هما } ما هذا الرتق والفتق؟ فقال له أبو جعفر محمد: كانت السماء رتقا لا تنزل مطرا وكانت الأرض رتقا لا تخرج النبات ففتقنا هما بنزول المطر وخروج النبات، فسكت أبو عمرو ولم يجد اعتراضا. ثم سأله عن قوله تعالى: { ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى } ما غضب الله تعالى؟ فقال: طرده وعقابه، يا عمرو من ظن أن الله يغيره شيء فقد كفر.(المناوي في طبقاته).
من أقواله:
“ما دخل قلب امرئ شيء من الكبر إلا نقص من عقله مثل ذلك قل أو كثر”.
وكان يقول: “والله لموت عالم أحب إلى الشيطان من موت سبعين عابدا”.
وعن جابر الجعفي قال: قال لي محمد بن علي بن الحسين: يا جابر إني لمشتغل القلب، قلت: وما يشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من يدخل قلبه دين الله الخالص شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا وما عسى أن تكون هل هي إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها، يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لزوالها ولم يأمنوا الآخرة لأهوالها، وإن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك، أليسوا قوالين لحق الله قائمين بأمر الله، فاجعل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت منه وكمال أصبته في منامك ثم استيقظت وليس معك منه شيء واحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته.
“الغنى والفقر يجولان في قلب المؤمن فإذا وصلا إلى مكان التوكل استوطناه”.
“بئس الأخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا”.
وقال لابنه: يا بني إذا أنعم الله عليك فقل: الحمد لله وإذا أزنك أمر فقل لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وإذا أبطأ عليك الرزق فقل أستغفر الله.
وفي كتاب (نثر الدرر) لأبي سعيد منصور بن الحسين: أن محمد بن علي زين العابدين قال لابنه جعفر الصادق رضي الله عنهم: يا بني إن الله خبأ ثلاثة أشياء: خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعل رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من معصيته شيئا فلعل سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرن أحدا فلعله ذلك الولي.
من كراماته:
عن الإمام جعفر الصادق رضي الله عنه قال: كان أبي في مجلس عام ذات يوم إذ أطرق برأسه إلى الأرض ثم رفعه فقال: يا قوم كيف أنتم إذا جاءكم رجل يدخل عليكم مدينتكم هذه في أربعة آلاف حتى يستعرضكم على السيف ثلاثة أيام متوالية فيقتل مقاتلتكم وتلقون منه بلاء لا تقدرون عليه ولا على دفعه وذلك من قابل فخذوا حذركم واعلموا أن الذي قلت لكم هو كائن لا بد منه. فلم يلتفت أهل المدينة إلى كلامه وقالوا: لا يكون هذا أبدا فلما كان من قابل تحمل أبو جعفر من المدينة بعياله هو وجماعة من بني هاشم وخرجوا منها فجاءها نافع بن الأزرق فدخلها في أربعة آلاف واستباحها ثلاثة أيام وقتل فيها خلقا كثيرا لا يحصون وكان الأمر على ما قال. (المناوي في طبقاته).
عن زيد بن قاسم قال: كنت مع أبي جعفر محمد بن علي الباقر فمر بنا زيد بن علي أخوه فقال أبو جعفر: أما رأيت هذا ليخرجن بالكوفة وليقتلن وليطافن برأسه، فكان كما قال. (الدلائل للحميري).
وفاته:
مات الإمام أبو جعفر محمد الباقر رضي الله عنه في ربيع الأول على الأشهر. وأوصى أن يكفن في قميصه الذي كان يصلي فيه.
وفي كتاب (درر الأصداف): مات مسموما كأبيه ودفن بقبة العباس بالبقيع، ومثله في كتاب (الفصول المهمة) عن ابنه الإمام جعفر الصادق قال: كنت عند أبي في اليوم الذي قبض فيه فأوصاني بأشياء في غسله وتكفينه ودفنه ودخول القبر قال: فقلت: يا أبت والله ما رأيتك منذ اشتكيت أحسن منك اليوم ولا أرى عليك أثر الموت؟ فقال: يا بني أما سمعت علي بن الحسين يناديني من وراء الجدار: يا محمد عجل.

تنبيه: وعلى المؤمن التقي الحذر كل الحذر من روايات الزيغ والضلال من أهل الغلو والجفاء، فالحق أحق أن يتبع، فنعتمد على الثابت المسند والحق والمسدد بعيدًا عن جهالات وخزعبلات الفئتين.