الخميس 11 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 26 نوفمبر 2020 مـ

العارف بالله علي بن الحسين رضي الله عنه

اسمه:

ابن الإمام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، السيد الإمام، زين العابدين، الهاشمي، المدني.
كنيته:
يكنى أبا الحسين.

مكانته العلمية:
حدث عن أبيه سيدنا الحسين رضي الله عنه، وكان معه يوم كربلاء وله ثلاث وعشرون سنة، وكان يومئذ موعوكا فلم يقاتل، ولا تعرضوا له، بل أحضروه مع آله إلى دمشق، فرده مع آله إلى المدينة، وحدث أيضا عن جده مرسلا، وعن صفية أم المؤمنين، وذلك في ” الصحيحين ” وعن أبي هريرة، وعائشة وروايته عنها في ” مسلم “، وعن أبي رافع، وعمه الحسن، وعبد الله بن عباس، وأم سلمة، والمسور بن مخرمة، وزينب بنت أبي سلمة .. إلخ.
وكان ثقة مأمونا، كثير الحديث، عاليا، رفيعاً ورعاً.
روى ابن عيينة عن الزهري قال: ما رأيت قرشيا أفضل من علي بن الحسين!
وعن عبد الرحمن بن أردك – يقال هو أخو علي بن الحسين لأمه – قال: كان علي بن الحسين يدخل المسجد، فيشق الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير: غفر الله لك، أنت سيد الناس، تأتي تتخطى حتى تجلس مع هذا العبد، فقال علي بن الحسين: العلم يبتغى ويؤتى ويطلب من حيث كان.
فضله:
عن معمر عن الزهري: لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين.
وورى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه قال: ما رأيت فيهم مثل علي بن الحسين.
وعن ابن وهب عن مالك قال: لم يكن في أهل البيت مثله، وهو ابن أمة.
وعن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد: علي بن الحسين – كان أفضل هاشمي أدركته.

وقيل: إن رجلا قال لابن المسيب: ما رأيت أورع من فلان. قال: هل رأيت علي بن الحسين؟ قال: لا . قال: ما رأيت أورع منه.

عباته:
عن محمد بن أبي معشر السندي عن أبي نوح الأنصاري قال: وقع حريق في بيت فيه علي بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله النار!! فما رفع رأسه حتى طفئت! فقيل له في ذلك فقال: النار الأخرى.
وعن ابن سعد عن علي بن محمد عن عبد الله بن أبي سليمان قال: كان علي بن الحسين إذا مشى لا تجاوز يده فخذيه ولا يخطر بها، وإذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة، فقيل له؟ فقال: تدرون بين يدي من أقوم ومن أناجي؟!
وعنه أنه كان إذا توضأ اصفر.
وعن إبراهيم بن محمد الشافعي عن سفيان: حج علي بن الحسين فلما أحرم اصفر وانتفض ولم يستطع أن يلبي، فقيل: ألا تلبي؟ قال: أخشى أن أقول: لبيك ، فيقول لي: لا لبيك. فلما لبى، غشي عليه، وسقط من راحلته.
فلم يزل بعض ذلك به حتى قضى حجه.
وروى مصعب بن عبد الله، عن مالك: أحرم علي بن الحسين فلما أراد أن يلبي قالها فأغمي عليه وسقط من ناقته فهشم.
ولقد بلغني أنه كان يصلي في كل يوم وليلة ألف ركعة إلى أن مات.
وكان يسمى زين العابدين لعبادته.
عن طاوس: سمعت علي بن الحسين وهو ساجد في الحجر يقول: عبدك بفنائك، مسكينك بفنائك، سائلك بفنائك، فقيرك بفنائك. قال: فوالله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عني.
وعن ابن عيينة عن أبي حمزة الثمالي: أن علي بن الحسين كان يحمل الخبز بالليل على ظهره يتبع به المساكين في الظلمة، ويقول: إن الصدقة في سواد الليل تطفئ غضب الرب.
وعن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلما مات علي بن الحسين فقدوا ذلك الذي كانوا يؤتون بالليل.
وعن جرير بن عبد الحميد، عن عمرو بن ثابت: لما مات علي بن الحسين وجدوا بظهره أثرا مما كان ينقل الجرب بالليل إلى منازل الأرامل.
وقال شيبة بن نعامة: لما مات علي وجدوه يعول مائة أهل بيت.

وقال بعضهم : ما فقدنا صدقة السر حتى توفي علي بن الحسين .

وروى حاتم بن أبي صغيرة عن عمرو بن دينار قال: دخل علي بن الحسين على محمد بن أسامة بن زيد في مرضه فجعل محمد يبكي فقال: ما شأنك؟ قال: علي دين. قال: وكم هو؟ قال: بضعة عشر ألف دينار. قال: فهي علي.
من أقواله:
عن يحيى بن كثير عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: جاء رجل إلى أبي فقال: أخبرني عن أبي بكر؟ قال: عن الصديق تسأل؟ قال: وتسميه الصديق؟! قال: ثكلتك أمك قد سماه صديقا من هو خير مني رسول الله صلى الله عليه وسلم والمهاجرون والأنصار؛ فمن لم يسمه صديقا فلا صدق الله قوله! اذهب فأحب أبا بكر وعمر وتولهما فما كان من أمر ففي عنقي.
قال زيد بن أسلم: كان من دعاء علي بن الحسين: اللهم لا تكلني إلى نفسي فأعجز عنها، ولا تكلني إلى المخلوقين فيضيعوني.
وروي أن هشام بن عبد الملك حج قبيل ولايته الخلافة فكان إذا أراد استلام الحجر زوحم عليه وإذا دنا علي بن الحسين من الحجر تفرقوا عنه إجلالا له! فوجم لها هشام وقال: من هذا؟ فما أعرفه. فأنشأ الفرزدق يقول:
هَذا الّذي تَعرِفُ البَطْحاءُ وَطْأتَهُ
وَالبَيْتُ يعْرِفُهُ وَالحِلُّ وَالحَرَم

هذا ابنُ خَيرِ عِبادِ الله كُلّهِمُ،
هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهِرُ العَلَمُ

هذا ابنُ فاطمَةٍ، إنْ كُنْتَ جاهِلَهُ
بِجَدّهِ أنْبِيَاءُ الله قَدْ خُتِمُوا

وَلَيْسَ قَوْلُكَ: مَن هذا؟ بضَائرِه
العُرْبُ تَعرِفُ من أنكَرْتَ وَالعَجمُ

كِلْتا يَدَيْهِ غِيَاثٌ عَمَّ نَفعُهُمَا
يُسْتَوْكَفانِ، وَلا يَعرُوهُما عَدَمُ

سَهْلُ الخَلِيقَةِ، لا تُخشى بَوَادِرُهُ
يَزِينُهُ اثنانِ: حُسنُ الخَلقِ وَالشّيمُ

حَمّالُ أثقالِ أقوَامٍ، إذا افتُدِحُوا
حُلوُ الشّمائلِ، تَحلُو عندَهُ نَعَمُ

ما قال: لا قطُّ، إلاّ في تَشَهُّدِهِ،
لَوْلا التّشَهّدُ كانَتْ لاءَهُ نَعَمُ

عمَّ البَرِيّةَ بالإحسانِ، فانْقَشَعَتْ
عَنْها الغَياهِبُ والإمْلاقُ والعَدَمُ

إذا رَأتْهُ قُرَيْشٌ قال قائِلُها
إلى مَكَارِمِ هذا يَنْتَهِي الكَرَمُ

يُغْضِي حَياءً، وَيُغضَى من مَهابَتِه
فَمَا يُكَلَّمُ إلاّ حِينَ يَبْتَسِمُ

بِكَفّهِ خَيْزُرَانٌ رِيحُهُ عَبِقٌ
من كَفّ أرْوَعَ، في عِرْنِينِهِ شمَمُ

يكادُ يُمْسِكُهُ عِرْفانَ رَاحَتِهِ
رُكْنُ الحَطِيمِ إذا ما جَاءَ يَستَلِمُ

الله شَرّفَهُ قِدْماً، وَعَظّمَهُ
جَرَى بِذاكَ لَهُ في لَوْحِهِ القَلَمُ

أيُّ الخَلائِقِ لَيْسَتْ في رِقَابِهِمُ،
لأوّلِيّةِ هَذا، أوْ لَهُ نِعمُ

مَن يَشكُرِ الله يَشكُرْ أوّلِيّةَ ذا؛
فالدِّينُ مِن بَيتِ هذا نَالَهُ الأُمَمُ

يُنمى إلى ذُرْوَةِ الدّينِ التي قَصُرَتْ
عَنها الأكفُّ، وعن إدراكِها القَدَمُ

مَنْ جَدُّهُ دان فَضْلُ الأنْبِياءِ لَهُ؛
وَفَضْلُ أُمّتِهِ دانَتْ لَهُ الأُمَمُ

مُشْتَقّةٌ مِنْ رَسُولِ الله نَبْعَتُهُ،
طَابَتْ مَغارِسُهُ والخِيمُ وَالشّيَمُ

يَنْشَقّ ثَوْبُ الدّجَى عن نورِ غرّتِهِ
كالشمس تَنجابُ عن إشرَاقِها الظُّلَمُ

من مَعشَرٍ حُبُّهُمْ دِينٌ، وَبُغْضُهُمُ
كُفْرٌ، وَقُرْبُهُمُ مَنجىً وَمُعتَصَمُ

مُقَدَّمٌ بعد ذِكْرِ الله ذِكْرُهُمُ
في كلّ بَدْءٍ، وَمَختومٌ به الكَلِمُ

إنْ عُدّ أهْلُ التّقَى كانوا أئِمّتَهمْ،
أوْ قيل: «من خيرُ أهل الأرْض؟» قيل: هم

لا يَستَطيعُ جَوَادٌ بَعدَ جُودِهِمُ،
وَلا يُدانِيهِمُ قَوْمٌ، وَإنْ كَرُمُوا

وهي قصيدة طويلة! قال: فأمر هشام بحبس الفرزدق، فحبس بعسفان، وبعث إليه علي بن الحسين باثني عشر ألف درهم وقال: اعذر أبا فراس. فردها وقال: ما قلت ذلك إلا غضبا لله ولرسوله.
فردها إليه وقال: بحقي عليك لما قبلتها، فقد علم الله نيتك ورأى مكانك. فقبلها.

وفاته:

25 محرم سنة 95 للهجرة توفي الإمام السجّاد وله من العمر 57 سنة ودفن في البقيع إلى جانب قبر عمّه الحسن بن علي رضي الله عنه.

تنبيه:

وعلى المؤمن التقي الحذر كل الحذر من روايات الزيغ والضلال من أهل الغلو والجفاء، فالحق أحق أن يتبع، فنعتمد على الثابت المسند والحق المسدد بعيدًا عن جهالات وخزعبلات الفئتين.