الأربعاء 22 ذو الحجة 1441 هـ الموافق 12 أغسطس 2020 مـ

العارف بالله الحسن البصري رضي الله عنه

اسمه:

هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الأنصاري، ويقال مولى أبي اليسر كعب بن عمرو السلمي.
مولده:
تزوج والده من امرأة اسمها (خيرة) فولدت به لسنتين بقيتا من خلافة سيدنا عمر رضي الله تعالى عنه.
فضائله:
كان سيد أهل زمانه علماً وعملاً. قال معتمر بن سليمان: كان أبي يقول: الحسن شيخ أهل البصرة.
وعن علي بن زيد، قال: سمعت من ابن المسيب، وعروة، والقاسم وغيرهم، ما رأيت مثل الحسن، ولو أدرك الصحابة وله مثل أسنانهم ما تقدموه.
وقال مسلمة بن عبدالملك : كيف يضل قوم فيهم مثل الحسن البصري.
وقال عوف ما رأيت رجلا أعلم بطريق الجنة من الحسن.
عن الربيع بن أنس، قال: اختلفت إلى الحسن عشر سنين أو ما شاء الله، فليس من يوم إلا أسمع منه ما لم أسمع قبل ذلك.
وقال معاذ بن معاذ: قلت للأشعث: قد لقيت عطاء وعندك مسائل، أفلا سألته؟! قال: ما لقيت أحدا بعد الحسن إلا صغر في عيني.
وقال قتادة: ما جمعت علم الحسن إلى أحد من العلماء إلا وجدت له فضلا عليه، غير أنه إذا أشكل عليه شيء، كتب فيه إلى سعيد بن المسيب يسأله، وما جالست فقيها قط إلا رأيت فضل الحسن.
عبادته:
عن حمزة الأعمى قال: وكنت أدخل على الحسن منزله وهو يبكي، وربما جئت إليه وهو يصلي فاسمع بكاءه ونحيبه، فقلت له يوما: إنك تكثر البكاء، فقال: يا بني! ماذا يصنع المؤمن إذا لم يبك؟ يا بني إن البكاء داع إلى الرحمة، فإن استطعت أن تكون عمرك باكيا فافعل لعله تعالى أن يرحمك، فإذا أنت نجوت من النار.
وقال السري بن يحي: كان الحسن يصوم البيض، وأشهر الحرم، والاثنين والخميس.
وعن علقمة بن مرثد قال: وأما الحسن فما رأينا أحدًا أطول حزنًا منه، ما كنا نراه إلا حديث عهد بمصيبة.
ويقول يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبد العزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما.

أقواله:
إن قوما ألهتهم أماني المغفرة ورجاء الرحمة حتى خرجوا من الدنيا وليست لهم أعمال صالحة، يقول أحدهم: إني لحسن الظن بالله، وأرجو رحمة الله، وكذب، لو أحسن الظن بالله لأحسن العمل لله، ولو رجا رحمة الله لطلبها بالأعمال الصالحة، يوشك من دخل المفازة من غير زاد ولا ماء أن يهلك.
ما بكى عبد إلا شهد عليه قلبه بالصدق أو الكذب
يا ابن آدم! إن من ضعف يقينك أن تكون بما في يدك أوثق منك بما في يدي الله عز وجل.
الناس في العافية سواء، فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال.
ابن آدم! إنك لن تصيب حقيقة الإيمان حتى لا تصيب الناس بعيب هو فيك، وحتى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك، فإذا فعلت ذلك كان ذلك شغلك في طاعة نفسك، وأحب العباد إلى الله من كان هكذا.
تصبروا وتشددوا فإنما هي ليال تعد، وإنما أنتم ركب وقوف يوشك أن يدعى أحدكم فيجيب ولا يلتفت، فانقلبوا بصالح ما بحضرتكم، إن هذا الحق أجهد الناس وحال بينهم وبين شهواتهم، وإنما يصبر على هذا الحق من عرف فضله وعاقبته.
إن المؤمن أسير في الدنيا يسعى في فكاك رقبته، لا يأمن شيئا حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه وبصره ولسانه، وفي جوارحه كلها الرضا صعب شديد، وإنما معول المؤمن الصبر.
أدركت صدر هذه الأمة وخيارها وطال عمري فيهم، فوالله إنهم كانوا فيما أحل الله لهم أزهد منكم فيما حرم لله عليكم، أدركتهم عاملين بكتاب ربهم، متبعين سنة نبيهم، ما طوى أحدهم ثوبا، ولا جعل بينه وبين الأرض شيئا، ولا أمر أهله بصنع طعام، كان أحدهم يدخل منزله فإن قُرب إليه شيء أكل وإلا سكت فلا يتكلم في ذلك. تجد الرجل قد لبس الأحمر والأبيض وقال: هلموا فانظروا إليَّ، قال الحسن: قد رأيناك يا أفسق الفاسقين فلا أهلا بك ولا سهلا، فأما أهل الدنيا فقد اكتسبوا بنظرهم إليك مزيد حرص على دنياهم، وجرأة على شهوات الغنى في بطونهم وظهورهم، وأما أهل الآخرة فقد كرهوك ومقتوك.
إن يوم القيامة لذو حسرات، الرجل يجمع المال ثم يموت ويدعه لغيره فيرزقه الله فيه الصلاح والإنفاق في وجوه البر، فيجد ماله في ميزان غيره.
كراماته:
كان رجل من الخوارج يغشى مجلس الحسن فيؤذيهم فقيل للحسن: يا أبا سعيد : ألا تكلم الأمير حتى يصرفه عنا، قال: فسكت عنهم، (قال: فأقبل ذات يوم والحسن جالس مع أصحابه فلما رآه قال: اللهم، قد علمت أذاه لنا فاكفناه بما شئت، قال: فخر – والله – ) الرجل من قامته، فما حمل إلى أهله إلا ميتا على سرير، فكان الحسن إذا ذكره بكى، وقال: البائس ما كان أغره بالله!
قال سعيد بن أبي عروة: غمَّ على الناس هلال شهر رمضان، قال: فخرج الحسن فقال: ” اللهم إن كانت ليلته فبينه “، قال: فانجلى عنه الغيم حتى نظر الناس إليه.
لما ولى الحجاج بن يوسف الثقفي العراق وزاد طغيانه وتجبره، وقف الحسن البصري وكذلك الكثير من علماء عصره في وجهه، وتصدوا لقبيح أفعاله ذلك عندما بنى الحجاج لنفسه بيتاً وقصراً مشيداً في واسط بينه بين البصرة والكوفة؛ فلما انتهى من بنائه أراد للناس أن يخرجوا إليه ليشاهدوا بهرجته وروعته، فلما علم الحسن بذلك وجدها فرصة سانحة ليخرج إلى هذا الجمع الغفير من الناس فيعظهم ويذكرهم ويصرفهم عن تلك الزخارف المزيفة إلى روعة ما عند الله وكماله وبقائه، ويعظهم ألا يغتروا ببهجة الحياة الدنيا فلما خرج إليهم ورآهم يطوفون بذلك القصر المشيد مندهشين بروعة بنائه وقف فيهم خطيباً وقال: (لقد نظرنا فيما ابتنى أخبث الأخبثين، فوجدنا أن فرعون شيد أعظم مما شيد، وبنى أعلى مما بنى، ثم أهلك الله فرعون، وأتى على ما بنى وشيد .. ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه، وأن أهل الأرض قد غرّوه) مضى على هذه الطريقة يفضح الحجاج، حتى أشفق عليه الحاضرون فقال قائلهم: حسبك يا أبا سعيد، حسبك .. فقال له الحسن: لقد أخذ الله الميثاق على أهل العلم ليبيننه للناس ولا يكتمونه .. وفي اليوم التالي أتى الحجاج مجلسه وهو يشتاط غيظاً من الحسن وقال لجلسائه: (تبا لكم وسحقاً، يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه!؟ والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء), ثم أمر بالسيف والنطع فؤحضرا، ودعا بالجلاد فمثل واقفا بين يديه، ثم أمر الشرط أن يأتوا به، فجاؤوا بالحسن فارتجفت له القلوب خوفاً عليه، فلما رأى الحسن السيف والنطع والجلاد تحركت شفتاه، ثم توجه إلى الحجاج في عزة المؤمن الواثق بربه والذي يخشاه ولا يخشى أحداً إلا الله، وما إن رآه الحجاج حتى هابه ووقره وقال: ها هنا يا أبا سعيد، ها هنا .. ثم مازال يوسع له ويقول: ها هنا والناس يندهشون للموقف، حتى أجلسه على فراشه وأخذ يسأله عن بعض أمور الدين، ويجيبه الحسن بعلمه الفياض ومنطقه العذب وهو ثابت صلب فقال له الحجاج: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد، ثم طيب له لحيته بأغلى أنواع الطيب وودعه ولما خرج تبعه حاجب الحجاج وقال له: يا أبا سعيد، لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك، وأنى رأيتك عندما أقبلت، ورأيت السيف والنطع، حركت شفتيك فماذا قلت؟ قال: قلت يا ولى نعمتي، وملاذي عند كربتي، اجعل نقمته برداً وسلاماً علىَّ كما جعلت النار برداً وسلاماً على إبراهيم.
وفاته:
قال ابن علية: مات الحسن في رجب سنة عشر ومائة، وقال عبد الله بن الحسن: إن أباه عاش نحوا من ثمان وثمانين سنة.
وقال الذهبي: مات في أول رجب، وكانت جنازته مشهودة، صلوا عليه عقيب الجمعة بالبصرة، فشيعه الخلق، وازدحموا عليه، حتى إن صلاة العصر لم تقم في الجامع.
ويروى أنه أغمي عليه ثم أفاق إفاقة، فقال: لقد نبهتموني من جنات وعيون، ومقام كريم.