الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق 18 سبتمبر 2020 مـ

العارف بالله جعفر الصادق رضي الله عنه

اسمه ونسبه:

جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين.
كنيته:
يكنى بأبي عبد الله، والصادق لقب وليس كنية، وأُطلق عليه هذا اللقب نظراً لعدم معرفة الكذب عنه إطلاقاً، وكما حمل عدة ألقاب منها الفاضل والطاهر.. إلخ.
أُطلق على الصادق اسم جعفر نسبة إلى أحد أجداده الشهيد جعفر الطيار، وينحدر من نسب مشرف فأمه أم عبد الله بنت الحسن بن علي بن أبي طالب، وجدته لأمه هي أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، فحظي بنسل مشرّف.
ولادته:
ولد في السابع عشر من شهر بيع الأول عام 80 للهجرة في المدينة المنوّرة.

علمه وعبادته:
لم تقتصر مجالات اهتمامه على الفقه والدين، بل تجاوزت ذلك لتشمل أيضاً علم الكيمياء، فله الريادة الأولى فيه إذ يعتبر أبو الكيمياء العالم جابر بن حيان أحد تلاميذ سيدنا جعفر الصادق، وكما اهتم بالطب والفيزياء والفلسفة والأدب وعلم الفلك أيضاً.

وعرف عنه بأنه من أكثر المدافعين عن الخلفاء الراشدين جميعهم دون استثناء، وخاصة من كان يتعرض للخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
مكانته العلميّة:
اشتهر الإمام جعفر الصادق بسعة علمه وغزارته، كما كان ينضم لصفوف العلماء المسلمين، وكما يعتبر من رجال السياسة الحكماء، فعاصر الفترة المتتالية ما بين انهيار الدولة الأموية وقيام الدولة العباسيّة، فأسس في عهد الدولة العباسة نواة علمية تخرّج منها كوكبة من الطلبة والعلماء.
وسئل أبو حنيفة: من أفقه من رأيت؟ قال: ما رأيت أحدا أفقه من جعفر بن محمد!
لما أقدمه المنصور الحيرة، بعث إلي فقال: يا أبا حنيفة، إن الناس قد فتنوا بجعفر بن محمد، فهيئ له من مسائلك الصعاب. فهيأت له أربعين مسألة، ثم أتيت أبا جعفر وجعفر جالس عن يمينه، فلما بصرت بهما دخلني لجعفر من الهيبة ما لا يدخلني لأبي جعفر فسلمت وأذن لي فجلست. ثم التفت إلى جعفر، فقال: يا أبا عبد الله، تعرف هذا؟ قال: نعم . هذا أبو حنيفة. ثم أتبعها: قد أتانا. ثم قال: يا أبا حنيفة، هات من مسائلك نسأل أبا عبد الله فابتدأت أسأله. فكان يقول في المسألة: أنتم تقولون فيها كذا وكذا، وأهل المدينة يقولون كذا وكذا، ونحن نقول كذا وكذا، فربما تابعنا وربما تابع أهل المدينة ، وربما خالفنا جميعا، حتى أتيت على أربعين مسألة ما أخرم منها مسألة.
ثم قال أبو حنيفة: أليس قد روينا أن أعلم الناس أعلمهم باختلاف الناس؟!
روى يحيى بن أبي بكر عن هياج بن بسطام قال: كان جعفر بن محمد يطعم حتى لا يبقى لعياله شيء.
عن عائذ بن حبيب، قال جعفر بن محمد: لا زاد أفضل من التقوى، ولا شيء أحسن من الصمت، ولا عدو أضر من الجهل، ولا داء أدوأ من الكذب.
وقال أيضا: إياكم والخصومة في الدين، فإنها تشغل القلب، وتورث النفاق.
قال الخليل بن أحمد : سمعت سفيان الثوري يقول: قدمت مكة فإذا أنا بأبي عبد الله جعفر بن محمد قد أناخ بالأبطح، فقلت: يا ابن رسول الله، لم جعل الموقف من وراء الحرم ؟ ولم يصر في المشعر الحرام ؟ فقال: الكعبة بيت الله، والحرم حجابه، والموقف بابه.
فلما قصده الوافدون، أوقفهم بالباب يتضرعون، فلما أذن لهم في الدخول، أدناهم من الباب الثاني وهو المزدلفة. فلما نظر إلى كثرة تضرعهم وطول اجتهادهم رحمهم، فلما رحمهم، أمرهم بتقريب قربانهم، فلما قربوا قربانهم، وقضوا تفثهم وتطهروا من الذنوب التي كانت حجابا بينه وبينهم، أمرهم بزيارة بيته على طهارة.
قال: فلم كره الصوم أيام التشريق؟ قال: لأنهم في ضيافة الله. ولا يجب على الضيف أن يصوم عند من أضافه. قلت: جعلت فداك فما بال الناس يتعلقون بأستار الكعبة وهي خرق لا تنفع شيئا؟ قال: ذاك مثل رجل بينه وبين رجل جرم، فهو يتعلق به ، ويطوف حوله رجاء أن يهب له ذلك ذاك الجرم.
حدثنا عيسى بن أبي حرب الصفار، عن الفضل بن الربيع، عن أبيه، قال: دعاني المنصور فقال: إن جعفر بن محمد يلحد في سلطاني قتلني الله إن لم أقتله. فأتيته، فقلت: أجب أمير المؤمنين. فتطهر ولبس ثيابا، أحسبه قال جددا فأقبلت به فاستأذنت له، فقال: أدخله ، قتلني الله إن لم أقتله. فلما نظر إليه مقبلا قام من مجلسه فتلقاه وقال: مرحبا بالنقي الساحة، البريء من الدغل والخيانة، أخي وابن عمي، فأقعده معه على سريره وأقبل عليه بوجهه وسأله عن حاله، ثم قال: سلني عن حاجتك فقال: أهل مكة والمدينة قد تأخر عطاؤهم فتأمر لهم به. قال: أفعل.
ثم قال: يا جارية ائتني بالتحفة. فأتته بمدهن زجاج فيه غالية فغلفه بيده وانصرف. فاتبعته، فقلت: يا ابن رسول الله! أتيت بك ولا أشك أنه قاتلك، فكان منه ما رأيت!! وقد رأيتك تحرك شفتيك بشيء عند الدخول فما هو؟ قال: قلت: اللهم احرسني بعينك التي لا تنام، واكنفني بركنك الذي لا يرام، واحفظني بقدرتك علي، ولا تهلكني وأنت رجائي . رب كم من نعمة أنعمت بها علي قل لك عندها شكري، وكم من بلية ابتليتني بها قل لها عندك صبري؟! فيا من قل عند نعمته شكري فلم يحرمني، ويا من قل عند بليته صبري فلم يخذلني، ويا من رآني على المعاصي فلم يفضحني، ويا ذا النعم التي لا تحصى أبدا، ويا ذا المعروف الذي لا ينقطع أبدا، أعني على ديني بدنيا، وعلى آخرتي بتقوى، واحفظني فيما غبت عنه ولا تكلني إلى نفسي فيما خطرت.
يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اغفر لي ما لا يضرك، وأعطني ما لا ينقصك، يا وهاب أسألك فرجا قريبا، وصبرا جميلا، والعافية من جميع البلايا، وشكر العافية. [سير أعلام النبلاء].
وفاته:
أشارت مصادر متعددة إلى أنّ الإمام جعفر الصاق قد قضى مسموماً، وكان ذلك في سنة 148 للهجرة عن عمر يناهز 64 عاماً، ووارى جثمانه ثرى البقيع في المدينة المنورة بجوار صحابة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

تنبيه: وعلى المؤمن التقي الحذر كل الحذر من روايات الزيغ والضلال من أهل الغلو والجفاء، فالحق أحق أن يتبع، فنعتمد على الثابت المسند والحق والمسدد بعيدًا عن جهالات وخزعبلات الفئتين.