الأثنين 22 ذو القعدة 1441 هـ الموافق 13 يوليو 2020 مـ

حِكم ووصايا

• عن سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناس نائمون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، … وينبغي لحامل القرآن أن لا يكون جافيا ولا غافلا ولا صخابا ولا صياحا ولا حديدا. (حلية الأولياء)

• وعن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله بن مسعود قال: أنتم أكثر صياما وأكثر صلاة وأكثر اجتهادًا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم كانوا خيرا منكم، قالوا: لِمَ يا أبا عبد الرحمن؟ قال: هم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. (حلية الأولياء)

• وعن جعفر بن برقان قال: بلغنا أن سيدنا سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه كان يقول: أضحكني ثلاث وأبكاني ثلاث، ضحكت من مؤمل الدنيا والموت يطلبه، وغافل لا يغفل عنه، وضاحك ملء فيه لا يدري أمسخط ربه أم مرضيه، وأبكاني ثلاث: فراق الأحبة محمد وحزبه، وهول المطلع عند غمرات الموت، والوقوف بين يدي رب العالمين حين لا أدري إلى النار انصرافي أم إلى الجنة. (حلية الأولياء)

• وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: اعبدوا الله كأنكم ترونه، وعدوا أنفسكم من الموتى، واعلموا أن قليلا يغنيكم خير من كثير يلهيكم، واعلموا أن البر لا يبلى وأن الإثم لا يُنسى. (حلية الأولياء)

• وعن سالم بن أبي الجعد عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: حذر امرؤ أن تبغضه قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر، ثم قال: أتدري ما هذا؟ قلت: لا، قال: العبد يخلو بمعاصي الله عز وجل فيلقي الله بغضه في قلوب المؤمنين من حيث لا يشعر. (حلية الأولياء)

• وعن قيس قال: كان أبو الدرداء إذا كتب إلى سلمان أو سلمان كتب إلى أبي الدرداء كتب إليه يذكِّره بآية الصحفة، قال: وكنا نتحدث أنه بينما هما يأكلان من الصحفة فسبَّحت الصحفة وما فيها. (حلية الأولياء)

• وعن عمرو بن قيس عمن حدثه عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه لما حضره الموت قال: انظروا أصبحنا؟ فأتي فقيل: لم تصبح، فقال: انظروا أصبحنا؟ فأتي فقيل له: لم تصبح، حتى أتي في بعض ذلك فقيل: قد أصبحت، قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار، مرحبا بالموت، مرحبا زائر مغب حبيب جاء على فاقة، اللهم إني قد كنت أخافك فأنا اليوم أرجوك، اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن لظمأ الهواجر ومكابدة الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر. (حلية الأولياء)

• وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: “كيف أصبحت يا معاذ؟” قال: أصبحت مؤمنا بالله تعالى، قال: “إن لكل قول مصداقا، ولكل حق حقيقة؛ فما مصداق ما تقول؟” قال: يا نبي الله، ما أصبحت صباحا قط إلا ظننت أني لا أمسي، وما أمسيت مساء قط إلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوت خطوة إلا ظننت أني لا أتبعها أخرى، وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار، وثواب أهل الجنة، قال: “عرفت؛ فالزم”. (حلية الأولياء)

• وعن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال حين بعثه إلى اليمن: “أخلص دينك، يكفِك القليل من العمل”. (حلية الأولياء)

• وعن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه قال:
مَنْ عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، ومن أطلق بصره طال أسفه، ومن أطلق أمله ساء عمله، ومن أطلق لسانه قتل نفسه.
وقال: قلة الحرص والطمع تورِث الصدق والورع، وكثرة الحرص والطمع تورث الهم والجزع.
وكان عامة دعائه: اللهم انقلني من ذل معصيتك إلى عز طاعتك.
• وقال حذيفة المرعشي: أويت أنا وإبراهيم بن أدهم إلى مسجد خراب بالكوفة، وكان قد مضى علينا أياما لم نأكل فيها شيئا، فقال لي: كأنك جائع؟
قلت: نعم!
فأخذ رقعة فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أنت المقصود إليه بكل حال، المشار إليه بكل معنى.
أنا حامد أنا ذاكر أنا شاكر * أنا جائع أنا حاسر أنا عاري
هي ستة وأنا الضمين لنصفها * فكن الضمين لنصفها يا باري
مدحي لغيرك وهج نار خضتها * فأجر عبيدك من دخول النار.
ثم قال لي: اخرج بهذه الرقعة ولا تعلق قلبك بغير الله سبحانه وتعالى، وادفع هذه الرقعة لأول رجل تلقاه.
فخرجت فإذا رجل على بغلة فدفعتها إليه فلما قرأها بكى ودفع إليّ ستمائة دينار وانصرف، فسألت رجلا: من هذا الذي على البغلة؟
فقالوا: هو رجل نصراني.
فجئت إبراهيم فأخبرته فقال: الآن يجيء مسلم.
فما كان غير قريب حتى جاء فأكب على رأس إبراهيم وأسلم.
وكان إبراهيم يقول: دارنا إمامنا وحياتنا بعد وفاتنا، فإما إلى الجنة وإما إلى النار، مثِّل لبصرك حضور ملك الموت وأعوانه لقبض روحك وانظر كيف تكون حينئذ، ومثِّل له هول المضجع ومساءلة منكر ونكير وانظر كيف تكون، ومثِّل له القيامة وأهوالها وأفزاعها والعرض والحساب، وانظر كيف تكون. ثم صرخ صرخة خر مغشيا عليه.
ونظر إلى رجل من أصحابه يضحك فقال له: لا تطمع فيما لا يكون، ولا تنسى ما يكون.
فقيل له: كيف هذا يا أبا إسحاق؟
فقال: لا تطمع في البقاء والموت يطلبك، فكيف يضحك من يموت ولا يدري أين يذهب به إلى جنة أم إلى نار؟ ولا تنس ما يكون الموت يأتيك صباحا أو مساء.
ثم قال: أوّه أوّه ! ثم خرّ مغشيا عليه.
وكان يقول: ما لنا نشكو فقرنا إلى مثلنا ولا نسأل كشفه من ربنا.
ثم يقول: ثكلت عبدا أمه أحب الدنيا ونسي ما في خزائن مولاه.
وقال: إذا كنت بالليل نائما وبالنهار هائما وفي المعاصي دائما فكيف ترضي من هو بأمورك قائما.
ورآه بعض أصحابه وهو بمسجد بيروت وهو يبكي ويضرب بيديه على رأسه، فقال: ما يبكيك؟
فقال: ذكرت يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار.
وقال: إنك كلما أمعنت النظر في مرآة التوبة بان لك قبح شين المعصية.
وسأله بعض الولاة: من أين معيشتك؟
فأنشأ يقول:
نرقّع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع
وكان كثيرا ما يتمثل بهذه الأبيات:
لما توعد الدنيا به من شرورها * يكون بكاء الطفل ساعة يوضع
وإلا فما يبكيه منها وإنها * لأروح مما كان فيه وأوسع
إذا أبصر الدنيا استهل كأنما * يرى ما سيلقى من أذاها ويسمع
وكان يتمثل أيضا:
رأيت الذنوب تميت القلوب * ويورثها الذل إدمانها.
وترك الذنوب حياة القلوب * وخير لنفسك عصيانها.
وما أفسد الدين إلا ملوك * وأحبار سوء ورهبانها.
وباعوا النفوس فلم يربحوا * ولم يغل بالبيع أثمانها.
لقد رتع القوم في جيفة * تبين لذي اللب أنتانها.
وقال: إنما يتم الورع بتسوية كل الخلق في قلبك، والاشتغال عن عيوبهم بذنبك، وعليك باللفظ الجميل من قلب ذليل لرب جليل، فكر في ذنبك وتب إلى ربك ينبت الورع في قلبك، واقطع الطمع إلا من ربك.
وقال: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغضه حبيبك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهدنا فيها فآثرناها ورغبنا في طلبها، ووعدكم خراب الدنيا فحصنتموها، ونهاكم عن طلبها فطلبتموها، وأنذركم الكنوز فكنزتموها، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها، فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها، ومنتكم فانقدتم خاضعين لأمانيها تتمرغون في زهراتها وزخارفها، وتتنعمون في لذاتها وتتقلبون في شهواتها، وتتلوثون بتبعاتها، تنبشون بمخالب الحرص عن خزائنها، وتحفرون بمعاول الطمع في معادنها.
وشكى إليه رجل كثرة عياله فقال: ابعث إليّ منهم من لا رزقه على الله. فسكت الرجل.
وقال: ومررت في بعض جبال فإذا حجر مكتوب عليه بالعربية:
كل حيّ وإن بقي * فمن العيش يستقي
فاعمل اليوم واجتهد * واحذر الموت يا شقي.
قال: فبينا أنا واقف أقرأ وأبكي، وإذا برجل أشعر أغبر عليه مدرعة من شعر فسلم وقال: مم تبكي؟
فقلت: من هذا.
فأخذ بيدي ومضى غير بعيد فإذا بصخرة عظيمة مثل المحراب فقال: اقرأ وابك ولا تقصر.
وقام هو يصلي فإذا في أعلاه نقش بين عربي:
لا تبغين جاها وجاهك ساقط * عند المليك وكن لجاهك مصلحا
وفي الجانب الآخر نقش بين عربي:
من لم يثق بالقضاء والقدر * لاقى هموما كثيرة الضَّرر.
وفي الجانب الأيسر نقش بين عربي:
ما أزين التقى وما أقبح الخنا * وكل مأخوذ بما جنا
وعند الله الجزا.
وفي أسفل المحراب فوق الأرض بذراع أو أكثر:
إنما الفوز والغنى * في تقى الله والعمل
قال: فلما فرغت من القراءة التفت فإذا ليس الرجل هناك، فما أدري أنصرف أم حجب عني.
وقال: أثقل الأعمال في الميزان أثقلها على الأبدان، ومن وفى العمل وفي له الأجر، ومن لم يعمل رحل من الدنيا إلى الآخرة بلا قليل ولا كثير.
وقال: كل سلطان لا يكون عادلًا فهو واللص بمنزلة واحدة، وكل عالم لا يكون ورعًا فهو والذئب بمنزلةٍ واحدةٍ، وكل من خدم سوى الله فهو والكلب بمنزلةٍ واحدةٍ.
وقال: ما ينبغي لمن ذل لله طاعته أن يذل لغير الله في مجاعته، فكيف بمن هو يتقلب في نعم الله وكفايته؟
وقال: أعربنا في كلامنا فلم نلحن، ولحنا في أعمالنا فلم نعرب. (حلية الأولياء وصفة الصفوة والبداية والنهاية)