الأربعاء 22 ذو الحجة 1441 هـ الموافق 12 أغسطس 2020 مـ

الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه

اسمه:

عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس بن عبد مناف، يجتمع مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – في عبد مناف.
مولده:

وُلد هذا الصحابيُّ قبل عام الفيل بستِّ سنين.
فضائله:
كان من السابقين إلى الإسلام، زوَّجه النبيُّ – صلى الله عليه وآله وسلم – ابنته رقيةَ، فلما ماتتْ زوَّجه أختها أمَّ كلثوم، ولما خطبها من النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال له: ( لو كان لي يا عثمان عشرة لزوَّجتك واحدة بعد الأخرى)، وكان يلقَّب بذي النورين.
وقد كانت لهذا الصحابي مواقفُ عظيمةٌ، تدلُّ على فضله ونُصرته لهذا الدين، فمن ذلك أنه هاجَرَ الهجرتين: الأولى إلى الحبشة، والثانية إلى المدينة، وجهَّز جيش العُسرة، وحفَرَ بئر رُومَة، وتصدَّق بها على المسلمين، كما قام بتوسعة المسجد النبوي، وفي عهده جمع القرآن الكريم، وتوسَّعتْ فتوحات المسلمين، ووصلتْ إلى مشارق الأرض ومغاربها.
روى الترمذي من حديث عبدالرحمن بن سمرة، قال: جاء عثمان – رضي الله عنه – إلى النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – بألف دينار – قال الحسن بن واقع، وكان في موضع آخر من كتابي: في كُمِّه – حين جهَّز جيش العسرة، فينثرها في حجره، قال عبدالرحمن: فرأيت النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – يقلِّبها في حجره ويقول: (ما ضرَّ عثمانَ ما عمل بعد اليوم) رواه الترمذي.
عَن مَسرُوق، عَن عَبدِ اللهِ، قَال: رَأَى رَسولُ اللهِ صلَّى الله عليهِ وَسلَّم عُثْمانَ بنَ عفَّانَ يوم جَيشِ الْعُسْرَةِ جائِيًا وذاهِبًا، فقال: «اللهُمَّ اغْفِر لِعُثْمَانَ ما أَقْبل وما أَدْبر، وما أَخفَى وما أَعْلنَ، وما أَسَرَّ وما أَجْهَر».

قال الزهري: جهَّز عثمانُ بن عفانَ جيشَ المسلمين في غزوة تبوك بتسعمائة وأربعين بعيرًا وستين فرسًا.
وعن قتادة، أن أنسًا – رضي الله عنه – حدَّثهم، قال: صعد النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – أُحُدًا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف، وقال: ((اسكن أُحد، – أظنه ضرَبَه برِجْله – فليس عليك إلا نبيٌّ، وصديق، وشهيدان)) رواه البخاري.
وعن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مضطجعًا في بيتي كاشفًا عن فخذيه، أو ساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له، وهو على تلك الحال، فتحدث، ثم استأذن عمر فأذن له، وهو كذلك، فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وسوَّى ثيابه، قال محمد: ولا أقول ذلك في يوم واحد، فدخل فتحدث، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش ولم تباله، ثم دخل عمر فلم تهتش له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلستَ وسوَّيت ثيابك؟! فقال: ((ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة؟!)) رواه مسلم.
وعن نَافِعٍ، عن ابنِ عُمر – رضي الله عنه – قَال: قَال رسُولُ اللهِ صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وسلَّمَ: «عُثْمانُ أَحْيَا أُمَّتِي وَأَكْرَمُهَا».

عبادته:
أما عبادته، فقد كان صوَّامًا قوامًا، قال ابن عمر – رضي الله عنه – في قول الله – تعالى -: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ [الزمر: 9]: ذاك عثمان، قال حسان بن ثابت – رضي الله عنه -:

ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ  يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنَا.

قال أبو نعيم عنه: “حظه من النهار الجود والصيام، ومن الليل السجود والقيام، مُبشَّر بالبلوى، ومُنعَّم بالنجوى”. [حلية الأولياء].
وعن الزبير بن عبدالله – رضي الله عنه – عن جدة له يقال لها: هيمة قالت: “كان عثمان يصوم الدهر، ويقوم الليل إلا هجعة من أوله – رضي الله عنه – قتلوه وقد كان صائمًا”. [حلية الأولياء].
عَنْ أَبي هُرَيرَةَ، قَال: ” اشْتَرَى عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ مِن رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم الْجَنَّةَ مَرَّتَيْنِ بَيعَ الْخَلْقِ: حِينَ حفَرَ بِئْرَ رُومَةَ، وَحِينَ جهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ “.
وعَنْ عَبْدِ الْملكِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ الْهَادِ، قَالَ: “رَأَيْتُ عُثْمانَ بْنَ عَفَّانَ يَومَ الْجمعةِ عَلَى الْمِنْبَرِ عَلَيْهِ إِزَارٌ عَدَنِيٌّ غلِيظٌ ثَمَنُهُ أَرْبعةُ دَرَاهِم، أَوْ خَمسَةُ دراهِمَ، ورَيطَةٌ كوفِيَّةٌ مُمَشَّقَةٌ”.
وعَنْ شُرحْبِيلِ بْنِ مُسلِمٍ، “أَنَّ عُثْمانَ، كان يُطْعِمُ النَّاس طَعامَ الْإِمارَةِ، وَيَدْخُل بَيْتَهُ فَيأْكُلُ الْخَلَّ وَالزَّيتَ”.
من أقواله:
قال الحسن البصري – رحمه الله -: “خطب أمير المؤمنين عثمان، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! اتقوا الله تعالى، فإن تقوى الله غٌنْم، وإن أكيس الناس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نوراً لظلمة القبر، وليخشى عبد أن يحشره الله أعمى وقد كان بصيرًا، واعلموا أن من كان الله له؛ لم يخف شيئًا، ومن كان الله عليه؛ فمن يرجو بعده؟!”.
وقال مجاهد فيما نُقل إليه أن عثمان – رضي الله عنه – خطب، فقال: “ابن آدم! اعلم أن ملك الموت الذي وُكل بك لم يخلفك وتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، وكأنه قد تخطى غيرك إليك؛ فخذ حذرك، واستعد له ولا تغفل؛ فإنه لا يغفل عنك”.
ومن خطبه – رضي الله عنه -، أنه قال: “إن الله أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة؛ فلا تركنوا إليها، فإن الدنيا منقطعة والمصير إلى الله تعالى، فاتقوا الله، فإن تقواه جنة من بأسه ووقاية من عذابه”.
كراماته:
دخل إليه رجل كان قد لقى امرأة فى الطريق فتأملها، فقال له عثمان – رضى الله عنه – يدخل أحدكم وفى عينيه أثر الزنى، فقال الرجل:- أوحى بعد رسول الله؟! قال لا ولكنها فراسة المؤمن. [الطبقات للإمام التاج السبكي].
روى عن عبدالله بن سلام قال:- أتيت عثمان يوم الدار فدخلت لأسلّم عليه وهو محصور، فقال :- الليلة رأيت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وقد مثل لي فى هذه الخوخة وأشار عثمان بيده الى خوخة فى أعلى داره، فقال:- يا عثمان، حصروك؟ قلت:- نعم، قال: عطشوك؟ فقلت:- نعم، قال:- فدلى دلوًا شربت منه فها أنا أجد برودة ذلك الدلو بين ثديي وبين كتفى فقال:- إن شئت أفطرت عندنا وإن شئت نصرت عليهم؟ فاخترت الفطر، فقتل ذالك اليوم. [طبقات المناوي]
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
قام جهجاه الغفاري إلى عثمان رضي الله عنه وهو على المنبر، فأخذ عصاه ( أي عصى سيدنا عثمان ) فكسرها، فما حال على جهجاه الحول حتى أرسل الله في يده الأكلة فمات منها.[ أخرجه الباوردي وابن السكن].

وفاته:
قُتل – رضي الله عنه – سنةَ خمسٍ وثلاثين من الهجرة محصورًا في داره في الفتنة المشهورة، وقد جاوز الثمانين من عمره.
وقد ضحى بنفسه وقُتل شهيدًا مظلومًا، وكان باستطاعته أن يستعين بالصحابة للدِّفاع عنه، ولكنه لم يرغب أن تُراق قطرةُ دم من أجْله، وقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – بقتله ظلمًا في حياته، وكانت هذه علامةً من علامات النبوة، فروى الترمذي في سننه من حديث ابن عمر، قال: ذكر النبي – صلى الله عليه وسلم – فتنة، فقال: ( يُقتل فيها هذا مظلومًا ) لعثمان.
وروى الترمذي في سننه من حديث عائشة أن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – قال: ((يا عثمان، إنه لعل الله يقمصك قميصًا، فإن أرادوك على خلعه، فلا تخلعْه لهم)).
وقد روى الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله في مسنده: “أن عثمان أعتق عشرين مملوكاً، ودعا بسراويل؛ فشدها عليه ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم البارحة في المنام، ورأيت أبا بكر وعمر، وإنهم قالوا لي: اصبر؛ فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم إنه طلب مصحفًا، فنشره بين يديه، فقُتل – رضي الله عنه – وهو بين يديه يقرأ القرآن”.