الجمعة 1 صفر 1442 هـ الموافق 18 سبتمبر 2020 مـ

الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه

اسمه:

عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رباح بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، وفي كعب يجتمع نسبه مع نسب سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم. لقبه الفاروق، وكنيته أبو حفص، وقد لقب بالفاروق لأنه كان يفرق بين الحق والباطل ولا يخاف في الله لومة لائم.

مولده:

ولد بعد حادثة الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من السابقين إلى الإسلام.

فضائله:

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه ). وقال: ( كان فيمن قبلكم محدثون, وإن يكن في أمتى لكان عمر). عن ابن عباس: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ( اللهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب )، قال: وكان أحبهما إليه عمر. رواه الترمذي. وقال عنه – صلى الله عليه وآله وسلم-: ( والذي نفسي بيده، ما لقيك الشيطان قط سالكًا فجًا، إلا سلك فجًا غير فجك ) رواه البخاري ومسلم. كان إسلامه فتحًا على المسلمين، وفرجًا لهم من الضيق، وكانت هجرته نصرًا، وكانت إمارته رحمة، تزوج النبي – صلى الله عليه وسلم – من ابنته، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وفي عهده سقطت دولتي فارس والروم، قال عنه عبد الله بن مسعود: “ما عُبد الله جهرة حتى أسلم هذا الرجل”. عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال: “ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر” رواه البخاري. وعن عقبة بن عامر: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ( لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب ). رواه الترمذي. وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: ( كنا جلوسًا عند رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: بينا أنا نائم رأيتني في الجنة فإذا أنا بامرأة تتوضأ إلى جانب قصر فقلت: لمن هذا القصر؟ فقالت: لعمر فذكرت غيرته فوليت مدبرًا )، قال أبو هريرة: فبكى عمر بن الخطاب فقال: “أعليك بأبي وأمي يا رسول الله أغار؟!” رواه ابن ماجة. وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه -: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ( بينا أنا نائم رأيت الناس يعرضون علي و عليهم قمص فمنها ما يبلغ الثدي ومنها ما يبلغ أسفل دون ذلك وعرض علي عمر بن الخطاب وعليه قميص اجتره” قالوا: فما أولته يا رسول الله؟ قال: الدين ). رواه البخاري ومسلم. وقد كان – رضي الله عنه – رجلًا ملهمًا، نزل القرآن الكريم في موافقته في عدد من آرائه، ففي الصحيحين من حديث سيدنا عمر رضي الله عنه أنه قال: “وافقت ربي في ثلاث فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله – عز وجل-: ﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ [البقرة: 125] وآية الحجاب قلت: يا رسول الله لو أمرت نساءك أن يحتجبن؟ فإنه يكلمهن البر والفاجر فنزلت آية الحجاب، واجتمع نساء النبي في الغيرة عليه فقلت لهن: ﴿ عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ ﴾ [التحريم: 5] فنزلت هذه الآية. وكذلك وافقه في أسارى بدر، وفي ترك الصلاة على المنافقين، وفي غيرها من المواضع، وكان – رضي الله عنه – من أعلم الصحابة وأفقههم. قال عبد الله بن مسعود: لو أن علم عمر وضع في كفة ميزان، ووضع علم أحياء الأرض في كفة لرجح بهم علم عمر، ولقد كانوا يرون أنه ذهب بتسعة أعشار العلم. وروي: أن عمر رضي الله عنه خرج ذات ليلة بعدما دخل رمضان، فدخل المسجد، فرأى الناس أوزاعاً يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل ليصلي بصلاته الرهط، فقال: إني أرى لو جمعتهم على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم رضي الله عنه على أبي بن كعب سيد القراء يصلي بهم عشرين ركعة، ثم إنه خرج ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، فقال: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل.

عبادته:

عن زيد بن أسلم: أن عمر رضي الله عنه كان يصلي من الليل ما شاء الله أن يصلي، حتى إذا كان آخر الليل، أيقظ أهله وهو يقول: “الصلاة، الصلاة”، ثم يتلو هذه الآية: ﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا ﴾ [طه: 132]. وروي أنه رضي الله عنه قال:” لو ماتت سخلة على شاطئ الفرات بالعراق ضيعة، لخشيت أن أسأل عنها”. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: “كنت مع عمر فدخل حائطاً لحاجة، فسمعته من وراء الحائط يقول في نفسه: عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخٍ بخٍ، والله لتتقين بني الخطاب أو ليعذبنك” كتاب الزهد للإمام أحمد. وروي: أن عمر رضي الله عنه اجتاز برجل وهو يقرأ: ﴿ وَالطُّورِ * وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ ﴾ [الطور: 1، 2] حتى بلغ: ﴿ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ ﴾ [الطور: 7، 8]. فبكى بكاءً شديداً حتى مرض أياماً، وعاده بعض إخوانه رضي الله عنه، وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء”. وكان رضي الله عنه يسأل حذيفة بن اليمان، يقول: ((أسألك بالله: هل عدني رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنافقين؟)). وكان رضي الله عنه عام الرمادة (أي: عام القحط والمجاعة) لا يأتدم إلا بالزيت لا بالسمن. ويقول لبطنه: “تقرقر أو لا تقرق، والله لا أتدم بالسمن والناس جياع”. وروي أن عمر رضي الله عنه قال: “لولا ثلاث لما أحببت البقاء: لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل (يعني: في العبادة)، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب التمر”. وكان رضي الله عنه إذا رأى كثرة الفتوح وكثرة الغنائم يبكي ويشتد بكاؤه، ويقول: “ما حبس هذا عن نبيه صلى الله عليه وسلم وعن أبي بكر، لشر أراده بهما، وأعطاه عمر إرادة الخير له”. وروي: أنه رضي الله عنه إذا صلى العشاء، دخل بيته، فما زال يصلي حتى يطلع الفجر. وعن محمد بن علي أن عمر رضي الله عنه لما دون الدواوين قال: بمن ترون أبدأ؟ فقيل له: ابدأ بالأقرب منك يا أمير المؤمنين! قال: بل أبدأ بالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم!. رواه الشافعي. وقد روي: أن عبد الله بن عمر رضي الله عنه اشترى إبلاً، فجعلها ترعى في حمى إبل الصدقة، فَنَمَت وازداد ثمنها، فلما علم عمر رضي الله عنه، قال لابنه: “ليس لك إلا رأس مالك، وما زاد فيدخل في بيت مال المسلمين”. وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:”غدوت مع أمير المؤمنين عمر إلى السوق، فلحقته امرأة شابة، فقالت: يا أمير المؤمنين! هلك زوجي وترك صبية صغاراً، والله ما ينضجون كراعاً ولا زرع لهم ولا ضرع، وإني خشيت أن تأكلهم الضبع، وأنا بنت خفاف بن إماء الغفاري، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوقف معها عمر، وقال: مرحباً بنسب قريب، ثم انصرف إلى بعير كان مربوطاً في الدار، فحمل عليه عدلين طعام ونفقة وثياب، فقال لها: اقتادي البعير، فلن يفنى هذا حتى يأتيكم الله بخير إن شاء الله…”. رواه البخاري. وعن الحسن البصري قال: “بينا عمر رضي الله عنه يعس بالمدينة ليلاً لقيته امرأة تحمل قربة، فسألها، فذكرت له أن لها عيالاً وليس لها خادم، وأنها تخرج ليلاً فتسقى لهم الماء، وتكره أن تخرج نهاراً، فحمل عمر عنها القربة حتى بلغ منزلها، ثم قال لها: آتي عمر غدوة يخدمك خادماً”. وعن أسلم مولى عمر قال: “خرجت مع عمر ليلة من الليالي خارج المدينة، فلاحت لنا نار من بعيد، فقال عمر: يا أسلم! هؤلاء ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فإذا امرأة معها صبيان لها، وإذا الصبية على النار يتضاغون حولها، قال لها عمر: ما هذه النار؟ وما هذا القدر؟ قالت: أريد أن أعلل الصبية حتى يناموا؛ لأن الجوع والبرد أقلقهم عن النوم، فالله بيننا وبين عمر، فبكى عمر، ورجع من ساعته إلى دار الدقيق، فأخرج عدلاً فيه دقيق وجراباً فيه شحم، فحملهما على ظهره، ثم أعطاها نفقة، والمرأة لا تعرفه”.

من أقواله:

من عرَّض نفسه للتهمة فلا يلومنَّ من أساء به الظن. من كتم سره كانت الخيرة في يده. ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك منه ما يغلبك، ولا تظن بكلمة خرجت من أخيك المسلم شرا وأنت تجد لها في الخير محملاً. ما كافأت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وعليك بإخوان الصدق فكثر في اكتسابهم ،فإنهم زين في الرخاء، وعدة عند عظيم البلاء، ولا تهاون بالحلف بالله فيهينك الله.[ سيرة عمر لابن الجوزي :202 ونثر الدر2:/43 ]. وروي أن رجلاً قال لعمر رضي الله عنه: اتق الله يا عمر! فأجابه أحد الحاضرين بقوله: أتقول هذا لأمير المؤمنين! ولكن عمر نهر القائل الذي قال أتقول هذا لأمير المؤمنين بقوله: لا خير فيكم إن لم تقولوها، ولا خير فينا إن لم نسمعها.

كراماته:

عن عبد الله بن عمر قال: “ما سمعت عمر يقول لشيء قط – إني لأظن كذا وكذا – إلا كان ما يظن”. أخرجه البخاري . وروي لما فتحت مصر أتى أهلها إلى عمرو بن العاص حين دخل بئونة من أشهر العجم فقالوا: أيها الأمير، إن لنيلنا هذا سنة لا يجري إلا بها، فقال: وما ذاك؟ فقالوا: إذا كان ثنتا عشرة ليلة خلون من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها فأرضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال له عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله، قال: فأقاموا بئونة وأبيب ومسرى، والنيل لا يجري قليلا ولا كثيرا حتى هموا بالجلاء، فلما رأى ذلك عمرو كتب بذلك إلى عمر بن الخطاب، فكتب: إنك قد أصبت بالذي فعلت، وإن الإسلام يهدم ما قبله، وإني قد بعثت إليك ببطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل، فلما قدم كتاب عمر رضي الله عنه إلى عمرو أخذ البطاقة ففتحها فإذا فيها: “من عبد الله عمر أمير المؤمنين إلى نيل مصر، أما بعد: فإن كنت إنما تجري من قبلك فلا تجر، وإن كان الله الواحد القهار هو الذي يجريك فنسأل الله الواحد القهار أن يجريك ” . قال: فألقي البطاقة في النيل، فلما ألقى البطاقة أصبحوا يوم السبت، وقد أجراه الله تعالى ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة، وقطع الله تعالى تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم. وروي عن نافع عن ابن عمر: أن عمر – رضي الله عنه – خطب يوما بالمدينة فقال: يا سارية بن زنيم الجبل، من استرعى الذئب فقد ظلم، قال: فقيل له: تذكر سارية وسارية بالعراق؟! فقال الناس لعلي: أما سمعت عمر يقول: يا سارية وهو يخطب على المنبر؟! فقال: ويحكم دعوا عمر فإنه ما دخل في شيء إلا خرج منه، فلم يلبث إلا يسيرا حتى قدم سارية فقال: سمعت صوت عمر فصعدت الجبل.

وفاته:

وقد أكرمه الله بالشهادة، فكان قتله على يد الغادر الشقي أبي لؤلؤة المجوسي في سنة ثلاث وعشرين من الهجرة، وهو يؤم الناس لصلاة الفجر، طعنه بسكين ذات شقين. وروى الإمام أحمد في مسنده من حديث عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه خطب الناس على المنبر يوم الجمعة فحمد الله وأثنى عليه ثم ذكر رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وذكر أبا بكر ثم قال: رأيت رؤيا لا أراها إلا لحضور أجلي، رأيت كأن ديكًا نقرني نقرتين، قال: وذكر لي أنه ديك أحمر، فقصصتها على أسماء بنت عميس امرأة أبي بكر – رضي الله عنه – فقالت: يقتلكَ رجل من العجم.