الأحد 14 ربيع الثاني 1442 هـ الموافق 29 نوفمبر 2020 مـ

قصة ⁩عن ⁧ الجهاد ⁩ في سبيل الله تعالى:

‏قال الشيخ عبد الواحد بن زيد: بينما نحن ذات يوم في مجلسنا، قد تهيأنا للخروج إلى الغزو، ‏قال رضي الله عنه: فأمرت أصحابي بقراءة آيتين.
‏فقرأ رجل في مجلسنا: { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة .. } الآية، ‏فقام غلام في مقدار 15 سنة .. وقد مات أبوه وورثه مالا كثيرا، فقال: يا شيخ .. { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة)؟
‏فقلت: نعم يا حبيبي.
‏فقال: إني أُشْهِدُك أني قد بعت نفسي ومالي بأن لي الجنة.
‏فقلت: إن حدّ السيف أشدّ من ذلك، وأنت صبيّ فأخاف أن لا تصبر ..
‏فقال: يا شيخ، أبايع الله تعالى بالجنة ثم أعجز؟‍ أُشهِد اللهَ أني قد بايعته.
‏قال الشيخ: فتقاصرت إلينا أنفسنا، وقلنا: صبيٌّ يعقل ونحن لا نعقل!
‏فخرج من ماله كله، وتصدَّق به إلا فرسه وسلاحه ونفقته.
‏فلما كان يوم الخروج، كان الغلام أول من طلع علينا، فقال: السلام عليك يا شيخ عبد الواحد.
‏فقلت: وعليك السلام، رَبِحَ البيع.
‏قال: ثم سرنا وهو معنا، يصوم النهار ويقوم الليل، ويخدمنا، ويخدم دوابنا، ويحرسنا إذا نِمْنا، حتّى إذا انتهينا إلى دار الرُّوم، ‏فبينما نحن كذلك، إذا بالغلام قد أقبل وهو ينادي:” واشوقاه إلى العيناء المُرْضِيَة “!
‏فقال أصحابي: لعله وُسْوِس لهذا الصبي واختلط عقله؟‍!
‏فقلت: حبيبي، وما هذه العَيناء المُرْضِيَة؟‍!
‏فقال: إني غفوت غفوة، فرأيت كأنه أتاني آتٍ، فقال لي: اذهب إلى العيناء المُرْضِيَة.
‏فَهُجِم بي على رَوضة فيها نَهَرٌ من ماء غير آسن، وإذا على شطّ النهر جوارٍ عليهن مـن الحُلِي والحلل ما لا أَقْدِر أن أصِفه، ‏فلما رأينني استبشرن بي، وقلن: هذا زوج العيناء المُرْضِية.
‏فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المرضية؟
‏فقلن: نحن خدمها وإماؤها، امض أمامك، ‏فمضيت أَمامي، فإذا أنا بِنهرٍ من لَبَن لم يتغيّر طعمُه، في روضةٍ فيها من كل زِينة، فيها جوارٍ لما رأيتهن افْتُتِنْت بحُسنِهن وجمالِهن، ‏فلما رأينني استبشرن بي وقلن: هذا والله زوج العيناء المُرْضِيَة.
‏فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المُرْضِيَة؟
‏فقلن: يا ولي الله، نحن خدمها وإماؤها فتقدّم أمامك.
‏فتقدمت فإذا أنا بنهر من خمرة لذة للشاربين، وعلى شط الوادي جَوار أنْسَيْنَني من خلّفت، ‏فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المُرْضِيَة؟
‏فقلن: لا، نحن خدمها وإماؤها، امض أمامك.
‏فمضيت، فإذا أنا بنهرٍ من عسل مصفى، وجَوار عليهن من النور والجمال ما أنساني ما خلَّفت.
‏فقلت: السلام عليكن، أفيكن العيناء المُرْضِيَة؟
‏فقلن: يا ولي الله، نحن خدمها وإماؤها، فامضِ أمامك.
‏فمضيت أمامي، فوصَلت إلى خيمة من دُرَّة بيضاء، ‏وعلى بابها جارية عليها من الحلي والحلل ما لا أقدر أن أصفه
‏فلما رأتني استبشرت ونادت من في الخيمة: أيتها العيناء المرضية، هذا بعلك قد قَدم، ‏قال: فدخلت الخيمة، فإذا هي قاعدة على سرير من ذهب مكلل بالدر والياقوت.
‏فافتُتنت بها وهي تقول: مرحبا بك يا ولي الرحمن، قد دنا لك القدوم علينا.
‏قال: فذهبت لأعتنقها، فقالت: مهلاً، فإنه لم يأن لك أن تعانقني؛ لأن فيك روح الحياة! وأنت تفطر الليلة عندنا إن شاء الله تعالى.
‏قال الغلام: فانتبهت يا شيخ عبد الواحد ولا صبر لي عنها.
‏قال الشيخ عبد الواحد: فما انقطع كلامنا حتى ارتفعت لنا سرية من العدو، ‏قال: فحمل الغلام عليهم، فعددت تسعة من العدو قتلهم وكان هو العاشر، فمررت به وهو يتشحط في دمه وهو يضحك ملء فيه حتى فارق الدنيا “
في الأثر:
‏بينما جبار من الجبابرة في منزله قد خلا ببعض أهله، إذ رأى شخصا دخل بيته، فثار إليه فزِعا مُغضبا وقال له: من أنت؟ ومن أدخلك داري؟
‏فأجابه الشَّخْصُ:
‏أمَّا الذِي أدْخَلَنِي الدَّارَ: فَرَبّ
ُهَا.
‏وأما أنا: فالذي لا يُمنَع من الحُجَّاب، ولا أستأذن على الملوك، ولا أخاف صَوْلة المتسلِّطين ولا يمتنع مني كل جبّار عنيد، ولا شيطان مَريد.
‏فسقط ما في يد الجبّار، وارتعد، حتى سقط مُنكبًّا على وجهه.
‏ثمَّ رفع رأسه إليه مُستجدياً مُتذلّلاً له، فقال له: أنت إذن مَلك المَوت؟
‌‏قال: أنا هو.
‏فقال: فهل أنت مُمهل حتى أُحدِث عَهدا؟
‏قال: هيهات؛ انقطعت مدَّتُك، وانقضت أنفاسُك، ونَفَدَت ساعاتك، فليس إلى تأخيرك سبيل.
‌‏فقال: فإلى أين تذهب بي؟
‏قال: إلى عملك الذي قدَّمته، وإلى بيتك الذي مهّدّته.
‏فقال: فإني لم أقدّم عملاً صالحا، ولم أمهّد بيتاً حسنا!
‌‏قال: فَإِلَى لَظَى، نَزَّاعَة لِلْشَّوَى، تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى، وجَمَعَ فَأوْعَى.
‌‏فأمر الجبارُ بماله حتى وُضِع بين يديه، فقال حِين رآه: لَعَنَك الله مِن مال، أنت شغلتني عن عبادة ربّي، ومَنَعْتَني أن أتخلّى لربّي.
‌‏فأنْطَق اللهُ المَالَ، فقال: لِمَ تَسُبَّني؛ وقد كنتَ تدخُل على السلاطين بي ويُردّ المُتّقِى عن بابهم، وكُنتَ تنكح المتنعمات بي، ‏وكُنت تَجْلِس مَجْلِس المُلوكِ بي، وتُنْفِقني فِي سَبِيْل الشَّرِّ فلا أمْتَنِع منك؟!
‏ولَو أنْفَقْتَني في سَبِيل الخَيْرِ نفَعتُك.
‌‏خُلِقْتَ يا ابنَ آدَم مِن تُراب، فمُنطلق بِبِرٍّ، ومُنطلق بإثْم.
‌‏ثم قبض ملك الموت روحه، فسقط ميتا بين أهله، فمن بين صارخ وباك!
‏فقال: على من تصرخون؟ وعلى من تبكون؟ فوالله ما ظلمت له أجلا ولا أكلت له رزقا، ‏فلْيَبكِ الباكي على نفسه؛ فإن لي فيكم عودات وعودات، حتى لا أبقى منكم أحدا “.انتهى
‏فلْيَبكِ الباكي على نفسه؛ فإن لي فيكم عودات وعودات، حتى لا أبقى منكم أحدا “.
(إشعال الفتيل لشمس الزمان)